تدخل الأزمة القطرية مع دول الخليج الثلاث ومصر عامها الثالث في الخامس من حزيران/يونيو، من دون وجود بوادر اختراق قوية للتوصل إلى حل، وهو أمر متوقع.
منذ اتخاذ دول الخليج الثلاث (السعودية والإمارات والبحرين)، ومصر التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين بعد “الربيع العربي”، القرار بالمقاطعة والإعلان عن الشروط الـ13 التي على الدوحة تلبيتها للعودة عن إجراءات المقاطعة التي تضمنت إقفال المنافذ البرية والجوية على تلك الجزيرة، جرت محاولات وساطة في “البيت الخليجي”، أوكلت مهمتها إلى أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح الذي كان لعب دوراً رئيسياً في الوصول إلى “اتفاق الرياض” السري عام 2013 والاتفاق التكميلي عام 2014، وهو الاتفاق الذي وقّعه قادة دول مجلس التعاون الخليجي الست وهدف إلى تدشين مرحلة جديدة من العلاقات، خصوصاً بين الرياض وأبو ظبي والمنامة وبين الدوحة.
الوساطة الكويتية مع الأزمة المتجددة لم تُفلح. فبنود “اتفاق الرياض” في مجملها مُطالَبة قطر بتنفيذها. وقد حُددت آنذاك آلية التنفيذ من خلال رؤساء أجهزة الاستخبارات في تلك الدول لما لها من طابع أمني، بحيث نص الاتفاق على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأيّ من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم إيواء أو تجنيس أي من مواطني دول المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دولته إلا في حال موافقة دولته، وعدم دعم الفئات المارقة والمعارضة لدولها، وعدم دعم الإعلام المعادي، كما نص الاتفاق على عدم دعم “الإخوان المسلمين” أو أي من المنظمات أو الأفراد الذين يهددون أمن واستقرار دول مجلس التعاون عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم تقديم أي دعم لأي فئة في اليمن تشكل خطراً على دول مجلس التعاون.
وبعد القطيعة باتت الشروط الـ13 التي وضعتها دول المقاطعة، والتي تعكس في غالبيتها فحوى “اتفاق الرياض” وأهدافه، هي “خريطة الطريق” لأي تسوية. وجاءت أكثر مباشرة، حيث تضمنت إغلاق “قناة الجزيرة” و “القاعدة العسكرية التركية” في قطر، وخفض مستوى العلاقات مع إيران، وقطع العلاقات مع جماعة “الإخوان المسلمين” والتوقف عن دعم التنظيمات المسلحة (الإرهابية). وقد أسهم، في هذا الوضوح، استعار المواجهة مع “الإسلام السياسي” سواء على ضفة “الإخوان” والتنظيمات السنية المرتبطة بها وتلك الأكثر تشدداً أو على ضفة إيران والتنظيمات الشيعية التابعة لها.
تلك الشروط بالنسبة لقطر ليست “تعجيزية” فحسب، بل تعني واقعاً تَراجُع ما سعت إلى بنائه من نفوذ وتأثير واستثمار سياسي وإعلامي خلال العقود الماضية. مع ظهور “قناة الجزيرة”، كانت ثمة مقولة بأن محطة إعلامية وضعت دولة على الخارطة. ليس في تلك المقولة الكثير من المبالغة، فقد استطاعت “قناة الجزيرة الفضائية” أن تشكل أداة تعبئة إعلامية وسياسية ضد الأنظمة وأن تُؤلب الرأي العام وأن تزعج الحكّام، وشكلت رافعة إعلامية لـ “الإخوان”، ونجحت في إنشاء وتمويل كبريات مراكز الدراسات الدولية وقوى ضغط في عواصم صناعة القرار، فضلاً عما قدّمته من دعم للتنظيمات المتعددة.
إخفاق أمير الكويت على أقله في وساطتين خلال السنتين الماضيتين، ومعهما تبخّر تعهّد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقيادة وساطة لحل الأزمة بعد أشهر من اندلاعها، يعني أن كلاً من الجانبين لا يجد ضرورة ولا حاجة لإعادة رأب الصدع الموجود في “البيت الخليجي”. فالمسائل المشتركة الأمنية التي تتطلب حداً أدنى من التنسيق والتعاون ضمن المنظومة الخليجية يجري تأمينها، والقوات الأمريكية تشكل ضابط إيقاع وارتباط.
الدوحة تأقلمت مع المقاطعة التي أثرت على حياة مواطنيها، ووجدت البدائل بكلفة أعلى، في معركة عنوانها الحفاظ على حرية حركتها ضمن مفهوم صون سيادة قرارها. لكن المسألة في واقع الحال تتخطى ذلك. دول المقاطعة أرسلت رسالتها بأن ظروف المواجهة لا تحتمل “المناورات” ولا “الاتفاقات الملتوية” وأن لا مشكلة لديها في اللجوء إلى الحد الأقصى من الإجراءات إذا لزم الأمر.
وفي المقابل، لا تجد قطر نفسها في موقع الضعف. على رغم انتكاسة مشروع الإخوان المسلمين عموماً كمشروع بديل عن الأنظمة العربية التي زارها “الربيع العربي” ومع خفتان وهج تركيا التي قدمت “النموذج” لحكم الإخوان، ومع الهزيمة المؤقتة لرؤية باراك أوباما، ظلت الدوحة تلعب الوظيفة التي رُسمت لها، والتي تتقنها. يكفي أن تستضيف الدوحة محادثات بين واشنطن و”حركة طالبان” الأفغانية، وأن تكون جزءاً من المحادثات الجارية بين “حركة حماس وإسرائيل”، وأن يكون لها حيز كبير من التأثير على “هيئة تحرير الشام” في سوريا، كي يتم فهم “الوظيفة القطرية”. وهي وظيفة لا تتعارض مع السياسات الكبرى بل تتماشى معها وتخدمها، وتحتجز لها مكاناً ما بمعزل عن حجمه في المستقبل. فقاعدة “العديد” هي القاعدة الأمريكية الرئيسية التي ستستخدمها القوات الأمريكية إذا وقعت أي حرب في المنطقة ضد إيران، التي تصوغ معها الدوحة التحالفات والتفاهمات.
في المحصلة، لا أحد على عجلة من أمره لحل الأزمة. ولا يندرج التمثيل الرفيع برئيس مجلس وزراء قطر في قمم مكة إلا في حدود الحاجة لذلك وفق المقياس الأمريكي.