السلطة هي فن الحكم، تقنية لقيادة سلوك الأفراد. هناك علاقة منطقية بين دولة الإدارة وسلطة الرعية، بل إن هذه الدولة هي وريثة السلطة الرعوية التي لا تقوم على السياسة، ولا على الاقتصاد، وإنما على حكم الناس بالأعراف والتقاليد. ذات الأصل الديني لأنها تنتج الواقع وتؤدلجه. لكن ما علاقة هذه الدولة بالدولة الليبرالية؟ ودولة العدالة؟ وما علاقتنا بهذه السلطة الرعوية؟ إذا كانت الدولة الليبرالية هي تسيير للتعدد إذ تحكم الناس بالحرية الاقتصادية والسياسية، فإن دولة العدالة تنطلق من القانون ثم تعود إليه، فهو أسمى صيغة لحكم المواطنين، بيد أن السلطة الانضباطية تستثمر من تحكمهم من خلال الدولة الإدارية، فتقنيات الحكم تظل ميكيافيلية تقوم على حكم الأرواح بواسطة الترهيب والمراقبة والعقاب، كما تستند على الاعتراف كأداة للإخضاع، وكل ذلك بواسطة الأمن والجيش والنبلاء، ولعل هذا ما يجعلها في مأزق مع حرية المجتمع المدني، الذي يعود إليه الفضل في نشر الوعي بحقوق الإنسان وقيمته: الحرية والكرامة، لكن إلى أي حد ينجح هذا المجتمع في دعوته إذا كان الجهل هو شعار عصره؟ وما هي أولوية السكان في هذا الفضاء المقهور؟ عندما يجتمع الأفراد من أجل إقامة مجتمع وإعطاء سلطة للعاهل، فلماذا يفعلون ذلك؟ بدافع الخطر والحاجة. إنهم يفعلون ذلك ليحافظوا على حياتهم. كما يقول فوكو، لأن السلطة قبل أن تكون مهنة، فهي فن لا يمكن أن يمارسها إلا من امتلك القدرة على الحرب، ونشر الهيمنة باسم السيادة التي تعطيه الحق في الحكم بالموت أو الحياة. فعلاقة السيطرة هي التي تصنع الأفراد انطلاقا من القوة وعلاقة القوة. والحال أن الفلسفة السياسية تكشف عن تلك التناقضات التي تميز السلطة الرعوية عن السلطة الحديثة، فالأولى تدعو إلى تحقيق الخلاص في الآخرة، أما الثانية فإنها تهدف إلى تحقيق الخلاص في الدنيا بواسطة ممارسة السلطة على ذوات حرة من خلال الحرية، ونشر الأمن والحماية والصحة والرفاهية، فهي تحدث المواطن بلغة يفهمها، أما سلطة حزب الله في الأرض فإنها تحببهم البؤس الاجتماعي والقهر السياسي. فالحرية هي التي تقاوم السلطة وتجعلها سلطة مدنية تتمتع بفنون الحكم بواسطة الدولة الحديثة التي تطبق القانون في غياب التفسيرات الخرافية، فما الذي يجعل هذا المطلب يظل عسيرا في المجتمعات الرعوية التي حافظت على ثلاثية العشرة والقبيلة والعقيدة؟ وإلى متى يظل الإنسان مقهورا بعدما انتزعت منه حريته؟ الواقع أن السلطة الانضباطية التي تعتمد على الدولة الإدارية كوسيلة لقيادة سلوك الرعية، حيث يتم ترويضهم، وزيادة قدراتهم على الشقاء، وانتزاع قواهم، ودمجهم في أنظمة الانضباط إنها سياسة تشريحية للجسد البشري، مادام أن الروح تظل معتقلة عند الأئمة. وكل ذلك يتم بداعي المصلحة العليا للدولة. ولعل هذا ما يؤثر سلبيا على نمو مجتمع الحقوق والواجبات ومجتمع المعرفة، وينشر الخوف المطلق بين الناس. حيث يتحول الأمن إلى أهم من الخبز، فهذه تقنية لفرض الطاعة فمهما يكون فإن الدولة الليبرالية في البلدان الديمقراطية تسعى إلى حكم المواطنين بالحرية، والحق في المقاومة، لكن شريطة الخضوع للقانون. من أجل ضمان أمن المجتمع، هكذا تحولت الحرية إلى مبدأ للحد من سلطة الدولة، وتسمح بتألق المجتمع المدني الذي ينمو في حضنه الناعم المجتمع السياسي، شعاره فن الحكم، حكم الشعب بالشعب. نحن إذن في الحاجة إلى تعميم الفكر التنويري في المجتمع المدني من أجل القضاء على أشكال الهيمنة، وجميع أشكال الاستغلال التي تفصل الفرد عما ينتجه وتعلق حريته في السماء، السلطة لا تقتصر على القمع والإخضاع، بل تنتج الواقع، وتبدع الحقيقة، لكي تنشرها بين الناس بواسطة نشر الدعايات ووسائل الإعلام والصحافة. كما هي إنتاج للفرد والمعرفة حول الفرد. وتعتبر الجامعات ومراكز التكوين بمثابة مصانع للمعرفة التي تخدم السلطة، ولذلك نجد فوكو يقول: إن السلطة تنتج الواقع، قبل أن تقوم بقمعه، كما تنتج الحقيقة، قبل التمويه. وهكذا يصبح الخطاب عن السلطة يتماثل مع السلطة القائمة لأنها تستطيع خلق أجساد طيعة تعرقل الثورة التنويرية. د. عزيز الحدادي