اسحق لينوران من يطلب ان يجند المواطنين العرب للجيش أو للخدمة الوطنية لا يستطيع ان يتهرب من سؤال هل الدولة المجنِدة هي دولة اليهود أم دولة مواطنيها، لأن الخطاب الغالب على تجنيد العرب هو خطاب عنصري. ومتحدثا هذا الخطاب هما بنيامين نتنياهو وافيغدور ليبرمان، وهدفه علاوة على هزلية حيل الائتلاف والحيل الدعائية التلفازية تسويغ التمييز باسم عدم التجنيد. وكل خاطرة اخرى، ولنفترض انها ‘جمهورية’ تتوهم ان اسرائيل هي فرنسا لكن تنكر مركزية الواقع العنصري الذي يسبق النقاش في التجنيد، ليست سوى وشي يزين هراوة.
ولا يستطيع المشاركون ايضا في خطاب تجنيد الحريديين ان يختاروا لأنفسهم الجزء الجميل منه فقط المساواة من غير ان يسألوا أنفسهم كيف لا يحضر المطالبون بـ ‘التساوي في العبء’ النضال لزيادة الضريبة التصاعدية مثلا لتكون تعبيرا واضحا عن التساوي، أو كيف لا يشمل خطاب التجنيد طلب تقصير مدة الخدمة العسكرية. وكيف لا يقولون على رؤوس الأشهاد ‘خدمة عسكرية أقصر للجميع’؟ ان الأعداء يقلون والكراسات السنوية تكبر وميزانية الدفاع تعظم بيد انه دُفن هنا كلب كبير جدا، فليس تحت خطاب ‘التساوي في العبء’ شعور بظلم من يخدمون الخدمة الاحتياطية (لأنهم يستطيعون ان يطلبوا مقابلا حقيقيا عن الخدمة الالزامية أو رفض الخدمة). يوجد تحت هذا الخطاب وسواس بالمعنى الحقيقي لهذا المصطلح فحواه ‘ينبغي ألا يتلذذوا’ ليصبحوا مثلنا. وليكونوا جزءا من ‘الاسرائيلية’ وليُفرض عليهم كما هي حالنا حقا نفس برنامج العمل ونفس ‘التراث الحربي’ وليتحدثوا بلغتنا ولتكن ثقافتهم جزءا من ثقافتنا وليطأطئوا رؤوسهم وليؤدوا التعظيم لرموزنا. وليُفرض على الجميع هذا التهويد المعين في داخل المجتمع الاسرائيلي.
لا تنشأ هذه الشهوة الوسواسية بسبب زيادة عدد ‘المتهربين من الخدمة العسكرية’ ولا بسبب ‘الزيادة الطبيعية’ للحريديين، بل سبب ذلك في الأساس انهيار حلم ان توجد في نهاية الامر ‘اسرائيلية’ نهائية غير متغيرة طوال الوقت. وكل ما تقوله وسائل الاعلام في رعاية سلعة نهاية الاسبوع هذه، وكل رحلة اولاد الى بولندة وكل ‘نجم’ مولود، وكل جنازة رسمية بل يوم الذكرى، كل ذلك لا يقدر على منع انتقاض منظومة الرموز ‘الاسرائيلية’. ليست هذه رؤيا نادرة، فلا توجد ديمقراطية غربية لا تنتقض رموزها في خضم الرأسمالية بعد الحداثية التي تمنح الجميع وجها في ظاهر الامر (الفيس بوك مثلا)، لكنها في الحقيقة تطمس على الوجوه جميعا. ان ما يمنحه النضال لـ ‘تجنيد الحريديين’ هو بالضبط مضمون أجوف ليست له صلة بأي شيء مما يدعيه، بل ليس له مضمون عسكري أو وطني. بل هو المضمون السياسي لطبقة كاملة قريبة من السيطرة الاقتصادية وليست لها مواقف من أي شأن حقيقي ساخن تحت أرجلنا لا الاحتلال ولا الفقر ولا التمييز الطائفي. كانت ‘شينوي’ ذات مرة هي التي ركبت هذا الشعور الشبعان بالمرارة وجاءت بعدها ‘كديما’ وبعد ذلك يئير لبيد ومظليوه وجاء الآن ايضا ايتسيك (‘نحن الاسرائيليين الجدد’) شمولي.
صحيح ان الحملة الدعائية محمولة على كثير من الكراهية الصهيونية القديمة لليهودية الحريدية، لكنها تدور حول فراغ تام يخضع لاستعمال بسيط رخيص من مخططي ‘برنامج العمل السياسي’. يتحدثون احيانا بصورة خاطفة ايضا عن فراغ آخر وهو ‘تغيير طريقة الحكم’ (ولا يذكر أحد ذلك الشيء الغبي، أعني الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء الذي جربه من قبل نفس الوسط الاجتماعي الاقتصادي). ولا توجد طريقة حكم حقيقية يتحدث عنها واحد من كل هؤلاء بل انهم يشعرون بأن السلطة ليست ‘لهم’ بقدر كاف، وليس لهم من جهة ثانية في الحقيقة بديل قيمي عن اليمين المتطرف في الحكم. وأفظع شيء هو احتمال انه قد يتحقق كل ذلك وان يُجند الحريديون للجيش ايضا. ان خطيئة طلاب المعاهد الدينية ذوي البنادق جلبت علينا عقوبة ‘المعاهد الدينية التحضيرية قبل الخدمة العسكرية’. هآرتس8/7/2012