لم اذكر هاتين المدينتين الفلسطينيتين العريقتين المناضلتين تهكماً ولا انتقاصاً من قيمتهما وقامتهما وإنما من باب الاستعانة بمنطقتين صغيرتين نسبيا للتساؤل عن مدى رضى إسرائيل لو أن الفلسطينيين يقبلون بدولة مجزوءة ومقامة في تلك المدينتين، ويقرون بيهودية إسرائيل ويسقطون حق العودة ويتنازلون عن القدس ويقبلون بكامل المستوطنات مع كامل شوارعها الالتفافية ويسلمون الغور الفلسطيني لإسرائيل ومراكز المدن والقرى، ويسقطون حقوقهم المائية ويلغون توجههم للأمم المتحدة، هل ستكون إسرائيل أمام كل هذا راضية مرتاحة؟
إن تجربة العقود الماضية ومسيرة الدولة العبرية وكل زعمائها ورؤسائها ورؤساء حكوماتها وأحزابها اليمينية واليسارية المزعومة تثبت أن الفلسطينيين لو فعلوا كل ذلك فإن الدولة العبرية ستطلب المزيد. إسرائيل تريدنا حقيقة أن نقبل بكل ما ذكر آنفاً ونشطب مشاعرنا وكرامتنا ونعلن استسلامنا رسمياً، كما أنها تطلب بأن يقف أبو مازن، كما قال نتنياهو أمام طلبة جامعة بيرزيت ليعلن قبوله بيهودية الدولة وتنازله عن حق العودة.
وإصرار إسرائيل على مواقفها هذه وقدرتها على استدامة احتلالها وشرعنة تمددها الاستيطاني وطرح العطاءات التوسعية حتى في ظل وجود رأس الدبلوماسية الأمريكية على الأرض، دائماً يؤكد المؤكد بأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تخطط وتشرعن وتنفذ ما يحلو لها، تماماً كما تريد فيوافقها العالم المستسلم لإرادتها إما بالمباركة الصريحة أو حتى بالصمت المطبق والإذعان.
وعليه تمكنت دولة الاحتلال بفعل قدرتها التأثيرية ونفوذ جالياتها السياسي والمالي والدعائي والقانوني من أن تحافظ على احتلالها وتوسعه وتبني جدارها بعد ثلاثة عشر عاماً من انهيار جدار برلين.
بل تمكنت إسرائيل، التي ندمت على عدم طردها الكامل يوم نشوئها، للعرب الفلسطينيين من أرضهم في الماضي، وتحديداً في الزمن الذي لم يكن هناك فيه ما يفضح تصرفاتها من انترنت وإعلام اجتماعي ومدونات الكترونية وفضائيات، من احتراف وسائل الضغط والمناورة وتحويل السلام إلى عملية بدون سلام، عملية قائمة على اللعب بعوامل الوقت والزمن وضعف الفلسطينيين وانشغال العالم الخارجي بقضايا اخرى.
ومع هذا وذاك فإن مصدر الاستفادة الأول للاحتلال اليوم قائم على تمزيق العواصم العربية ودولها تباعاً وتعزيز الانقسام حتى ينسى الفلسطينيون انهم شعب واحد في الضفة وغزة والشتات والداخل، وحتى تحترق تونس وطرابلس والقاهرة وبيروت ودمشق وصنعاء بينما تنام تل أبيب هادئة مستقرة.
وقد عزز الالتهاء بإيران والربيع العربي وشبه جزيرة القرم اليوم فرصة تشتت عواصم القرار وحرف أضوائها باتجاه المواقع الساخنة، وبهذا يستديم الاحتلال أكثر فأكثر. لكن وفي ظل عدم قدرة إسرائيل على محو الهوية الفلسطينية وبعيداً عن المشاعر الجياشة والعواطف الملتهبة والشعارات الرنّانة والمواقف الحماسية والخطب العصماء والعنتريات الافتراضية وبطولات الفضائيات والخطابات الشعبوية، لا بد من القول بأن في التاريخ شواهد حول مصير الاحتلالات، وأن من يضحك آخراً يضحك دائماً.. فإما أن يستفيق مباركو الاحتلال ورواده وحماته، وإما يعلن الفلسطينيون تأجيل حل الصراع ويتركون للزمن أن يعيد دروس التاريخ!
‘ كاتب فلسطيني