الدول الأكثر احتياجا للمساعدات تضم إيطاليا وإسبانيا والبرتغال
إيطاليا-“القدس العربي”: حصلت دول جنوب أوروبا على أكثر من نصف مخصصات المنح والقروض ضمن حزمة التنشيط الاقتصادي الأخيرة التي أقرها الاتحاد الأوروبي، وتنتظر موافقة البرلمان، على أن تدخل حيز التنفيذ اعتبارا من أول العام المقبل ولمدة ثلاث سنوات. وقد حصلت إيطاليا تليها إسبانيا على أكبر مخصصات المنح والقروض. وطبقا لتقديرات الحكومة الإيطالية فإنها ستحصل على ما قيمته 209 مليارات يورو منها ما يقرب من 82 مليارا في صورة منح لا ترد، أما إسبانيا فسوف تحصل على 140 مليار يورو منها 77 مليارا في صورة منح، في حين ستحصل اليونان على حوالي 72 مليار يورو طبقا لتصريح أدلى به رئيس الوزراء كرياكوس ميتسوتاكيس بعد انتهاء القمة. ويتضمن هذا المبلغ حوالي 23 مليار يورو في صورة منح لا ترد. أي أن هذه الدول الثلاث وحدها ستحصل على 421 مليار يورو من المنح والقروض بما يعادل 56 في المئة من القيمة الاجمالية لموارد صندوق الإنعاش.
وقد شهدت المفاوضات في الأيام الأخيرة التي سبقت التوصل إلى الاتفاق الذي بلغت قيمته 750 مليار يورو، مساومات صعبة بين مجموعات الدول المختلفة داخل الاتحاد الأوروبي، أدت في نهاية الأمر إلى رفع قيمة الصفقة بنسبة 50 في المئة عما كان مقترحا في مبادرة ميركل – ماكرون التي كانت 500 مليار يورو فقط. لكن هذه الزيادة قابلها اتفاق على تقسيم الصفقة إلى منح غير مستردة، وقروض بفائدة ميسرة، يرتبط الحصول عليها بشروط تتضمن إدخال إصلاحات تشريعية لإعادة تنظيم أسواق العمل والمعاشات والتأمينات الاجتماعية ومساهمات الضمان الاجتماعي وغيرها في الدول المتلقية للمساعدات. وعلى هذا الأساس فإنه رغم زيادة قيمة الصفقة فإن مخصصات المنح انخفضت من 500 مليار يورو في الاقتراح الأصلي إلى 390 مليار في الاتفاق النهائي.
وأظهرت المفاوضات أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي انقسمت إلى ثلاث مجموعات، الأولى هي مجموعة الدول الغنية ذات الموقف المتشدد في تقديم المساعدات وتضم النمسا وهولندا والسويد والدنمارك، والثانية هي مجموعة الدول الأشد مديونية والأكثر احتياجا للمساعدات، وتضم إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، والثالثة هي مجموعة دول شرق أوروبا، التي تجمعها صلات قديمة، والتي ينشط فيها التيار القومي المتطرف والعداء للديمقراطية الليبرالية خصوصا بولندا والمجر. وقد حاولت كل من ألمانيا وفرنسا أن تلعب دورا وسيطا بين المجموعات الثلاث بما يساعد على التوصل إلى اتفاق، ومنع تكرار الفشل الذي حدث في القمة الأوروبية في شباط/فبراير الماضي بشأن إقرار الميزانية. وقد ساعد هذا الدور على التقريب بين مواقف المجموعات المختلفة، وتهدئة حدة الخلافات بشأن موضوع المنح، وأيضا بشأن مدى أهلية الحكومات التي تتخذ سياسات معادية للديمقراطية الليبرالية في الحصول على المساعدات، وتم الاتفاق على أن تشارك كل من بولندا والمجر في كعكة صندوق الإنعاش المالي، وأن تستفيد أيضا الدول الغنية مثل السويد وهولندا في الحصول على منح لا ترد، رغم عدم حاجتها لقروض ميسرة من الصندوق الأوروبي للإنعاش.
دول البحر المتوسط ترحب
رحبت دول البحر المتوسط الأوربية بإنشاء الصندوق الأوروبي للإنعاش الاقتصادي، وقال رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي إن المساعدات التي ستحصل عليها بلاده ستكون دافعا رئيسيا لـ “إعادة تقديم إيطاليا للعالم” وذلك عن طريق إعادة بناء الاقتصاد والقضاء على البطالة، بعد أن تضررت قطاعات كثيرة ومن ضمنها قطاع السياحة الذي يسهم بنسبة 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وقد حصل كونتي على تأييد شركائه في الائتلاف الحكومي، لكن المعارضة التي يقودها ماتيو سالفيني، زعيم رابطة الشمال القومية المتطرفة، انتقد الاتفاق واتهمه بأنه سيؤدي إلى سلسلة من الإجراءات التقشفية، تزيد المعاناة الاقتصادية للبلاد وليس العكس. ومن المتوقع أن يحاول النواب القوميون المتطرفون في البرلمان الأوروبي عرقلة الاتفاق، والتصويت ضده في البرلمان الأوروبي. وتعاني إيطاليا من ارتفاع معدل البطالة، خصوصا بين الشباب. وقد بلغ معدل البطالة في نهاية ايار/مايو الماضي 7.8 في المئة وهو أعلى من متوسط معدل البطالة في الاتحاد الأوروبي الذي بلع في الشهر نفسه 7.4 في المئة. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في ارتفاع معدل البطالة، وإنما في الارتفاع الصارخ في معدل البطالة بين الشباب الذي يبلغ 23.5 في المئة حسب الأرقام الرسمية، ويشمل أكثر من 300 ألف شاب وفتاة.
أما في إسبانيا ثاني أكبر الدول المتلقية للمساعدات من الصندوق الأوروبي للإنعاش الاقتصادي، فإن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز وصف الاتفاق بأنه يمثل صفحة جديدة ناصعة في تاريخ الاتحاد الأوروبي، رغم أنه لا يلبي كل طموحاتها، وأبدى قدرا كبيرا من التفاؤل بشأن أثر المساعدات التي ستحصل عليها إسبانيا من الصندوق متوقعا أن يؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في الاستثمارات، خصوصا في القطاعات الحيوية التي تساعد على تخفيف حدة البطالة التي تصل إلى 14.5 في المئة والبطالة بين الشباب التي بلغت بنهاية ايار/مايو الماضي حوالي 33 في المئة أي ثلث عدد الشبان والفتيات الباحثين عن العمل. وقالت وزيرة الاقتصاد نادية كالفينيو إن الموارد التي ستحصل عليها إسبانيا من الاتحاد الأوروبي سيتم تخصيصها لإعادة بناء الاقتصاد بما يخدم أهداف النمو الأخضر الصديق للبيئة، والتنمية المستدامة التي تعود بالخير على أغلبية المواطنين، وتساعد على زيادة القوة التنافسية لإسبانيا في مجال الصناعات التكنولوجية الجديدة. وكانت إسبانيا قد أقرت أخيرا حزمة استثمارات جديدة في صناعة السيارات تقرب من 5 مليارات يورو تهدف إلى تعزيز موقع إسبانيا كمركز رئيسي من مراكز صناعة السيارات في أوروبا.
وفي اليونان التي تعتمد اعتمادا كثيفا على قطاعي السياحة والنقل البحري، اللذين يسهمان بما يقرب من نصف الناتج المحلي؛ فقد تأثر اقتصادها بشدة من جائحة كورونا حيث أدى توقف السياحة تقريبا، والتراجع الحاد في النقل البحري إلى خسائر كبيرة لقطاعات الأعمال، وإلى زيادة معدل البطالة. وسوف تسعى الحكومة اليونانية إلى استخدام المنح والقروض المقدمة من صندوق الإنعاش الأوروبي في بناء صناعات تحويلية وتكنولوجية قوية في اليونان، وذلك لحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية وتوسيع قاعدة فرص العمل المتاحة.
وطبقا لأهداف ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات السبع المقبلة، فإن الدول الأعضاء التي ستحصل على مساعدات من الصندوق الأوروبي للإنعاش الاقتصادي، ستتجه إلى إعادة بناء هياكلها الاقتصادية عن طريق التوسع في قطاعات صناعية جديدة مثل الطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى تطوير التعليم والتدريب والخدمات الصحية.
وكانت الدول الأوروبية المطلة على البحر المتوسط قد خصصت نسبة كبيرة من مواردها المحلية لمكافحة وباء كورونا، وتعويض قطاعات الاقتصاد والعاملين، عن الخسائر التي لحقت بهم من تطبيق الإجراءات الاحترازية، والإغلاق الاقتصادي الكلي أو الجزئي داخليا أو في بقية دول العالم. وقد بلغت مخصصات مواجهة تداعيات وباء كورونا في إيطاليا ما يصل إلى 48.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تضمنت قروضا وتسهيلات ائتمانية لقطاعات الأعمال بنسبة 32 في المئة من الناتج المحلي حتى نهاية الشهر الماضي، إضافة إلى إعفاءات ضريبية ومدفوعات للعاملين والمنشآت الفردية والعاطلين عن العمل بما يعادل 17 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي تقريبا. وفي اليونان بلغت نسبة إجراءات الإنعاش الاقتصادي السابقة على الاتفاق الأوروبي ما يعادل 6.4 في المئة من الناتج، وفي إسبانيا 13.7 في المئة من الناتج. وعلى الرغم من كل الإجراءات التي تم اتخاذها على مستوى الدول الفردية في الاتحاد الأوروبي، فإنها لم تنجح في تحفيز النمو الاقتصادي بالصورة المطلوبة. ونظرا لارتفاع مديونية دول الجنوب الأوروبي المطلة على البحر المتوسط، فإن فرصها في الحصول على قروض بأسعار فائدة منخفضة تكاد تكون معدومة، نظرا لارتفاع العجز في ميزانياتها ولتدهور تصنيفها الائتماني. ومن هنا تأتي أهمية القروض والمنح التي ستحصل عليها تلك الدول من الصندوق الأوروبي للإنعاش الاقتصادي، من حيث اتاحة تمويل سريع، ومنخفض التكلفة، ومضمون، لتنفيذ إصلاحات هيكلية طويلة الأمد تساندها دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة.