دول الخليج: النقمة التي أفشلت الثورات

حجم الخط
2

الكل يعرف جيدا ما لدول الخليج من يد كبرى في إفشال ثورات الربيع الديمقراطي، التي انطلقت في العديد من الدول العربية وفي دول المغرب الكبير، فلم تستطع شعوب هذه الدول الوصول بثوراتها إلى بر الأمان، ولم تستطع أن تحقق ما كانت تصبو إليه أو على الأقل أن تحقق ما ضحت من أجله بالغالي والنفيس، لوجود دول تقف كحجر عثرة أمام أي تغيير يمكن أن ينقل عدوى الثورات إليها لذلك تضع دائما العصا في دولاب الثورات وإفشالها .
دول الخليج صاحبة القاع والباع في إنتاج الديكتاتورية، كانت دائما وأبدا تقف في طريق الشعوب العربية التي تطمح إلى التغيير وإسقاط أنظمة استبدادية جثمت على صدورها لعقود، فبعد أن استطاعت الشعوب كسر حاجز الخوف واستطاعت إسقاط من دأبوا على استعبادها وجدت هذه الشعوب نفسها أمام تحد أكبر من الذي واجهته من قبل، ألا وهو تثبيت ركائز الديمقراطية واختيار حكامها بطريقة ديمقراطية، حيث وجدت أمامها دولا بكاملها تحاول إجهاض هذه المرحلة التاريخية التي لا يجود بها الزمان إلا لماما.
الخوف من الثورة أو ‘الثورة فوبيا ‘ هو ما يقلق قادة الخليج، والتغيير في البلدان العربية هو بمثابة صب الزيت على النار، التي يبدو أن دول الخليج لا تحتاجها لكونها ديكتاتوريات شمولية لا تملك ذرة من الديمقراطية التي تقيها شر تلك الثورات التي تحصد اليابس والأخضر. عندما أسقط الشعب المصري الفرعون الأكبر حسني مبارك وجاء برئيس شرعي عبر انتخابات نزيهة شهد العالم على نزاهتها، أصبح قادة الخليج حائرين بين اختيارين لا ثالث لهما، إما الاستسلام لهذا الواقع الذي فرضه الشعب المصري على الأرض، ومن ثم توقع كل الاحتمالات من أن تنتقل عدوى الثورة إلى بلدانها، وإما أن تقف ضد هذه الثورة وتجهض مبادئها وتمنع التغيير، ومن ثم حماية عروشها والاستمرارية في السلطة إلى أجل غير مسمى، فما كان منها إلا أن تحذو حذو الاختيار الثاني الذي يتيحها الوقوف ضد الثورة ومنعها من تحقيق أي نجاح يذكر، حيث فكرت مليا ودبرت لانقلاب عسكري عاد بمصر إلى غياهب الديكتاتوريات البغيضة وأدخلها في حرب كان الشعب المصري هو الضحية الذي أدى ثمنا باهظا فيها.
ما فعلته دول الخليج في مصر، وما قدمته من أموال لتخريب مصر وهدم ما تم بناؤه مع ثورة 25 من يناير هو نفسه ما تحاول إعادته الآن مع تونس التي تعرف أزمة خانقة منذ ثورة البوعزيزي، حيث تحاول دول الخليج زرع الفتنة بين الأشقاء ومن ثم الدفع بالبلد إلى المجهول .
بالرغم من حالة التخبط الذي تعيشه الآن تونس، وبالرغم من أن الثورة لم تحقق أهدافها بالكامل لوجود بقايا النظام السابق الذين لا زالوا يحاولون إعادة تونس إلى سابق عهدها، إلا أن تونس التي كانت بارعة في ثورتها من خلال سلميتها وعقلانيتها لن يتم استغلالها والركوب على ثورتها وعلى نضال شعبها الأبي، وأن جيشها أشرف وأكبر من أن يكون بيدقا في يد أنظمة الاستبداد الخليجية التي تحاول أن تعيد الدول إلى زمن الديكتاتورية وحكم العسكر خوفا من الديمقراطية التي ستزلزل عروشها إن قدر لها اقتحام بلدانها .
الكل يتساءل بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على انطلاق ثورات الربيع الديمقراطي عن السبب الرئيس حول فشل ثورات الربيع الديمقراطي فيذهب الكثير من هؤلاء إلى إلقاء اللوم على هذه القيادات التي جاءت بها صناديق الإقتراع بعد الثورات، دون التفكير مليا في الأسباب الحقيقية التي أجهضت روح هذه الثورات وعادت بها إلى الصفر. نحن لا ننكر أن البعض من تلك القيادات التي أفرزتها صناديق الإقتراع والتي اختارتها الشعوب لها من الأخطاء ما يجعلنا نلقي اللوم عليها، لكننا لا نحملها كل ذلك الفشل الذي صنعته دول الخليج التي تخشى يوما تنهض فيه الدول العربية ودول المغرب الكبير التي عرفت الثورات وتصدر الثورة إلى بلدانها، من ثم القضاء على حكمها، لذلك ما فتئت تحارب هذه الدول وتمنع من إنجاح المسلسل الديمقراطي في هذه الدول، عبر أموال تضخها في ميزانيات العسكر من أجل أن ينقلب على الشرعية التي جاءت بها ثورات الربيع الديمقراطي .
نجاح الثورات في الدول العربية وفي دول المغرب الكبير رهين بوصول رياح التغيير إلى دول الخليج، واستيقاظ شعوبها لمواجهة أنظمة سلطوية عاثت في بلادهم فسادا، أما دون ذلك فلن تنعم شعوبنا بالديمقراطية ولن تنعم بالحرية ما دام أن هناك قادة يعدون العدة من أجل إفشال كل خطوة تسير في اتجاه وضع حد للفساد، وقطع الطريق على المفسدين، فكما أن لدول الخليج الحق في التدخل السافر في بلداننا، وحرصها على دعم الطغاة في أوطاننا بالمال والسلاح، نقول إن لدينا الحق أيضا للحديث عن الديمقراطية في أوطانها وتحريض الشعوب على القيام بالثورات في هذه الدول، ومن حقنا أيضا أن ندعم أي مبادرة لهذه الشعوب لإسقاط حكامها، فما العيب في ذلك إذا كانت مصلحة الأنظمة الديكتاتورية واحدة ومصلحة الشعوب التواقة إلى الحرية واحدة أيضا .
رشيد أخريبيش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية