دول الخليج ورهان تجاوز تداعيات أزمة حصار قطر وفتح صفحة جديدة

سليمان حاج إبراهيم 
حجم الخط
1

ما تزال مسألة الثقة بين العواصم التي فرضت حصاراً على الدوحة، والدولة التي تضررت منها، بحاجة لبعض الوقت، وهو ما يؤكده المسؤولون في مناسبات مختلفة.

الدوحة ـ”القدس العربي”: يرصد المتابعون والمراقبون للشأن الخليجي، تفاعلات المشهد السياسي في المنطقة ما بعد قمة العُلا، والمصالحة بين دول مجلس التعاون الست، ومصر، ومدى تكريسها على أرض الواقع، للتأسيس لمرحلة جديدة من العلاقات.

الرسائل الإيجابية المتبادلة بين الدوحة والرياض، تعطي حتى الآن مؤشراً عن امكانية توجيه البوصلة نحو تعزيز منحى العلاقة بين دول الخليج، لو استكملت نحو باقي العواصم.

المسؤولون في قطر، يؤكدون في المناسبات أن ما تحقق في قمة العُلا والبيان الموقع، هو خريطة طريق للمرحلة المقبلة، وتأسيس لمسار تصالحي يحقق الاستقرار في المنطقة، والتأكيد على التزامها لترسيخه.

وشددت لولوة الخاطر مساعدة وزير الخارجية القطري والمتحدثة باسم الخارجية، أنه “لا بد في البداية أن نُرسي حقيقة أن الحصار والأزمة الخليجية لم تكن خيارنا، ولا يمكن أن تكون تفضيلنا، هذه الحقيقة لا بد أن نقر بها، أما وقد قلنا ذلك؛ فمما لا شك فيه أن قطر تعاملت مع هذا الحصار على أنه واقع، والحقيقة أنها نهضت إلى مستوى التحدي، وحقّقت عدداً من المكاسب”.

وما تزال مسألة الثقة بين العواصم التي فرضت حصاراً على الدوحة، والدولة التي تضررت منها، بحاجة لبعض الوقت، وهو ما يؤكده المسؤولون في مناسبات مختلفة.

تجاوز الأزمة

ومؤخراً أكدت المتحدثة باسم الخارجية القطرية، أن الدول ستحتاج إلى وقت لإعادة بناء الثقة، فهذه مسألة لا بد من لفت النظر إليها. وهذا العامل أي الثقة، يرتبط أيضاً بحسابات أخرى تتعلق بالسياسة الخارجية للدول.

ففي قمة العُلا أكد المشاركون أن الاتفاق تم على ضرورة عدم التدخل في شؤون الدول.

لكن ما تزال أبو ظبي تصرح بضرورة تناغم الدوحة مع سياساتها. وفي هذا السياق يشير المسؤولون القطريون، أنه فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران أو العلاقة مع تركيا، التي تعتبر إيجابية، تعتبر الدوحة نفسها مقدرة لوقوف الدولتين معها في سنوات الحصار، ومن المروءة أن يقدر الأمر. طبعاً هي علاقات ممتازة.

ترى نهى أبو الدهب الخبيرة في السياسة الخارجية أنه فيما تقلب قطر والدول المحاصِرة الأربع الصفحة وتسير قدماً، ينبغي على منطقة الخليج استعراض الضرر السياسي والاجتماعي الذي سبّبته الأزمة الخليجية ومعالجته والإقرار به، خصوصاً أن التصدّعات في النسيج الاجتماعي الخليجي لا يمكن عكسها ولا نسيانها بسهولة.

وتضيف الباحثة أنه في الفترة التي سبقت قمّة العلا، أُفيد بأنّ قطر وافقت على إسقاط دعواها الدولية ضدّ الدول المحاصِرة كخطوة مصالحة. مع ذلك، تبعث جهودها لحماية الذاكرة الشعبية عن الحصار رسالةً واضحة بأنّه سيتمّ تذكّر السنوات الثلاث ونصف السنة الماضية على أنّها فترة ظلم ومقاومة وصمود، وليس مجرّد فترة من التوتّرات السياسية.

قطر خرجت من الأزمة أقوى

ويرى معهد بروكنغز الدوحة، أن الحصار اتّسم بتأثير معاكس، عبر جعْل قطر أكثر استقلالية من قبل عن دول مجلس التعاون الخليجي. فقد عزّزت الدوحة روابطها الاقتصادية والسياسية مع تركيا، وهي منافس إقليمي للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة. وبحكم الضرورة، وطّدت قطر أيضاً روابطها التجارية مع إيران، إذ أصبح المجال الجوّي الإيراني ممرّاً حيوياً لقطر للوصول إلى باقي أقطار العالم. وأصبحت قطر أيضاً منفصلة اقتصادياً عن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين. فقد كانت الغاية من الحصار فرض ضغط اقتصادي على الدوحة. فقبل الحصار، كانت الدولة الخليجية، تستورد الكثير من البضائع والخدمات التي تستهلكها من خلال الدول المجاورة لها. وبعد الحصار، اضطرّت إلى العثور بسرعة على مسارات إمداد بديلة وزيادة الإنتاج المحلّي للبضائع والخدمات الأساسية وتوسيع ميناء حمد الذي بدأ العملَ في أوائل العام 2017.

ويشدد الباحث والخبير نادر القباني على نحو مماثل، أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه كلّها ضغوطاً اقتصادية جرّاء تضاؤل احتياطات النفط والغاز، وعائداتها. وتختلف في ما بينها من ناحية الجدول الزمني لهذا التضاؤل، لكن ينبغي عليها كلّها أن تتعامل مع هذا التحدّي. وقبل بضعة أشهر من جائحة فيروس كورونا المستجدّ، نشر صندوق النقد الدولي تقريراً توقّع فيه أنّ معظم دول مجلس التعاون الخليجي يمكنها استنزاف ثروتها المالية في غضون 25 سنة. ولا شكّ في أنّ الجائحة وانخفاض أسعار النفط الذي نتج عنها قد قصّر هذا الجدول. وبرهنت الجائحة بحدّ ذاتها على أهمّية التكامل الإقليمي حول السياسات والاستجابات بشأن الصحّة العامة. ويكمن المستقبل لدول مجلس التعاون الخليجي بتنويع اقتصاداتها وتحريرها. ويمكن أن يعود التكامل الاقتصادي الإقليمي بفائدة كبيرة إن استطاعت الدول التخصّص بقطاعات وسلع وخدمات مختلفة تسمح لها بتحقيق المكاسب من التجارة فيما بينها. لتحقيق ذلك، ينبغي عليها أن تتطوّر وتتخصّص. بالتالي، يتطلّب التكامل الإقليمي الناجح أن تحظى الدول الفردية بأسس اقتصادية أقوى.

انقسامات خفية

ووفق تقرير من مجلة “فورين بوليسي” فإن إنهاء “الحصار” القطري تطور إيجابي، لكنه غير كاف، إذ أن أزمة الخليج لم تنته بعد. وترى المجلة أن المصالحة نجمت عن الإرهاق ورغبة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في تغيير صورته الملطخة مع الإدارة الأمريكية الجديدة. وتشير المجلة إلى أن المصالحة تمت دون أي تنازلات من قطر بسبب دعمها للحركات الإسلامية أو أي ندم من قبل السعودية والإمارات على عواقب “الحصار”. ويقول التقرير إن التركيز على رمزية المصالحة جيد لتماسك مجلس التعاون الخليجي على المدى الطويل، لكن انعدام الثقة بين قطر، والدول الأخرى، والتنافس المستمر بين الدوحة وأبو ظبي والاختلاف الحاد حول إيران وتركيا، والتنافس الجيوستراتيجي في أفريقيا، قد يعيد تسخين الأزمة في المستقبل القريب. وتوقع تقرير المجلة أن تشدد هذه الاختلافات الاحتكاك داخل مجلس التعاون الخليجي خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن.

ويشير التقرير إلى أنه رغم تذبذب العلاقات بين هذه الدول منذ منتصف التسعينيات، إلا أن أزمة 2017 كانت حادة، وكان تأثير “الحصار” ملموساً على مستوى النخبة والشعب وخلف شرخا مجتمعيا دائما.

ويرى التقرير أن التنافس المستمر بين الإمارات وقطر قد يعرقل أي تطبيع للعلاقات في الخليج. وفي الوقت الذي تدين الإمارات حركات الإسلام السياسي، تدعم قطر هذه الحركات مثل جماعة الإخوان المسلمين.

ويخلص التقرير إلى أنه حتى لو حاولت هذه الدول تجاوز شروخها الإيديولوجية، فإن الأولويات الجيوستراتيجية المتضاربة قد تعرقل الوصول إلى مصالحة حقيقية.

وأشارت “الفورين بوليسي” في تقرير بحثي عن التطورات السياسية في المنطقة، إلى أن مجلس التعاون الخليجي لا يزال منقسماً بخصوص إيران وتركيا، وهو ما سيعيق التعاون في القضايا الأمنية.

 البحرين وتخريب مسار المصالحة

انتقد مسؤولون ومتابعون للشأن الخليجي البحرين، وكشفوا محاولات السلطات في المنامة، تخريب المسار، وإثارة خلافات تم طي مسارها.

ويستشهد المراقبون بالتصريحات التي يدليها عدد من المسؤولين، وعلى رأسهم وزير الخارجية، وبعض المستشارين في ديوان الملك، وولي عهد البحرين.

ومؤخراً ادعى الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية أن السلطات القطرية لم تُبدِ بعد صدور بيان العلا أية بادرة تجاه حلحلة الملفات العالقة مع مملكة البحرين، أو استجابة للتفاوض المباشر حول تلك الملفات. رئيس الدبلوماسية البحرينية، كشف نوايا بلاده من دون مواراة، وصرح أنه يبقى على الدوحة التعامل مع متطلبات التوافق الخليجي، ومراعاة مصالح البحرين الاستراتيجية، والإسراع في معالجة القضايا العالقة بين البلدين بما يضمن علاقات سليمة وإيجابية بين البلدين في المستقبل.

ورد الدكتور خالد الخاطر الباحث في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي، على المسؤولين البحرينيين، ونفى مزاعمهم.

وقال في تصريح أنه عملياً لا يوجد قضايا عالقة، على حد ادعاء سلطات المنامة. وشدد أن البحرين كسبت حوار (جزيرة كانت قديماً تتبع قطر) وهي قطرية وما كان يفترض ذلك.

ويتوقع الخبراء أن تتضح معالم العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي، على ضوء التطورات الإقليمية، والتفاعلات البينية بين العواصم الست، ومحيطها.

وستتحدد ملامح المرحلة المقبلة وفق تحركات واشنطن مع عودة الديمقراطيين لسة الحكم في البيت الأبيض، وترقب الخيارات التي تتخذها إدارة جو بايدن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية