إذا كان الملك مينا (يختلف الباحثون حول تاريخ مولده ووفاته) موحد القطرين في مصر القديمة، وهو الاله الفرعوني بجلالة قدره، فالإله الكبش وحد الشمال الافريقي كاملا قبله بزمن، الأمر الذي يجهله كثر اليوم. ذلك ما تخبرنا به الأبحاث الأركيولوجية ودراسات ما قبل التاريخ على الأقل.
قد يفسر الأمر نسبيا المعزة التي تحظى بها الأغنام في المنطقة. ولأن للتاريخ تأثير على الجغرافيا فقد فرق «الكسكس» حضور البهيمة المعبودة بين مشرق ومغرب (على أساس أن انتشار الكسكس هو ما يرسم ثقافيا حدود المغرب العربي). قد يفسر الأمر أهمية شعيرة الأضحى التي يتفنن في الاحتفاء بها ساكنة المنطقة تقليديا. لكن متابع السوشيل ميديا _أكثر الفضاءات ديمقراطية في المغرب العربي إجمالا_ يلحظ حالة التذبذب في الاهتمام بثاني أهم المناسبات، والتي قد تكون بارومترا مناسبا لقياس مدى «وحدة مصير» شعوبها.
إذا كان المغرب أول وأكثر من أبدى رواد مواقعه للتواصل الاجتماعي اهتماما بعيد الأضحى منذ أزيد من أسبوعين، بل سيطرت أخباره على «التريند»، وتحولت إلى منبر للمطالبة بالتحضير الرسمي المناسب له، فلم يكن الحال كذلك في تونس والجزائر التي تدرجت أولوياتها.
أولويات
بين الجزائر وتونس قصة حب بلا فصول. بالإضافة لكل الكلام النظري عن وحدة المصير (المفترضة) فالشعبان مدعوان لاختيار رئيس للبلد خلال الأشهر الثلاثة القادمة. في حين بدأت الإجراءات التنظيمية والإعلانات الرسمية تعرف طريقها إلى المواطن الجزائري، في رئاسيات تكاد تكون مسبقة فالحال يختلف في تونس التي تنتهي عهدة رئيسها نهاية اكتوبر/تشرين الثاني القادم كقوس مفتوح لجملة اسمية تنتظر خبرا. لكن الثابت في أمر البلدين انتفاء أدنى اهتمام لرواد مواقع التواصل الاجتماعي بالخطبين العظيمين.
في تونس دعا نشطاء إلى تحويل مناسبة «العيد الكبير» إلى فرصة للتضامن مع الأشقاء في فلسطين المحتلة، من خلال مظاهرات ومسيرات، وكانت حملة مشابهة قد أثارت الجدل منذ أسبوعين بعد أن طالب رواد الفضاء الاجتماعي الافتراضي بارتداء الكوفية الفلسطينية خلال فترة امتحانات الثانوية العامة المعروفة ب»البكالوريا» دعما للغزاويين، وسرعان ما تم منعها بقرار رسمي من الوزارة الوصية «درأ للغش».
في الجزائر كرة القدم أقرب إلى المقدسات، تنتفي في حضرتها أي اهتمامات أخرى والبكالوريا أقرب لحرب الأيام الستة، وذلك ما تأكد هذه السنة تحديدا. إذ انشغل رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمباراتين مؤهلتين للمونديال خلال أسبوع، تلتهما أيام ستة من امتحانات الثانوية العامة عسيرة ليس على الطلبة فحسب بل على سائر الجزائريين إثر صوم قسري على الأنترنت «منعا للغش» أيضا، ولأي نشاط آخر بالمناسبة، جعلت الأضاحي تتذيل أولويات رواد الفضاء الرقمي الجزائري.
يفرقنا اللباس.. واللباس يوحدنا
لا يكاد يمرر مواطنو السوشيل ميديا في كل من الجزائر والمغرب مناسبة ليثيروا جدالا، ما يؤكد أحيانا الشكوك حول احتمالية افتعالها، خاصة إذا ما أخذ في الحسبان عوائد التريندات العينية والمادية. لكن يبدو أن لأضحى السنة رأي آخر. تستفيد «أنفلونسرز» البلدين من أجواء الفضاء الافتراضية القلقة أحيانا بفعل التجاذبات السياسية الرسمية، لتستثمرن (هن في الأغلب نساء) فيما يرفع مشاهداتهن من خلال إثارة الجدل حول هذا التقليد أو ذاك في سباق محموم لنيل الاعتراف الشعبي بوطنية هذا الطقس أو ذاك. ولن يكون اللباس آخر استثماراتهن. يحسن أن يكنى «العيد الكبير» لهذه السنة باليوم المغاربي للسلام، إذ رافقت تهاني العيد الرقمية بين البلدين بتفاعلات إيجابية حول رداء منزلي مغربي تقليدي ينتشر كثيرا في الجزائر وحتى تونس مخططا وملونا، تزينه خيوط بيضاء، يبدو أنه يرتبط في المخيال الشعبي المغربي بعيد الأضحى في حين ينتشر في باقي مناطق المغرب العربي على طول السنة. لكن الأغرب من عملية السلام هذه، هو تفسير نسبة الرداء إلى المغرب الأقصى لانتشاره تحت تسمية «المراكشية» (في الجزائر تحديدا)، وهو الأمر الذي يدل عن «عمق» ثقافة وإطلاع رواد الشبكات، ويثير التساؤل للمرة الألف حول طبيعة وانعكاسات خطاب مواقع التواصل الاجتماعي.
قاسم مشترك أكبر
تشير إحصائيات مؤسسات متخصصة ك»فيتش سليوشنز» أن البلدان المغاربية الثلاث تتذيل قائمة البلدان العربية المستهلكة للحوم بحسب البيانات المتاحة. وان كان عيد الأضحى مناسبة للتقارب الشعبي تقليديا مع البروتين الحيواني، فبلغة الرياضيات كان الاستغناء القاسم المشترك الأكبر هذه السنة في المنطقة المغاربية عامة، بل شعار أضحى 2024 في الجزائر مثلا. إذ تراجع اقتناء الأضاحي بشكل قياسي لدى العائلات الجزائرية بسبب الارتفاع الكبير في اسعارها بشكل غير مسبوق، ما جعل الكثير من المواطنين يعرضون عن الاحتفال بها. الأمر الذي انعكس على جدول أعمال رواد التواصل الاجتماعي الافتراضي الذي بدا احتفالهم باهتا ومختلفا عن السنوات الماضية، وحتى على مؤثريه الذين بدوا في حيرة، إذ لا تفوت مناسبة للتبشير بمنتجات جديدة، حتى الأعياد الرسمية التي ظلت حتى وقت قريب حكرا على مؤسسات الدولة وأجهزتها. ملاحظة تكررت في سوشيل ميديا تونس، إذ تراجعت مظاهر الاحتفال التقليدية، غطت عليها أخبار السياسة والتجاذبات والاستقطابات عكس الفضاءات الافتراضية المغربية الذي انهمك فاعلوها في موجة التعريف بعادات الاحتفال بالعيد، الذي يأتي متأخرا عن باقي البلدان المغاربية بيوم بحسب تقاليد المملكة الشريفة. استغناء وتراجع استهلاك عن معدل ضعيف بالأساس لن يسر حتى منظمات حماية البيئة التي تصنف تربية الأغنام وصناعات اللحوم من بين الأكثر تلويثا.
كاتبة من الجزائر
كاتبة جزائرية