بروكسل – وكالات الانباء: وافق وزراء مالية منطقة اليورو فجر امس الثلاثاء على حزمة إنقاذ ثانية لليونان بقيمة 130 مليار يورو (172 مليار دولار) لتجنيبها التخلف عن سداد ديون الشهر المقبل بعد أن أقنعت حملة السندات من القطاع الخاص بتحمل خسائر أكبر وأقنعت أثينا بالالتزام بتخفيضات أشد وقبول رقابة دائمة على اجراءاتها المالية.
وكان اول برنامج دعم اليونان تقرر في ايار/مايو 2010 بلغت قيمته 110 مليار يورو وتبين لاحقا انه غير كاف. وبعد محادثات استمرت 13 ساعة أكمل الوزراء الإجراءات اللازمة لخفض الدين اليوناني إلى 120.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2020 وهو مستوى أعلى بنسبة بسيطة من الهدف الأصلي وذلك للحصول على الحزمة الثانية في أقل من عامين وسداد مدفوعات سندات بقيمة 14.5 مليار يورو الشهر المقبل.
وبالاتفاق على أن يوزع البنك المركزي الأوروبي أرباحه من شراء السندات، وأن يتحمل حملة السندات من القطاع الخاص مزيدا من الخسائر، خفض الوزراء الدين إلى المستوى اللازم للحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي والمساعدة على دعم منطقة اليورو التي تضم 17 دولة.
لكن إجراءات التقشف التي التزمت بها اليونان تواجه استياء شعبيا واسعا وقد تسبب صعوبات للبلاد التي من المقرر أن تجري انتخابات في نيسان/ابريل. ومن شأن تفجر مزيد من الاحتجاجات أن يختبر التزام السياسيين بخفض الأجور ومعاشات التقاعد والوظائف.
ويتعين على كل حكومة في منطقة اليورو أن توافق على الحزمة. وقد ضغط المانحون الشماليون مثل ألمانيا لإلزام اليونان بإجراءات أكثر صرامة لكن وزير المالية الألماني فولفغانغ شيوبله قال إنه واثق جدا في أن أغلبية في البرلمان ستوافق على الحزمة.
وقال جان كلود يونكر رئيس مجموعة اليورو التي تجمع وزراء مالية المنطقة في مؤتمر صحافي ‘توصلنا إلى اتفاق بعيد المدى بشأن برنامج اليونان الجديد ومشاركة القطاع الخاص من شأنه أن يخفض ديون اليونان بشدة ويمهد لمستقبل اليونان في منطقة اليورو’. ويقول بعض الاقتصاديين إنه لا تزال هناك تساؤلات بشأن قدرة اليونان على سداد أعباء الدين التي تم خفضها.
وقد تتطلب العودة إلى تحقيق النمو الاقتصادي عقدا من الزمان وهو مما دفع آلاف اليونانيين للنزول إلى الشوارع للاحتجاج يوم الأحد. وستؤدي التخفيضات إلى تفاقم الركود الذي دخل بالفعل عامه الخامس وهو ما سيؤثر سلبا على إيرادات الحكومة.
يذكر ان الناتج المحلي الإجمالي لليونان تراجع بحوالي 7′ العام الماضي. من جهته اعرب رئيس وزراء اليونان عن ‘ارتياحه الكبير’ للاتفاق التي تم التوصل اليه مؤكدا في المقابل على ان الاصلاحات المقررة ستتحقق بعد الانتخابات المقبلة. وقال لوكاس باباديموس للصحافيين في ختام اجتماع لوزراء مالية دول منطقة اليورو في بروكسل ‘اننا مرتاحون جدا’ بشان الاتفاق. وتعهد باتخاذ تدابير تقشف مالي صارمة وباصلاح اقتصادها. وقال باباديموس للصحافيين ‘علينا ان نطبق البرنامج ضمن المهل المحددة وبشكل فاعل’ مضيفا ان الحكومة الحالية ‘مصممة على ذلك وانني واثق من ان الحكومة ستكون بعد الانتخابات على القدر ذاته من التصميم على تطبيق البرنامج لان هذا في مصلحة الشعب اليوناني’. ومن المقرر مبدئيا اجراء انتخابات تشريعية مبكرة في نيسان/ابريل وحصل شركاء اليونان الاوروبيون على ضمانات من الحزبين الرئيسيين، الاشتراكي والديموقراطية الجديدة (يمين)، بانهما سيلتزمان بالوعود حتى بعد الانتخابات. ومن أجل ضمان الحصول على المساعدة، اضطرت اليونان لقبول مراقبة صارمة للغاية على حساباتها بعد أن اعربت بوضوح دول مثل ألمانيا وهولندا عن الاستياء من فشل اليونان في تطبيق إصلاحات اقتصادية وإجراءات تقشفية كانت تعهدت بها. وسيتعين سداد الديون في حساب خاص قبل موعدها المحدد بثلاثة أشهر حسبما قال يونكر الذي أشار إلى أن هذه فكرة ألمانية لاقت قبولا. أما الأمر الثاني فسيكون هناك تمثيل للاتحاد الأوروبي ‘معزز ودائم’ في أثينا لمراقبة الحكومة. وأخيرا ستظل دفعات أموال الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد مشروطة ببدء اليونان في العمل على اجراء إصلاحات واسعة النطاق تشمل نظم المعاشات والضرائب. وقال وزير المالية الألماني إنه ‘سيتعين على اليونان أن تضع كل ذلك موضع التنفيذ بنهاية الشهر’. وقال فاسيليس كوركيديس رئيس اتحاد التجارة اليوناني ‘لقد زرعنا الرياح والآن نحصد العاصفة… برنامج الإنقاذ الجديد يبيعنا الوقت والأمل بسعر مرتفع للغاية ويواصل فرض إجراءات تقشف قاسية تبقينا في ركود طويل وعميق’. وسيمكن هذا الاتفاق أثينا من بدء مبادلة للسندات مع المستثمرين من القطاع الخاص للمساعدة على خفض وإعادة هيكلة ديونها الضخمة ووضعها على مسار مالي أكثر استقرارا وإبقائها داخل منطقة اليورو.
وسيجري شطب ديون بقيمة نحو 100 مليار يورو حيث ستقايض بنوك وشركات تأمين سندات بحوزتها مقابل أوراق مالية بآجال أطول وبكوبون فائدة أقل.
وسيتحمل حملة السندات اليونانية من القطاع الخاص خسائر قدرها 53.5 بالمئة من القيمة الاسمية لسنداتهم. وكانوا قد وافقوا في وقت سابق على تحمل خسارة بنسبة 50 بالمئة أي ما يعادل خسارة 70 بالمئة من صافي القيمة الحالية للسندات.
وقال يونكر إنه يتوقع نسبة مشاركة مرتفعة في الاتفاق، لكن بعض حملة السندات قد يخيب أمله بسبب الشروط الجديدة. وتوقع يونكر أن تتداول البنوك وصناديق التحوط الدائنة لليونان في الأسابيع القادمة ما لديها من سندات بأخرى جديدة بسعر فائدة يبلغ 2′ حتى عام 2014 و3′ في الفترة بين عامي 2015 و2020 وبنسبة 4.3′ بعد ذلك. وقال معهد التمويل الدولي الذي يمثل دائني القطاع الخاص إنه ‘إذا تم التوصل لاتفاق ناجح، سيكون تبادل الدين أكبر عملية إعادة هيكلة للديون السيادية على الإطلاق وقد يؤدي إلى خفض مقدار الدين البالغ بحوالي 107 مليارات يورو لليونان’. كما أوضح وزراء مجموعة اليورو أن البنوك المركزية الوطنية ستتنازل عن أرباح ديونها لدى اليونان، لكنهم أشاروا فقط إلى أن البنك المركزي الأوروبي – الذي يدافع عن استقلاله بشراسة – سيقوم بالشئ نفسه. فضلا عن ذلك، قال يونكر إن حكومات منطقة اليورو تعهدت بخفض أسعار الفائدة الإضافية على القروض القائمة لليونان من 2 – 3 إلى 1.5 نقطة مئوية. وقالت اليونان إنها ستقر تشريعا يسمح لها بفرض الخسائر على حملة السندات الذين يمتنعون عن المشاركة.
وستلعب البنوك المركزية في منطقة اليورو أيضا دورها في خفض الدين. فقد قال بيان لمجموعة اليورو إن البنك المركزي الأوروبي سيتنازل عن الأرباح التي حققها من شراء السندات اليونانية خلال العامين الماضيين لصالح البنوك المركزية الوطنية لكي تنقلها حكوماتها إلى أثينا ‘لتحسين مستوى تحمل الدين العام اليوناني.’وقد أنفق المركزي الأوروبي نحو 38 مليار يورو على سندات حكومية يونانية أصبحت تساوي الآن نحو 50 مليار يورو.
وقالت أثينا يوم السبت إن من المتوقع أن تبدأ مبادلة السندات في الثامن من اذار/مارس المقبل وأن تكتمل بعد ثلاثة أيام. وهذا يعني إعادة هيكلة مدفوعات السندات البالغة 14.5 مليار يورو المستحقة في 20 اذار وهو ما سيجنب اليونان التخلف عن السداد.
وستستخدم الغالبية العظمى من أموال الإنقاذ التي تبلغ 130 مليار يورو لتمويل مبادلة السندات وضمان استقرار النظام المصرفي اليوناني. ولن تخصص مبالغ تذكر من البرنامج لدعم الاقتصاد اليوناني بشكل مباشر.
ويشكك العديد من الخبراء الاقتصاديين في ان تكون خطة الانقاذ الجديدة اخر فصل في الازمة اليونانية وبالتالي ازمة الدين التي تشهدها منطقة اليورو منذ اكثر من سنتين. ويعبرون عن اسفهم لانها ركزت على التقشف في الموازنة وليس على اعادة اطلاق النمو. وقال سوني كابرو مدير مركز الدراسات ريدفاين ان ‘الخطة اليونانية تبقى هشة، وحتى مع هذا الاتفاق لا تزال غالبية مشاكل اليونان قائمة’. وأظهر تقرير أعده خبراء من الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي أن اليونان تحتاج إلى مزيد من المساعدة لخفض ديونها إلى المستوى الرسمي المستهدف بحلول عام 2020 نظرا لتفاقم أحوالها الاقتصادية.
وذكر التقرير الذي حصلت عليه رويترز أن الدين قد يسجل 160 بالمئة بحلول ذلك الوقت ما لم تمض أثينا قدما في إصلاحات هيكلية وإجراءات أخرى.
وقال التقرير السري الذي يقع في تسع صفحات ‘بالنظر إلى المخاطر القائمة فإن برنامج اليونان قد يظل معرضا للنكبات في ظل استمرار الشكوك بشأن القدرة على خدمة الديون.’الدولار يساوي 0.7538 يورو.