دول خارج السياق

حجم الخط
0

سميــر حمدي تحاول بعض الأنظمة العربية إغلاق أبوابها خوفا من هبوب عواصف الثورات عليها، وهي في هذا تتحرك ضمن سياقات مختلفة شكلا ولكنها تتشابه من حيث البنية ومن حيث المنطق الداخلي. ويمكن في هذا الصدد تحديد الملامح العامة للسلوك السياسي لهذه الأنظمة والمرور بعدها إلى تفصيل الفوارق التي تصنع خصوصية كل نظام على حدة بحيث يمكن فهم الوسائل التي تحاول هذه الأنظمة من خلالها منع كل محاولة للتغيير الداخلي وبشكل طبيعي لتفتح الطريق أمام احتمالات أخرى لن تكون في كل الأحوال في صالح هذه الأنظمة.

حيث تسعى بعض الأنظمة العربية تصريف أزماتها بأشكال مختلفة لمنع أي بادرة لتمرد شعبي ومن ثم سقوط رأس الهرم وانهيار باقي أحجار الدومينو من المستفيدين من وجود النظام وهي في هذا تمارس نمطا من المغالطات على أنحاء مختلفة وبأشكال متعددة ويمكن ضبطها على النحو التالي:

أولا التركيز على فكرة الاستقرار مقابل الاضطراب الذي يهز دول الربيع العربي وهي في هذا تركز على أن المصلحة الوطنية تقتضي الحفاظ على النظام بهيكله الحالي إما تخويفا من تدخل خارجي محتمل ـ وكأن التدخل الأجنبي غير حاصل في ظل هذه الأنظمة الفاسدة ـ أو ترغيبا في إصلاح قد يأتي أو يتم تأجيله كل مرة تحت أعذار مختلفة.

ثانيا السعي إلى توتير الأوضاع في الدول التي شهدت ثورات وبدأت خطوات نحو الديمقراطية وإن بدرجات متفاوتة (التدخل السعودي والخليجي في مصر ومحاولات دعم الفلول للعودة إلى السلطة والتدخلات الجزائرية في الجارة تونس والسعي إلى إفشال ثورتها ودعم قوى الثورة المضادة بأشكال مختلفة). ثالثا تسويق نفسها لدى الغرب بوصفها حامية للمصالح الدولية في ظل تصاعد نفوذ القوى الإسلامية في منطقة جنوب المتوسط وتراجع دور دول الثورات في مكافحة ما يسمى بالإرهاب خاصة إذا أخذنا في الاعتبار إن القوى الكبرى قد خسرت الكثير من نفوذها بعد ثورات الربيع العربي (فرنسا في تونس وأمريكا وإسرائيل في مصر) ولهذا فهي تسعى جاهدة للحفاظ على ما تبقى من نفوذ وهو أمر يتجلى في الدعم الفرنسي للانتخابات الجزائرية وثناءها عليها والدعم الأمريكي لدول الخليج وأخيرا التردد الغربي في دعم ثورة سوريا تحسبا لمآلاتها التي قد لا تخدم مسار الهيمنة الغربية في المنطقة وقد تمس بالأمن الصهيوني في مقتل.

ومن جهة أخرى تتجه دول الاستبداد العربي (بوصفها النقيض الموضوعي لدول الربيع العربي) إلى اعتماد جملة من الممارسات الإجرائية لحماية نفسها من الانهيار وبأساليب مختلفة والغاية منها حماية النظام المهترئ وليس خدمة الشعب، فالنظام السعودي يتجه إلى لعبة الطائفية القذرة بتصوير أي تغيير وكأنما هو في مصلحة الأقليات وليس فرصة للشعب لممارسة حقوقه تحت شعار المواطنة أيا كان توجهه العقدي والطائفي وهو الآن يبالغ في تضخيم هذا الخطر إلى حد الاتجاه نحو إعلان وحدة مع النظام البحريني خدمة لرديفه المستبد هناك. أما الحالة الأردنية فهي صورة كاريكاتورية لعملية ديمقراطية مشوهة يشرف عليها النظام هناك بأجهزة استخباراته العاتية لمنع أي محاولة إصلاحية حقيقية بحيث يتم اختصار الممارسة الديمقراطية في تغيير رئيس وزراء وليس تغيير السياسات مستفيدا في ذلك من دعم خارجي قوي لارتباط الجهاز السياسي الحاكم من أعلاه إلى أدناه بالمنظومة الأمريكية بالمنطقة مع ما يعنيه هذا من حرص على المصلحة الصهيونية بل ويذهب النظام الأردني إلى أكثر من هذا عندما يرفض تقديم أي مساعدة للثورة السورية (خلافا لتركيا مثلا) وليس هذا توافقا مع النظام السوري وإنما خوفا وفرقا من نتائج ثورة لا يعلم نتائجها في صورة بلوغها غاياتها القصوى، وفي العراق يظل النظام المتأمرك هناك جاثما على اختلافه الطائفي وخادما لأجندات مختلفة (أمريكية وإيرانية) يعتبرها صاحبة فضل عليه وهو الذي جاء على فوهة الدبابة الأمريكية معمدا ببركات آيات الله في قم وطهران.

وفي مغربنا العربي فقد كان خيار العسكرتاريا في الجزائر واضحا وهو إعادة إنتاج النظام من جديد مع بعض البهرج الديمقراطي بوصفه لزوم تجميل الاستبداد المتحكم في البلاد. لقد حرص بارونات الحكم هناك على صنع تغييرهم الخاص الذي لا يجاوز مجرد تغيير عدد المقاعد الممنوحة لكل حزب مشارك في المسرحية الانتخابية (وكم ذكرتني إطلالة وزير الداخلية الجزائري وهو يعلن النتائج بوزير داخلية تونس زمن المخلوع في انتخابات 2009 وهو يتبجح بالانتصار الساحق لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي ومانحا بعض الأعطيات لأحزاب الكرتون)، وبنسبة مشاركة مشكوك فيها وبتصويت نعرف جميعا كيف تصنعه مطابخ وزارة الداخلية تسير الجزائر نحو تسريع ربيعها القادم وإن حاولت تأجيله بقدر الإمكان.

وأخيرا هذه الدول العربية جميعا تسير خارج سياقات الزمن وتعاكس منطق التاريخ وطبائع المدنية من حيث أن المسار الحقيقي للشعوب إنما يتجه صُعُدا إلى الديمقراطية ولن تطول أزمان الاستبداد فالحرية أولا والحرية أخيرا..’ كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية