دومينو التفاح الفاسد في عوالم ما بعد الحرب الباردة
صبحي حديديدومينو التفاح الفاسد في عوالم ما بعد الحرب الباردةدون ان يرفّ له جفن، أي ـ في صياغة اخري خارج المجاز ـ دون ان يكترث بسوق المحاججات الديماغوجية وحشد التوريات الساخرة الاشدّ ديماغوجية، ينبّهنا المعلّق الامريكي الشهير توماس فريدمان إلي امر جلل بالغ الخطورة، كنّا عنه غافلين: ان عالم ما بعد الحرب الباردة ليس احادي القطب (حيث امريكا هي القوّة الكونية الاعظم والأوحد)، بل متعدّد الاقطاب (حيث ثمة قوي عظمي عديدة مثل فنزويلا هوغو شافيز تحديداً، سلاحها الجبّار في مواجهة امريكا هو حفر المزيد من آبار النفط، ليس اكثر)؛ وان النفوذ الامريكي في السياسة الدولية لا يتراخي وينحسر فحسب، بل باتت واشنطن عاجزة حتي عن علاج صغري أزمات الكون وادناها شاناً!والحال ان هذا الخطاب مستلّ، في تسعة اعشار مفرداته، من قلب قواميس الحرب الباردة إياها التي يوحي فريدمان انها طُويت وانقضت وانقرضت، بل لعلها تبدو اكثر ابتذالاً لأنها لا تعيّن الملموس بقدر ما تتلمس المطلق المجرّد المتخيل. وكانت ماري كالدور، الباحثة البريطانية المرموقة المختصة بالعلاقات الدولية وسياسات التسلّح، قد اطلقت علي الحرب الباردة صفة بديعة بالفعل، ودقيقة تماماً في الآن ذاته: حرب المخيّلة! ذلك لأن فريقي هذه الحرب، التي ظلّت إفتراضية بالطبع، لم يكونا بصدد التحضير لمواجهة عسكرية فعلية تردع الطرف الخصم، واكتفيا بترويج ـ واحياناً ممارسة! ـ هذه الحرب في نطاق المخيلة، وعن طريق تضخيم الإحساس بأنها استمرار للحرب العالمية الثانية التي لم تنته بعد، حتي إذا كانت قد وضعت اوزارها.وحين يصغي المرء إلي نائب الرئيس الامريكي، ديك شيني، وهو يهجو الغاز الروسي، وكأن هذا الغاز جيش جرّار وقوّة إمبريالية تسعي إلي قهر الجمهوريات السوفييتية السابقة، وسائر بلدان اوروبا الشرقية، او إعادة احتلالها ربما؛ او حين يصغي المرء إلي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يهجو الولايات المتحدة بدوره، بل يصفها بـ الرفيق الذئب الذي يعرف مَن يفترس، ويزدرد فريسته دون ان يصغي إلي احد ؛ فإن المرء لا يُلام إذا تمتم وهمهم وتساءل: هل هذه فصول جديدة من الحرب الباردة؟ هل نستعيد حروب المخيلة من جديد؟ وهل هذا استئناف لأواخر خطابات التصعيد بين طرفي الحرب الباردة السالفة، ام ذرّ للرماد في العيون؟والحال ان العالم، عند الكبار بصفة خاصة، يبدو وكأنه لا يتغير إلا علي مبدأ ملء الدنان العتيقة بنبيذ جديد، او العكس، بحيث ينقلب الجديد إلي إعادة إنتاج للقديم، ويصبح التغيير دائرة مفرغة واسعة غائمة. الامر الذي يمنح المرء ذاته، المصغي إلي اهجيات شيني وبوتين علي حدّ سواء، الحقّ في استئناف قديم النظرية ـ قبل راهنها، وربما دون حاجة إلي الراهن! ـ حول الأكوان والعوالم والعباد والأمم والدول التي تكتنف هذا الإحياء الجديد لتلك الخطابات العتيقة. بين ذلك القديم، مثلاً، ثمة نظرية التفاحات الفاسدة التي طرحها، قبل نحو عقد، المؤرخ الامريكي الشهير بول كنيدي، المعروف ببصيرة ثاقبة في شؤون صعود وانحطاط القوي العظمي. وكان الرجل، ضمن مقالة شهيرة نشرها في فصلية Foreign Aairs الامريكية ثمّ طوّرها بعدئذ، قد اعتبر ان المكسيك والبرازيل والجزائر ومصر وجنوب افريقيا وتركيا والهند وباكستان واندونيسيا هي الدول/ التفاحات الفاسدة التي ستلحق الأذي بصناديق الإستراتيجيات الكبري المرسومة للقرن القادم. او هي قطع الدومينو التي قد تودي بكامل شروط اللعبة، كما كان سيقول رجال من نوع دوايت ايزنهاور او دين اشيسن او هنري كيسنجر او زبغنيو بريجنسكي؛ او الدول المحورية Pivotal States كما جادل الجغرافي والإستراتيجي البريطاني هالفورد ماكيندر في مطلع القرن؛ او ما يحلو للمرء ان يسمّيه إذْ يقيم الرابطة بين اندثار القوي العظمي وعجز الإستراتيجيات الكبري عن احتواء القطع الصغيرة في لعبة الدومينو إياها.وليس الامر ان كنيدي يناهض نظريات الدومينو القديمة في غمرة مقترحاته الجديدة، بل قد يكون العكس هو الصحيح. ذلك لان التركيز علي قطع الدومينو الجديدة، وبينها بعض كثير من القطع القديمة للتذكير، يمكن ان يخدم الإستراتيجيات الراهنة والمستقبلية للولايات المتحدة اكثر مما كانت عليه الحال ايام نظام القطبين والإستقطابين، خصوصاً وان احداً لا يبدو اليوم مُلزَماً بإثقال الخزينة الامريكية لخدمة مشاريع مارشال من ايّ نوع، او ملء الفراغ علي قاعدة الموت ولا الحمر Beer Dead than Red الفارق بين الامس واليوم هو ان التهديد الشيوعي لم يعد الشبح المرابط علي الاسوار، المتاهب للإنقضاض والتخريب إذا ما غفلت عين الحارس الامريكي الساهر علي الحرية والديمقراطية والأمن. التهديد، هذه المرّة، يأتي من الداخل، والداخل وحده تقريباً. يأتي ولا يتوقف عند حدود البلد المحوري، بل يتعداه إلي اكثر من جوار، بالضرورة الناجمة عن طبيعة انبثاقه من عوامل مكوّنة ليست داخلية علي الدوام: الزيادات الهائلة في اعداد السكان، موجات الهجرة، التدهور البيئي، الصراعات الاثنية، انعدام الوزن الاقتصادي… وما إلي ذلك من ظاهرات تعجز السياسات السابقة عن معالجتها او حتي تطويقها وتضييق نطاق انتشارها.ويسرد بول كنيدي المعايير والخصائص التي تسمح بتحديد الدولة المحورية، فيشير إلي عدد السكان، والموقع الجغرافي الهامّ، والإمكانات الاقتصادية، واحتمال ولادة الاسواق الكبري، والحجم الفيزيائي… هذه جميعها عوامل كلاسيكية تساعد في تعريف الدولة المحورية، ولكن المعيار الأهمّ هو قدرة تلك الدولة علي التأثير في الإستقرار الإقليمي والدولي، بحيث يكون انهيارها بمثابة تقويض لعدد كبير من المعادلات السياسية والإقتصادية والامنية والإثنية والثقافية. وضمن هذا التعريف سارع كنيدي إلي التحذير من خطأين: اعتبار اللائحة مقتصرة علي هذه الدول وحدها (إذ قد تتبدّل، او بالاحري ينبغي ان تتبدّل، اللائحة)؛ وانقلاب نظرية التفاحات الفاسدة إلي مزمور مقدّس شبيه بنظرية الدومينو (لان منظورات هذه الدول المحورية يمكن ان تتقاطع وتتباين كثيراً، في واحد او اكثر من المعايير المشتركة).وفي مناقشة حالة مصر يشير كنيدي إلي الإعتبارات التقليدية: الموقع الجغرافي والتاريخي، العلاقة مع القوي الكبري، القرب من منابع النفط، التورّط النشط في العملية السلمية العربية ـ الاسرائيلية، الدور الحيوي في ضمان الإستقرار الإقليمي في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، نظام الرئيس المصري حسني مبارك، وما إلي ذلك. في المقابل، يعدّ كنيدي انهيار مصر (اي انهيار النظام الحالي) ضربة اكثر إيذاء للمصالح الامريكية من سقوط الشاه وقيام الثورة الإيرانية. وحجم الاذي يمكن ان يشمل تعطيل عملية السلام او قطعها إلي اجل طويل، وعرقلة الخطط الامريكية الهادفة إلي احتواء القوي الإقليمية الفاعلة وإلي حصار الانظمة الاصولية ، وإجبار السعودية علي إعادة النظر في تحالفاتها شبه المطلقة مع الغرب، وانتفاء اية إمكانية لتكرار عملية نوعية علي غرار عاصفة الصحراء ، فضلاً عن التأثيرات المباشرة علي سياسات إنتاج وتسعير وضخّ النفط من المنطقة.الجزائر تشغل موقعاً جغرافياً بالغ الحساسية، ومستقبلها السياسي يحظي باهمية فائقة في حسابات دول اوروبية حليفة مثل فرنسا وإسبانيا. واستمرار الحرب الاهلية في هذا البلد، وما يمكن ان يسفر عنه من احتمال سقوط النظام القائم، يهدد امن حوض المتوسط بأسره، وامن الاسواق الدولية للنفط والغاز، وتكوين قاعدة لاحتضان التيارات الاصولية العالمية، وتطوير شروط المجابهة بين الاصولية والعلمانية من جهة اولي، وإعادة صياغة العلاقة بين التيارات المعتدلة والراديكالية ضمن الحركة الإسلامية الواحدة من جهة ثانية، فضلاً عن امتداد الفيروس إلي الجوار ميمنة وميسرة (مصر، تونس، ليبيا، المغرب)، وفي العمق الافريقي المسلم. كذلك فإنّ وصول نظام راديكالي معادٍ للغرب إلي السلطة سوف يعني تهديد حاجة فرنسا وإسبانيا وإيطاليا إلي موارد الجزائر من النفط والغاز، وتهديد الإستثمارات الاوروبية الواسعة، الامر الذي سيلحق الإضطراب بالاسواق العالمية، ويهدد المصالح الامريكية. كذلك سوف تضطر الطبقات الوسطي العلمانية إلي الهجرة الكثيفة، وستضطرب من جديد سياسات الهجرة في دول الاتحاد الاوروبي.ورغم ان تركيا لا تعاني من الوضع القلق لكلّ من مصر والجزائر، إلا انها تتفوّق عليهما في اهمية الموقع الإستراتيجي، وهي قادرة علي التأثير في عدد كبير من الدول، علي مبعدة آلاف الاميال من البوسفور، بوصفها نقطة تقاطع بين الغرب والشرق، الشمال والجنوب، والمسيحية والاسلام. ولكنّ تركيا تعاني من صعوبات مزمنة تقلق الكبار مثلما تصبّ الزيت علي حرائق دول محورية غير بعيدة. ثمة ضغوطات سكانية وبيئية، وتحديات إثنية حادّة، وصحوة إسلامية اصولية، وتنافس مع اليونان، وتوتر (سابق، ولكنه يظلّ كامناً قائماً) مع سورية والعراق حول اقتسام مياه الفرات، وطموح إلي لعب الورقة التركية العتيقة في آسيا الوسطي. ذلك يقتضي الحفاظ علي تركيا مزدهرة وعلمانية وديمقراطية، والحرص الشديد علي عدم توليد تركيا منقسمة علي نفسها بفعل حروب اهلية دينية وإثنية، او تركيا طامحة إلي استعادة الماضي الإمبراطوري، او تركيا لا تنضوي جيداً في التصميم الإستراتيجي المعتمد من قبل الولايات المتحدة وحلف الاطلسي.وتحليل كنيدي للدول المحورية الاخري لا يخرج عن هذا المنهج العام، وهو في النهاية يوصي راسمي السياسات الامريكية بالوقوف في موقع وسيط بين مجازفتين خاطئتين: بسط طبقة رقيقة من النفوذ الامريكي علي سطح واسع من الكرة الارضية، او الإنعزال ولملمة النفوذ والتمترس خلف اسوار المحيط. هذا الخيار الوسيط يخدم مصالح الولايات المتحدة استراتيجياً لأنه يحقق اكبر قدر ممكن من ضبط الأمن الدولي عبر نقاط محورية ممركزة، ويخدمها سياسياً لانه يوفّر حجة دامغة ضدّ ذريعة بعثرة الموارد الامريكية والتي يرفعها دعاة الإنعزال. ويستذكر كنيدي مثال امتناع الولايات المتحدة عن التورّط في ازمة رواندا صيف عام 1994، ويري ان مَنْ انتقدوا إدارة الرئيس الامريكي السابق كلينتون تناسوا ان عدم استقرار رواندا لا يلحق اي اذي بالمصالح الامريكية.وبالمقارنة مع القاعدة السابقة التي تقول الموت ولا الحمر ، بدا كنيدي اشبه بمَنْ يقترح قاعدة جديدة مثلي حول الاشكال القادمة لإدارة الكون وضمان عدم تعفّن صناديق التفاح الاستراتيجي في عقود القرن المقبل: ان تكون حكيماً خير من ان تكون واسعاً Beer Wise than Wide! ولهذا فإنّ إحدي معضلات روسيا، الطرف الثاني في الحرب الباردة السالفة، انها اليوم تتقلّص دون ان تتخلي عن احلام القياصرة في التوسّع بقصد الالتفاف علي الرفيق الذئب ؛ وامّا إحدي معضلة الولايات المتحدة، الطرف الاوّل، فإنها تتوسع شرقاً صوب ديار الإسلام بعد ان اختلقت اصوليته وصنّعته عدوّاً بديلاً للعدوّ الاحمر، تارة بغرض عقائدي يلهج به المحافظون الجدد ويستأنف اكاذيب نشر الحرّية، وطوراً بغرض ديماغوجي يسعي إلي توسيع جغرافية اقتصاد السوق كما يردّد الرهط ذاته، ودائماً وابداً لان حفر المزيد من آبار النفط هنا وهناك في عالم ما بعد الحرب الباردة ينبغي ان يخدم امريكا وحلفاءها اوّلاً وثانياً وعاشراً، قبل ان تستفيد منه الامم/ قطع الدومينو المحفور عندها. ولا بدّ، كذلك، ان لا يزداد عدد التفاحات الفاسدة!9