دون كيشوت

حجم الخط
0

كفي الزعبي

هونيك في سجرة علي مفرق طريقيا سجرة الأيام غيرنا الهويفرفطلنا الورقات وابقينا سوي ما أن سمعت الكلمات حتي خففت بتلقائية من سرعة السيارة، والتزمت المسرب اليمين، وهونيك، علي مفرق بعيد يفصل سنين عمري سمعت لا صوت فيروز بل صوت صديقة قديمة ينساب حنونا في بيت من حجر وطين هدم منذ زمن وبقيت جدرانه قائمة في الذاكرة. كانت صديقتي تغني أغنية فيروز هذه، فأصمت وأغرق معها في الشجو. يمتثل أمامي المشهد بلا ألوان إنما بصوت: لا أدري إن كان صوت فيروز أم صوتها. يا ناطرة وحدك علي مهب الهوا متلك أنا سجرة علي مفرق طريق أحافظ علي السرعة البطيئة لسيارتي وأنا أسمع فيروز وهدير حنيني ولا أسمع زمور السيارة التي تسير خلفي. وفي المرآة لا أري اضواءها الغامزة التي لمحتها عيناي. أري مفرقا تنتصب في إحدي جوانبه شجرة عارية وحيدة في مهب الريح. رياح خريفية وجميع الجهات رمادية غائمة وصبية تنتظر! لا أذكر أن في الرمثا كان ثمة مفرق وشجرة لكنني أذكر أنني كنت الصبية، وصديقتي كانت الصبية! كلانا كان ينتظر! عند ذلك المفرق افترقنا: أنا سافرت وصديقتي تزوجت. كان الحنين والفضول قد جرني قبل عدة سنين في إحدي زياراتي الصيفية إلي الوطن، لزيارتها. أردت أن أفاجئها، فلم أعلمها مسبقا بقدومي. سألت عن بيتها وذهبت إليه، من باحة البيت سمعت صوتها. فتسارعت دقات قلبي وارتبكت: فجأة سمعت في أذني همس أسرار قديمة لطالما بحت لها بها، وعبرت مخيلتي ظلال أحلام لطالما حلمناها معا، ورن في العتمة جرس ضحكات كنا نجاهد كي نكبتها تحت اللحاف ـ عندما كانت تبيت في بيتنا ـ حتي لا نزعج النيام. وفي الهواء شممت رائحة أولي السجائر التي دخناها في الخفية وكدنا بسببها نختنق معا: من السعال والضحك والخطيئة. وشممت رائحة الملابس التي كنا نستخرجها من قاع بسطات البالة فيما العرق يتفصد من فرحنا ونكاتنا. كان الوقت يعبر ملونا، مضحكا وبأحجام وموديلات مختلفة: مرة في بنطال عريض وقصير ومرة في فردة جورب وحيدة ومرة في قميص مثقوب ومرة في تنورة قصيرة تتفقدها صديقتي جيدا ثم تضعها جانبا، ونغوص ثانية ونضيع بين الأكوام. بعد ذلك يشرع الوقت بالزحف عبر جيوبنا ونحن نساوم الباعة بعناد إلي أن ننتصر ونشتري الملابس بقروش، هي في الحقيقة كل ما نملك. ثم نتوالي علي لبسها ـ كانت هي أجرأ مني بكثير في اللباس، بل في كل شيء.

وفيما كنت لا أزال أسمع صوتها، وقبل أن أصل الباب، سرت في جسدي قشعريرة، ذات القشعريرة التي امتلكت روحي ونحن ندخل معــــا إلي أول اجتماع في تنظيم سري. وعبر ركام الأيام رأيت طيفا زاهيا لحلم ثوري مراهق بتغيير الحياة. طيف ما لبث أن تلاشي كأنه كان سرابا. كان باب البيت مفتوحا: رأيت أطفالا وامرأة سمينة في ثوب أسود طويل توضب الغرفة ـ المدخل. بحثت عنها في المكان ـ فقد سمعت صوتها منذ قليل ـ وما رأيتها. بقيت للحظة واقفة في الباب لا أطرقه. انتبهت المرأة إلي وحدقت بي باستغراب ثم رحبت بي متفاجئة. كان صوتها هو ذات الصوت، ووجهها المحاط بمنديل يشبه وجه صديقتي كثيرا. بيد أن المرأة بدت لي أخري.

تعانقنا. هل كان عناقا حارا؟ لست أدري. جلسنا. وبسرعة قاسية نضبت جميع الأسئلة الممكنة، وقيلت كل الأجوبة التي لا نتردد في التصريح بها لأي كان. وسارع الفراغ ليمتد بيننا. كأننا غريبتان. كنت وبدون وعي ـ ربما ـ لا أفتأ أنظر إليها. سألتها في محاولة للبحث عن كوة في الجدار الذي انتصب بيننا، كوة تقودني إلي أسراري التي نسيتها، وإلي أحلام قديمة وإلي انتظار:

ـ أما زلت تغنين لفيروز؟

فنظرت إلي نظرة تعجب، أو ربما استنكار! لا أعرف، لعلني أسيء التعبير، لكنني شعرت بفعل تلك النظرة كما لو أنني ذكرتها بإثم. ـ كان ذلك أيام الجهل! الآن من الأجدي للمرء أن يقرأ القرآن. أجابت. صمت. ولم أعرف عن ماذا أسأل أيضا، فقد تلقيت إجابة عن جميع الأسئلة. لكنني علي الرغم من ذلك عدت وسألت:

ـ بماذا تهتمين الآن؟

ـ الهموم الآن كثيرة! ـ ردت إنما ليس بشرود، بل كانت تحدق بي كما لو أنني أطرح أسئلة غبية، أردفت: فقديما كنا بلا هموم، كنا ضالّتين!

وظلت عيناها تحدقان بي باستفهام كأنما تسألانني: أليس كذلك؟! ، لكنها لم تدل بالسؤال. لعل الإجابة كانت واضحة في هيئتي. واضحة بيد أنها لا تروقها. في الزاوية، قبالتي كانت هناك سلة فيها ورد صناعي فاقع الألوان. تذكرت أنها قديما كانت تحب الورد الطبيعي، لكني لم أعلق. ـ هل تقيمين الآن هنا؟ ـ سألتني.

ـ لا. أنا في زيارة وحسب، سأسافر قريبا!

ـ بالسلامة إن شاء الله! ـ قالت ولم يسنح لي التقاط أية مشاعر من تلك المشاعر العارمة التي ودعتني بها ذات يوم، لم يسنح لي لأنها راحت تتمتم مسبحة بحمد الله تجاوبا مع صوت الأذان. خالط الأذان صوت زمور سيارة، وصوت فيروز. ولمحت في المرآة مجددا أضواء السيارة التي تسير خلفي، تغمز بإلحاح. بيد أنني لم أرها. رأيت صديقتي تقوم ـ لست أدري إن كانت هي ذاتها صديقتي ـ وتستأذنني قائلة أنه يتوجب عليها الصلاة. في الغرفة المجاورة سمعت صوتها تحادث ابنتها. خطر ببالي أن أقوم وأبحث عنها، وعن مفرق الطريق ذاك، وعن الصبية التي تنتظر، لكني بقيت في مكاني أنتظر ـ علي مفترق طرق آخر ـ ريثما تعود كي أذهب. فجأة جفلت. وتجمد دفق أفكاري وضاع صوت فيروز والمفرق والصبية التي تنتظر. وضاع صوت الأذان أيضا. كان زمور السيارة ـ التي كانت تسير خلفي ـ عاليا صارخا وهي تتجاوز سيارتي، وفيما هي تحاذي سيارتي رأيت سائقها يلوح لي بيده، تلويحات تشير لغضبه الشديد مني، وجهه أيضا كان مستفزا، وكان يهتف بكلام لم أسمعه، لكنني قدرت أنه لا بد يشتمني. ثم سبقني بسرعة عالية كأنما تجسيدا للنصر الذي ظفر به أخيرا علي!

أما أنا فقد نظرت إليه وأنا أتساءل بتعجب: هل ثمة معركة جرت؟! تابعت طريقي، وتحول الشريط إلي أغنية أخري، واستمرت روحي تلوك الأفكار كأنها طاحونة هواء. روائية أردنية Qsr

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية