دوين جونسون في «آلة التحطيم»: صخرة تتفتت على الشاشة

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

البندقية – «القدس العربي»: لا يحدث كثيراً أن نجد فيلماً رياضياً ينجح في أن يتجاوز حدود الملحمة الحماسية والبطولات الجسدية ليغوص في ما هو أعمق: هشاشة الجسد، انكسارات الروح، وتعقيدات الحب حين يتقاطع مع الإدمان.
فيلم «آلة التحطيم» للمخرج الأمريكي بيني صفدي، الذي فاز بجائزة أفضل إخراج في الدورة الـ82 لمهرجان فينيسيا السينمائي (27 آب/أغسطس ـ 6 أيلول/سبتمبر 2025)، يحقق هذا التوازن النادر. فبدلاً من أن يقدم لنا سيرة تقليدية للاعب فنون قتالية، يمنحنا لوحة إنسانية عن رجل يعيش بين انتصاراته في الحلبة، وانكساراته خارجها، بين المجد الذي يلمع أمام الجمهور والوحدة التي تلتهمه في العتمة. ويعيش مع هاجس دائم، إنه إذا هُزم هزيمة واحدة، فإن هذا سيعني انكساره من الداخل وتوالي الهزائم.
في قلب الحكاية يقف دوين جونسون، الذي لطالما عُرف بلقبه «ذا روك»، أي الصخرة، رمز القوة الصلبة والثبات. غير أنّ جونسون هنا يخلع هذا القناع الصلب ليكشف عن هشاشة غير متوقعة. يجسد شخصية مارك كير، أحد رواد الفنون القتالية المختلطة في أواخر التسعينيات وبداية الألفية. وتمزج هذه الرياضة بين المصارعة والملاكمة والجيو- جيتسو وفنون قتالية أخرى داخل قفص واحد.
كير رجلٌ ضخم البنية، يبدو لنا كعملاق أو جبل يسير على الأرض، يهزم خصومه بسهولة، لكنه في الوقت نفسه ينهزم أمام إدمان المسكنات وأمام شياطينه الداخلية ومخاوفه الداخلية. يبدو لنا أن آلة التحطيم التي تعنون الفيلم تحطم ما في الخارج وما في الداخل أيضا، كما لو أن كير يحطم ذاته بذاته. إنها المرة الأولى التي نرى فيها جونسون يتفتت أمامنا، لا جسداً بل روحاً، وهو ما يجعل أداءه مفاجئاً ومؤثراً إلى حد كبير.
يبدأ الفيلم في 1997، حيث نرى كير في أوج ثقته بنفسه، يسدد ضربات عنيفة لخصومه فيصرعهم، ويتغلب عليهم في ثوانٍ معدودة. لكن سرعان ما ينتقل بنا صفدي إلى سنوات لاحقة، حيث يتضح أن جسد كير، وإن بدا صلباً كالصخر، صار مثقلاً بالإصابات، وأن روحه بدأت تتآكل تحت وطأة الوحدة، السفر المتكرر إلى اليابان للمشاركة في البطولات، والألم الذي لا يهدأ إلا بمسكنات أقوى فأقوى. في هذه اللحظة، لا تعود «آلة التحطيم» مجرد لقب لمقاتل، بل استعارة شاملة للحياة ذاتها: آلة لا تكف عن التحطيم، تفتت الجسد وتنهك الروح.
الجانب الأكثر فرادة في الفيلم ليس مشاهد القتال داخل الحلبة، بل العلاقة المضطربة بين كير وصديقته، ثم زوجته لاحقاً، دون ستابلز – كير، التي تؤديها بعمق لافت إيميلي بلنت. بلنت تقدم شخصية امرأة عالقة بين الحب والخذلان، بين رغبتها في أن تنقذ الرجل الذي تحب، وشعورها بأنها تُستنزف في علاقة تتكرر فيها الخيبات. مشاهد الشجار بينهما تأتي أحياناً أكثر عنفاً من مباريات المصارعة نفسها، وكأن المعركة الحقيقية ليست في الحلبة، بل داخل جدران منزلهما.
بلنت ليست مجرد ظل لشخصية البطل، بل شريكة كاملة في سرد الحكاية. حين تقول لصديقتها إنها «تفتقد أن تعتني به»، تكشف عن طبيعة هذا الحب المشروط بالألم، الذي يمنحها دوراً، لكنه يبتلعها في الوقت نفسه. حضورها أمام جونسون يخلق ثنائياً مشحوناً بالتوتر والصدق.


الفيلم هو أول تجربة لبيني صفدي، بعيداً عن شقيقه جوش، بعد سلسلة من الأعمال التي صنعت لهما سمعة قوية في السينما الأمريكية المستقلة، أبرزها «جواهر غير مصقولة» Uncut Gems. هنا يختار صفدي أن يذهب في اتجاه مغاير تماماً: من التوتر المحموم والسرعة اللاهثة إلى أسلوب أكثر هدوءاً وتأملاً، أقرب إلى الحس الوثائقي.
تكمن قوة الفيلم في هذه المسافة الرمادية بين الواقع والخيال، بين التوثيق والدراما، حيث لا يبحث صفدي عن الإثارة بقدر ما يبحث عن الصدق.
لا شك أن جونسون هو الاكتشاف الأكبر للفيلم. نعم، نحن أمام نجم جماهيري اعتدنا رؤيته في أفلام الأكشن الضخمة، لكن هنا يقدّم أداءً يوازن بين ضخامة الجسد وهشاشة الروح. النتيجة أداء هو الأكثر تعقيداً في مسيرة جونسون: عينان متعبتان، جسد لا يعرف الراحة، ورجل يتأرجح بين البطولة والانكسار. هذا التحول قد يضعه بالفعل على أبواب الأوسكار، ليس فقط مكافأة لمسيرته التجارية، بل اعترافاً بقدرة هذا النجم على أن يعيد تعريف نفسه.
في نهاية المطاف، «آلة التحطيم» ليس مجرد سيرة عن مقاتل رياضي، بل عن رجل يبحث عن معنى لحياته، في ظل آلة تواصل طحنه. عنوان الفيلم لا يُذكر داخل الحوار، وكأن صفدي يترك لنا حرية التأويل: هل «آلة التحطيم» هو كير نفسه؟ أم الرياضة التي التهمت سنواته وأهدرت جسده؟ أم أنها الحياة ذاتها، التي لا تكف عن سحق من يعيشها؟ في المشهد الأخير، نخرج من الفيلم بوعي مزدوج: من جهة، تقدير جديد لدوين جونسون كممثل قادر على أن يكسر صورته الصلبة ويكشف هشاشته؛ ومن جهة أخرى، إحساس بالمرارة تجاه رياضة وأسلوب حياة لا تمنح أصحابها سوى لحظات مجد عابرة، قبل أن تتركهم محطمين جسداً وروحاً.
بيني صفدي قد لا يكون قدّم فيلماً مثالياً من حيث البناء الدرامي، لكنه قدّم فيلماً صادقاً، نابضاً بالإنسانية، وبعيداً عن الابتزاز العاطفي الذي قد يتوقعه البعض من سيرة رياضية مأساوية. إنه فيلم يلتقط تفاصيل صغيرة: نظرة زائغة تحت تأثير المسكنات، ابتسامة مرتبكة وسط شجار منزلي، جملة ساخرة في لحظة ألم، ويحوّلها إلى مادة درامية أكبر من أي ضربة قاضية في الحلبة.
«آلة التحطيم» أكثر من فيلم رياضي، إنه حكاية عن الجسد حين يتحول إلى قيد، عن الحب حين يصبح معركة، وعن رجل صلب كالصخرة، لكنه يتفتت ببطء أمام أعيننا. فيلم يؤكد أن السينما، حتى حين تتناول أقسى الرياضات وأكثرها دموية، يمكن أن تكون مساحة للشعر، للرحمة، ولإعادة اكتشاف إنسانيتنا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية