ديبلوماسي جزائري: ساركوزي براغماتي ولو زعم من حين لآخر انه ضد الواقعية السياسية

حجم الخط
0

قال لـ “القدس العربي” ان تعاطيه مع الجزائر كرئيس سيختلف عن خطاب حملته الانتخابية

باريس ـ “القدس العربي” ـ من فوزي سعد الله: قلل مصدر دبلوماسي جزائري من المخاوف التي ابدتها دوائر سياسية واعلامية جزائرية حول احتمال تدهور العلاقات بين الجزائر وباريس في عهد الرئيس المنتخب حديثا نيكولا ساركوزي.

وقال المصدر لـ “القدس العربي” في باريس، عكس الاعتقاد السائد، لا اري ما يستدعي القلق حتي الآن مضيفا ان من الأفضل الانتظار للحكم علي البرامج وليس علي الخطاب الدعائي الانتخابي.

واضاف المصدر الذي فضّل التكتم علي هويته: أنا لا اقول إن ساركوزي سيغير لغته ومشاريعه، لكنه كرئيس دولة، سوف يتعين عليه التقيد بمحددات أخري لقراراته، ترتبط بالمصالح الفرنسية بشكل عام، موضحا ان الرئيس الفرنسي الجديد شخص براغماتي حتي ولو ردد من حين لآخر انه يعارض الواقعية السياسية.

ويري المصدر ان نيكولا ساركوزي قد يكون له تصوره الخاص لعلاقات بلاده مع الجزائر، حيث سبق له أن تحدث عن التعاون المتوسطي وغيره من المواقف التي تهم الجزائر، لكن لا يوجد ما يستدعي التخوف حتي الآن، معتبرا ان المطلوب في هذه المرحلة فعدم استباق الأحداث والانتظار حتي يظهر ما سيقوم به بشكل ملموس في الميدان. وينسجم هذا الرأي إلي حد كبير مع مضمون الرسالة التي وجهها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لتهنئة نيكولا ساركوزي علي فوزه في الانتخابات. وتنبع التوقعات بعلاقات فاترة بين الجزائر وباريس من التصريحات التي أدلي بها رئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم لصحيفة لوموند الفرنسية عشية الدور الثاني من الرئاسيات الفرنسية حيث شدد لهجته إزاء ساركوزي متهما إياه بإعادة الاعتبار للمنظمة الإرهابية الفرنسية الاستعمارية الشهيرة بـ O.A.S (المنظمة المسلحة السرية) التي شبهها بتنظيم القاعدة.

وبدت تصريحات بلخادم مثل خطاب ثان متناقض مع موقف الرئيس الجزائري بوتفليقة. وقد يُنظر الي الامر علي أنه انقسام داخل رأس السلطة الجزائرية. غير أن عددا من المحللين السياسيين في الجزائر وخارجها لا يعتقدون بذلك لأن تصريحات بلخادم كانت موجهة إلي المرشح ساركوزي في حين كانت رسالة بوتفليقة موجهة إلي رئيس الجمهورية الفرنسية ساركوزي، ولكل مقام مقال.

وهناك ملف آخر ساهم في إشاعة الاعتقاد بتشنج العلاقات الجزائرية الفرنسية وبمستقبل متوتر في عهد ساركوزي، وهو ملف التعاون النووي بين البلدين حيث غيرت الجزائر مؤخرا وجهتها باتجاه الولايات المتحدة أمام تعثر مجهودات إقامة تعاون في هذا المجال مع الشريك الفرنسي. الجزائر مرتبطة بعلاقات في هذا المجال مع عدة دول كالأرجنتين وإفريقيا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية، كما سبق للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ان عرض عليها مساعدة بلاده في مجال الخبرة النووية. والقراءة الأكثر واقعية للتحول الجزائري باتجاه التعاون مع الشريك الأمريكي تتمثل في إشارة واضحة من الجزائر إلي أن السوق النووية واسعة وخاضعة للعرض والطلب. لكن هذا التوجه لا يمنع من التعاون في المستقبل ولا يمكنه أن يشكل عائقا في وجه تطوير العلاقات الجزائرية الفرنسية التي تحكمها منذ استقلال الجزائر تجاذبات الجغرافيا والمصالح الحيوية من جهة، وثقل الإرث التاريخي الاستعماري الأليم من جهة أخري.

ولا يشعر المصدر الديبلوماسي المذكور، القريب جدا من السلطات المركزية في الجزائر، أن الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا معنية كثيرا بخطاب الرئيس الفرنسي الجديد حول الهجرة نظرا لوجود اتفاقيات بين الجزائر وفرنسا لا يمكن القفز عليها. قد يبدو للبعض بعض التراجع في مستوي العلاقات الجزائرية الفرنسية بالنظر إلي ماورد علي لسان ساركوزي خلال الحملة الانتخابية حول مواضيع كالهجرة و الحَرْكَة (الجزائريون الذين التحقوا بالقوات الفرنسية خلال الثورة الجزائرية ضد إخوانهم والذين تعتبرهم الجزائر خونة) وطلب الجزائر من فرنسا تقديم اعتذارات رسمية عن الجرائم التي ارتكبتها خلال 132 سنة من احتلالها للبلاد، غير أن الديبلوماسي الحزائري يري في ذلك خطابا جزء كبير منه موجه للاستهلاك المحلي و للحاجة الدعائية الانتخابية حتي ولو كانت له انعكاسات مَا ولو علي المستوي البسيكولوجي. تجدر الإشارة إلي أن فكرة التعاون المتوسطي التي أسهب في الحديث عنها المرشح نيكولا ساركوزي في أحد أهم تجمعات حملته الانتخابية في الدور الثاني للرئاسيات، هي فكرة قديمة تعود إلي حوالي 40 سنة كان قد طرحها الرئيس الفرنسي الراحل جورج بومبيدو الذي خلف الجنرال ديغول في الحكم. وهي الفكرة ذاتها التي تطورت عبر الزمن إلي مسار برشلونة ثم برشلونة 2 ، وقد تجد بعض جذورها في فكر المستشرق الفرنسي لوي بيرتراند (1866 ـ 1941). ولم تحقق الفكرة أهدافها لاصطدامها بعقبات كالقضية الفلسطينية والمسألة القبرصية وغيرها من الملفات الحساسة. كما أوضح المصدر الدبلوماسي انه يستحيل الحديث عن سياسة متوسطية بالمعني الذي يريده الرئيس الفرنسي الجديد وبالمضمون الذي حددته المشاريع المتوسطية السابقة بدون الجزائر.

لا يبدو تحليل الديبلوماسي الجزائري بعيدا عن الواقع بالنظر إلي مؤشرات عديدة تعكس مرونة وبـراغماتية واضحتين لدي الرئيس الجديد كأن يختار الاشتراكي برنار كوشنر ليتولي حقيبة الخارجية. وقبل ذلك تردد في باريس ان ساركوزي عرض حقيبة الخارجية علي الاشتراكي هوبير فيديرن (وزير الخارجية في حومة ليونيل جوسبان)، رغم انه (فيدرين) أقل أطلسية، علي حد تعبير لوجورنال دي ديمانش، من الرئيس الجديد الذي يثير الكثير من القلق في فرنسا كما في العالم العربي لهذا السبب. كما أن ساركوزي الذي يقال إنه لم يكن مبرمَجا لحضور مراسيم إحياء ذكري إلغاء العبودية في حديقة لوكسمبورغ في باريس غداة عودته من اجازته بجزيرة مالطا قبل ايام من تسلمه الرئاسة، حضر فجأة إلي جانب جاك شيراك. كما أن التناقض وازدواجية موقفه بخصوص الاعتذار الذي يطالب به تركيا للأرمن من جهة ورفضه الاعتــــذار للجزائريين من جهة أخري لن يصمد طويلا. وقد أبدي ساركوزي حتي الآن تفتحا، لم يكن متوقعا قبل أشهر، علي شخصيات يسارية ادمجها في حكومته، كما أن خطابه الذي بدا متعجرفا و تهديديا، في نظر خصومه، حول العديد من الملفات السياسية والاجتماعية لا ينسجم كثيرا مع انفتاحه منذ عودته من عطلته علي النقابات وعلي شخصيات يعوّل عليها أن تساعده في إدارته للبلاد رغم اختلافه معها إيديولوجيا وسياسيا.

علي كل، إذا اراد ساركوزي التحرك بشكل إيجابي وجدي تجاه الجزائر وتطوير الروابط بين البلدين بما يخدم مصالحهما المشتركة، وهو الرجل البراغماتي سياسيا بإجماع الذين يعرفونه في فرنسا وخارجها، فإنه سيضطر إلي الابتعاد عن العديد من عناصر خطابه الانتخابي بخصوص السياسة الخارجية في شقها المرتبط بالعلاقات مع الجزائر، حسب الدبلوماسي الجزائري. ويوجد بين المحللين من يري أن خطاب ساركوزي ليس فيه ما يسيء إلي العلاقات الجزائرية الفرنسية، إنما هو خطاب يحمل في مضمونه نقاط الخلاف التقليدية بين البلدين المرتبطة بالماضي الاستعماري لفرنسا في الجزائر، وهي نقاط رغم تسميمها للأجواء من حين لآخر لم تمنع من العمل مع بعض في مجالات عديدة وبصورة مثيرة للانتباه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية