ديستوبيا المستقبل ترحب بكم!

منذ قديم الزمان، حاولت شعوب العالم التكهن بما سيحدث في المستقبل؛ فمنهم من صوره جنة، في حين تنبأ آخرون بأنه حفرة من جحيم مستعر. لكن، لم يوهن ذلك من عزم الراغبين في التقدم والازدهار، ومضوا في طريقهم الواعد. وبفضلهم، شهدت البشرية نقلات حضارية وعلمية أكثر من رائعة، يكفينا فقط القول بأن الإنسان بسبب الازدهار الناجم عن البحث الدؤوب انتقل من العيش في كهوف كحيوانات البرية، إلى الاستمتاع بحياة من الرفاهية وصلت ذروتها بعد الألفية الثانية، التي كانت بمثابة نقلة حضارية وتكنولوجية واسعة الخطى جعلت العالم يصير ملك قبضة يد المرء، من خلال هاتفه الذكي الذي يمكنه من فعل أي شيء وهو في مكانه. ولو قرأت مسرحية «دكتور فاوستس» التي كتبها الكاتب الإنكليزي المتقد الذكاء كريستوفر مارلو في القرون الوسطى، نقلاً عن أسطورة دينية إسكندنافية، وتم تقديمها على مسرح الإمبراطورية الإنكليزية لأول مرة عام 1592 ـ لوجدت أن دكتور فاوستس الذي باع روحه للشيطان مقابل الاستمتاع بالعلوم المختلفة والأموال على مدار عشرين سنة، واستسلم لقدره لأنه ارتكب خطيئة ـ أنه قد أضاع عمره وذكاءه الفذ هباء. فلو كان سافر للمستقبل بدلاً من استدعاء أطياف من الماضي، لكان قد علم أن الاستمتاع بمباهج الحياة شيء سهل، ومتاح للجميع، إذا امتلكوا فقط هاتفا ذكيا يدخل على شبكة الإنترنت.
وبالتأكيد، لا ينجو البعض من الصدمة الحضارية التي تسببها نقلات التقدم الشديد، كما حدث بشكل واضح في سبعينيات القرن الماضي. فلم يتحمل العالم أجمع الاهتمام الزائد بالموضة لكلا الجنسين، وانتشار العناية بالجسد، والقوام والبشرة، وتفشي الديمقراطية، وإطلاق العنان للحريات الشخصية والفكر. أضف إلى ذلك، لم يستوعب الأفراد التقدم الميكانيكي الذي أثر على الآلات وأشكالها وأحجامها وإمكانياتها، ما نشر مظاهر الرفاهية. فنعم الأفراد بالاستمتاع برحلات في قطارات وسيارات فائقة السرعة، وركوب طائرات كأمر معتاد. وأخيراً، ظهر ما يسمى بـ«العقل الإلكتروني» الذي أطلق عليه في ما بعد اسم الحاسوب Computer ليدفع العالم في غمار عالم من الرقمنة، لم تستوعبه شعوب العالم إلا مع مستهل الألفية الثالثة. وأدت النقلة الحضارية واسعة الخطى التي كانت بمثابة صدمة عالمية عارمة، إلى انتشار العديد من الاضطرابات النفسية والاجتماعية في جميع المجتمعات الشرقية والغربية، على حد سواء، وأدى ذلك لانتشار حالات الانتحار وإدمان المخدرات.
ولما انتبه العالم لهذا الخطر الجسيم في ثمانينيات القرن الماضي، عمد القائمون على الأمور عالمياً على إصلاح أحوال البشر، من خلال توجيه الأفراد من الجنسين للاهتمام بصحتهم وقوامهم، وكذلك شكل أجسادهم. ومن ثم ظهرت الرياضة كشعار تم إعلاؤه ليتسيد الساحة، من خلال الترويج له عبر حملات يقوم بها أبطال رياضيين، مثل كمال الأجسام، كما فعل بطل العالم أرنولد شوارزينغر، الذي انتقل من دوره كبطل رياضي فاز ببطولة مستر يونيفرس Mr. Universe وهو في العشرين من عمره، ثم تلا ذلك فوزه ببطولة مستر أوليمبيا Mr. Olympia لسبع مرات متتالية.

الإنسان وصل لقمة التقدم الأخلاقي والجسدي والتكنولوجي، وأما الجهود التي سوف تأتي بعد ذلك هي عبارة عن لمسات مكملة لهذا البناء القوي المتماسك، الذي صار يحاكي المدينة الفاضلة، أو الجنة على الأرض

فصنع منه الإعلام سفيراً للرياضة يجوب أنحاء العالم لنبذ المخدرات، وإحلالها الاهتمام بجمال الجسد والتحلي بالأخلاق الرياضية. وتم تدعيم ذلك من خلال أفلام الحركة التي يقوم ببطولتها، أما أبطال رياضيين، أو نجوم عمدوا إلى إعادة تشكيل أجسادهم ليظهروا بمظهر الأبطال الرياضيين، مثلما فعل الممثل العالمي الشهير سيلفتر ستالوني، الذي اشتهر من خلال سلسلة أفلام رامبو، وروكي. وبالفعل، نجحت تلك الحملات على نحو غير مسبوق عالمياً بين الجنسين، ودخل في غمار الحفاظ على شكل الأجساد تفشي موضة التخسيس باتباع حميات مختلفة مثل حمية الكيتو Keto Diet، وحمية الباليو Paleolithic Diet، والحمية المنخفضة السعرات Low Calories Diet، والحمية النباتية Vegan Diet، وحمية فصيلة الدم Blood Type Diet، وحمية الشواطئ الجنوبية The South Beach Diet ، وحمية البحر المتوسط Mediterranean Diet، وحمية الأكل النيئ Raw Food Diet. وصاحب ذلك، التطور للاهتمام بمنظومة الأخلاق لتضاهي الأخلاق الرياضية فتفشى التسامح، والسلوك الودود، والتغافل، والمجاملة، وفي الوقت نفسه الاهتمام بشؤون الذات فقط.
وبنظرة خاطفة، نجد أن الإنسان وصل لقمة التقدم الأخلاقي والجسدي والتكنولوجي، وأما الجهود التي سوف تأتي بعد ذلك هي عبارة عن لمسات مكملة لهذا البناء القوي المتماسك، الذي صار يحاكي المدينة الفاضلة، أو الجنة على الأرض، التي لطالما تغنى بها الشعراء، والأدباء والفلاسفة. لكن بالتمعن في حقيقة الأمور، نجد أن العالم يسير بخطى واسعة نحو نهايته. فقد تم تقسيم البشر لطبقة مفكرين بيدهم زمام الأمور، وفي الوقت نفسه لا ينظر إليهم البشر بعين الاعتبار، لدرجة أنهم يصيرون مثاراً للتهكم والسخرية.
وعلى الجانب الآخر، نجد سواد الناس الذين اهتموا بجمال الجسد قبل أي شيء، وانصب اهتمامهم على الحفاظ على شباب دائم من خلال ممارسة الرياضة، واتباع الحميات المختلفة، وكذلك أيضاً إجراء عمليات التجميل، والاهتمام بحقن البوتوكس والفيلر. وتلك الطبقة من سواد الناس لا تدري شيئا عن الكون، إلا ما توفره لها وسائل الإعلام من وجبات إعلامية موجهة، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى هذا، صارت ثقافتهم زائفة، ومعرفتهم بالعالم هامشية؛ لأن اهتمامهم الأعظم ينصب على الذات فقط والسعادة الشخصية. وعلى هذا انقسم العالم إلى طبقة غالبة جاهلة من سواد الناس نصبت نفسها السيد والعليم بكل شيء، وطبقة قليلة العدد من العلماء الذين ينظر لهم الجهلاء بنظرة فوقية، على الرغم من أن بيد العلماء زمام الأمور. والغريب، أن العلماء يعجبهم التواري عن أعين الآخرين، في حين ينقذون ويدمرون البشرية، حسبما يشاؤون.
أي أن، ما تحقق للعالم ليس باليوتوبيا، أو المدينة الفاضلة المنشودة، لكن ديستوبيا، وهي عكس المدينة الفاضلة تماما؛ حيث أنها مدن يعمها الفساد، وخفافيش الجهل، على الرغم من واجهتها التي تبدو مشرقة. يلاحظ أن كل ديستوبيا هي في الأصل يوتوبيا، لكن ساءت أحوالها، فتحولت إلى النقيض. ولو كان ما نعيشه حالياً تلك اليوتوبيا المنشودة، لم نكن لننظر للماضي بشغف ونسميه بالزمن الجميل. ولعل خير دليل على أن الديستوبيا قد طوقت العالم، عدم وجود بقعة في العالم، إلا وتسودها اضطرابات سياسية، واجتماعية، ونفسية. يجب قبل المضي قدما في أي خطط مستقبلية محاولة إصلاح ما أصاب العالم من عطب، كما كان يحدث من قبل؛ لأن عواقب الديستوبيا وخيمة ومن شأنها تدمير العالم أجمع.

٭ كاتبة من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية