خيري منصور
كان عام الفين هو المجال الجاذب للتوقعات في النصف الثاني من القرن الماضي، لهذا تعاقبت الرؤى التي تحاول استشراف الألفية الثالثة عن بعد، وأذكر ان توفيق الحكيم كتب مقالة عن عام ألفين، الذي لم يشهده، تخيل من خلاله ان العالم سوف يبرأ من كل الشرور والأمراض، وان الانسان سوف يتربع على قمة هذا الكوكب ما دامت التكنولوجيا قد أصبحت خادما يجلس تحت قدميه، وحتى من الناحية السياسية هناك من توقعوا ان مطالع القرن الحادي والعشرين ستكون فاصلا تاريخيا بامتياز لكن عواصف هذه الألفية وأعاصيرها هبّت على غير ما تشتهي القوارب الورقية.
والعقد الأعجف الذي مرّ منذ بداية هذه الألفية حمل من الكوارث والأوبئة والانتهاكات أضعاف ما حملت العقود الأخيرة من القرن العشرين. واذا كان القرن التاسع عشر هو قرن الايديولوجيا كما يصنّفه مؤرخوه فإن القرن العشرين هو المجال الحيوي لاحتدام الايديولوجيات من خلال حروبه العديدة، وفي مقدمتها بالطبع حربان كونيتان أفرزتا ثقافة مشحونة بالعدمية، واعادة النظر الجريئة بكلاسيكيات التاريخ ومنظومات المفاهيم والقيم، وبهذا المقياس فإن ما كان في نهايات القرن الماضي سجالا نظريا وجد مجاله الحيوي في هذا العقد الذي شهد عدة انفجارات دفعة واحدة، بدءا من انفجار مكبوت الهوية حتى انفجارات الرأسمالية في ذروة توحشها عندما بدأت تأكل نفسها، واذا كانت اليوتوبيا او المدينة الفاضلة هي الحلم البشري المزمن والعصي على التحقق، فإن نقيضها هو الديستوبيا او المدينة الراذلة لم تكن بحاجة الى تنبؤات وتوقعات، فهي مدينة مبثوثة في كل المدن والعصور، حتى تلك المدن التي تبدو اليوم للمصابين بالنوستالجيا فردوسا ضائعا، كانت في أيامها مفعمة بالأحزان والشرور، ويشهد على ذلك ما قيل فيها على ألسنة واعظين او بأقلام شعراء وكتّاب ومصلحين، واذا صحّ لنا ان نرى في الابداع بمختلف ميادينه الوثيقة الوجدانية للتاريخ فان هذه الوثيقة ممهورة بدمع لا يجفّ، لأن الفقر والمرض والفقدان هي توائم الآدمي منذ ظهر على سطح هذا الكوكب، وان تبدلت فمن خلال تجلياتها النسبية، وحين نقرن هذا العام الموشك على الزوال بالديستوبيا فلأنه المصفاة التي ترسّب في قاعها ما جرى خلال عشرة اعوام، فالحروب عادت بالخوذات ذاتها وبذرائع مختلفة، فهي جديرة بأن تصنّف بحروب ما بعد الحداثة تناغما مع الحقبة كلّها، خصوصا بعد الاختراع الشيطاني الذي يتلخص في الشرعية المستدركة او تبرير الوقائع بعد حدوثها وبأثر رجعي يلبي رغائب ونوايا من اوقعوها!
فبعد ستة عقود من الاعلان الوهمي عن نهاية الاستعمار او مرحلة ما بعده والتي بشرت بها الولايات المتحدة عشية الحرب العالمية الثانية يعود الاستعمار والاحتلال وانتهاك المصائر بالجملة والابادات بشقيها السلمي والدموي لتعيد البشرية قرونا الى الوراء، لكن بعد ان تسقط قشرة التكنولوجيا الملوّنة، وما يؤهل عام 2010 لأن يكون ديستوبيا مكتملة النصاب، بأقانيمها الثلاثة وهي: الانتهاك والافقار وعولمة الشقاء والفساد كونه ذروة تراكم العقد الماضي، فهو علامة في التقاويم قد تكون استفهاما او تعجّبا لكنها في النهاية علامة، وثمة اعوام من طراز عام الفيل تعلق في ذاكرة التاريخ لما حدث فيها او لما انتهى اليها من تراكم. وعلى سبيل المثال يرى بعض المؤرخين الجدد ان عام 1979 كان فاصلا وخلاصة لثلاثين سنة سبقته، ويذكر هؤلاء جملة من الوقائع السياسية والاقتصادية والعسكرية أعطت ثمارها في ذلك العام، على الرغم من أن العقود الثلاثة التي سبقته لم يحدث فيها ما حدث خلال الاعوام العشرة الماضية من هذا القرن وهي انفجارات مؤجلة لمكبوتات اثنية ومذهبية وتصدع القشرة الهشة للدولة القومية والانقلابات المعرفية سواء تعلقت بالجسد البشري او مقاربات الانسان الثقافية، فلأول مرة يدافع الغباء عن نفسه بأساليب ذكيّة ومنها الانترنت ومجمل الحواسيب، كما يدافع الذكاء عن نفسه بأساليب تقليدية تبدو غبية. انها مفارقة تستدعي تأملات لا آخر لها.* * * * * * * *الظاهرة الادبية كانت موزعة بين جحيم الديستوبيا ومحاولة الافلات منها، سواء للشهادة عليها او لرؤيتها عن بعد يتيح للمشهد ان يكون بانوراميا ولا يختزل الى بعده السطحي والمرئي بالعين المجردة، وما حدث في العراق وحده خلال هذا العقد كان مؤهلا لأن يصبح منجما شبه اسطوري، فهو مجال روائي واحيانا ملحمي، اما الشعر فقد واصل في معظمه عملية الانسحاب ببطء من الهامش الى هامش الهامش، فالصّدمات احيانا تشلّ الوعي وتصيب النخاع، بحيث تستغرق التجارب الكبرى وقتا ليس بالقصير كما لو انها صلصال ساخن، يصعب غرز اصابع النحّات فيه، ومن ناحية أخرى فإن بعض التجارب تصبح عصية على التحويل، وتتوقف عند مرحلة الانتشاء الذاتي بها، وهذا ما لاحظه بحصافة نقدية نادرة والاس فاولي عندما كتب عن النماذج العالية من السوريالية والدادائية.
لكن هذا التفسير يميل الى التفاؤل والرهان على الزمن، يقابله تفسير أقل تفاؤلا وهو الانسحاب الطوعي من الحلبة، والتشبث بتعريفات للأدب تحشره في غرف ضيّقة يندر فيها الاوكسجين، وبدلا من ان تتسع زنزانة للعالم يضيق العالم فيصبح زنزانة. وثمة محاصيل لأوهام الحداثة وما بعدها لا تصلح لأي وعد باعتصار عناقيدها، لأنها اساس طفيليّات لغوية وطفح جلدي، فالحداثة رغم اتساعها لكل أنماط التجريب ليست مجرد هذيان تحت تأثير الحمىّ، او محاولات بائسة للانسحاب من عالم لا يتخلى عن شروطه بسهولة، فقد لا يعترف شخص ما بالغارة الجوية التي جعلت الناس يلوذون بالملاجىء، لكن الطائرات لا تساعده على ترسيخ وهمه وعماه الارادي. نعرف ان هناك مراحل تشهد ردود أفعال واسعة وعنيفة ضد تيارات سائدة وبالتحديد ما هو كلاسيكي منها، لكن لردود الافعال هذه عمرا محددا، تعقبه لحظة تأمل هادىء، ويبدو ان مثل هذه اللحظة محكومة بالتأجيل الدائم، لأن الاشتباك الذي لا يزال قائما بين الحداثوي والاتباعي في أقصى درجات الغيبوبة يفتضح غياب الميت عن الجنازة، او العريس عن حفلة الزفاف، وما شهدته ثقافتنا في العقدين الماضيين من حروب دونكيشوتية انتهى الى ان تكسرت السيوف وطواحين الهواء معا، رغم ان لكل دونكيشوت سانشو يتبعه كالظل ويتعمد رواية اخبار انتصاراته الوهمية.* * * * * * * * *اذا كانت رواية جورج اورويل ‘1984’ هي ديستوبيا القرن العشرين، لأن اللغة فيها تفقد دلالاتها وجدواها، فإن هذا العقد الأول من الألفية الثالثة يبدو اكثر سوداوية وتوحشا من عالم اورويل، فالأخ الأكبر الذي تحول الى شبح في كل مكان بدءا من غرف النوم حتى الحمامات، أصبح الآن قبيلة من الاخوة الكبار الذين يطاردون الانسان وينتهكونه باستمارات يظهر فيها حتى نخاعه، وهناك مقالة كتبها كونديرا عن كثافة الدولة وشفافية الفرد الذي هو ضحيتها تصلح لوصف هذا العقد، الذي تعولم فيه الشقاء ولم يتحقق من الديموقراطيات غير تلك التي توزع الاهانات بالتساوي للآدميين!