ديفيد غاريت في ألبومه الجديد: الكمان والشغف اللانهائي

أصدر عازف الكمان الألماني ديفيد غاريت ألبوماً جديداً بعنوان Iconic، يقدم من خلاله 26 قطعة موسيقية، اختارها بعناية وأعدّها للعزف على الكمان، وسجلها مع أوركسترا «ذا بريزنت» بقيادة المايسترو فرانك فان دير هايدن، الذي قام أيضاً بالعزف على الغيتار، وشكّل مع الكمان ثنائياً نغمياً رائعاً.
وُلد ديفيد غاريت في مدينة آخن الألمانية سنة 1980، وترجع علاقته بالكمان إلى زمن طفولته، عندما كان في الرابعة من عمره فقط، ومنذ تلك اللحظة التي أمسكت فيها يده الصغيرة بهذه الآلة، لم يفارقها أبداً. وظلت جزءاً من حياته اليومية، وشيئاً مُهماً يفعله في كل يوم، كالدراسة والنوم والأكل وإلى ما هنالك. وظل يتدرب على العزف يومياً، ويُعمق معرفته بالكمان وأسرارها، ويُطور أساليبه في الأداء. وكثيراً ما يتحدث غاريت في حواراته التلفزيونية والإذاعية، عن أهمية التدريب اليومي وضرورته القصوى، وأثره القوي وما يحدثه من فرق شاسع، بين عازف يواظب على التدريب، وعازف آخر لا يتدرب إلا قليلاً.

الاحتراف المبكر واستمرار الشغف

في سن العاشرة ظهر غاريت على المسرح للمرة الأولى، ليعزف أمام الجمهور الكبير، وأصدر أول ألبوماته الموسيقية عندما كان في الخامسة عشرة من عمره. وقبل ذلك بعامين، أي عندما كان في الثالثة عشرة، وقع عقداً مع شركة «دويتشه غراموفون» وكان أصغر الموقعين معها آنذاك، وربما لا يزال هو الأصغر سناً بين الموقعين حتى الآن، في تاريخ هذه الشركة الفنية العريقة، التي أنتجت أيضاً أحدث ألبوماته Iconic، وهو الألبوم رقم 22 في قائمة ألبومات غاريت. والآن بعد كل هذه الألبومات، والعدد الكبير من الحفلات، والجولات الفنية الناجحة حول العالم، يُظهر هذا الفنان الذي يُعد من أهم وأشهر عازفي الكمان في الوقت الحالي، شغفاً لانهائياً بالكمان، ويُظهر لا نهائية الآلة نفسها، وقدراتها الصوتية المذهلة في التعبير النغمي. والمعروف إن الكمان من الآلات الوترية، التي سافرت مع العود إلى أوروبا، عن طريق الحضارة العربية في الأندلس، وإنها تتميز وسط بقية آلات الأوركسترا بشاعريتها، وتكاد تكون الآلة الأقرب إلى البشر، حيث يُخيل للمرء أحياناً، أنها تنطق بما يدور في نفسه بكلمات مفهومة، ويمكن أن تتحول نغماتها إلى حروف. والكمان هي الروح الحساسة في الأوركسترا، بل هي الروح شديدة الحساسية، لذا تكون مختلفة في حزنها وبكائها وتألمها، وكذلك في مرحها وانطلاقها، عن أي آلة أخرى. وتستطيع أن تُترجم الشعور الإنساني، وتُصور العاطفة ببلاغة قوية، وهي من الآلات الرئيسية في أي أوركسترا، سواء كانت مع عائلتها من الوتريات الأخرى، كالفيولا والتشيللو والكونترباص، تتبادل معها الأنغام والألحان، أو تتصدر منفردة في بعض الأعمال لتؤدي دور البطولة.
مع هذه الآلة الموسيقية المتميزة بطبيعتها، يتعامل العازف النابغ ديفيد غاريت، وعندما يمسكها بيده اليسرى ويرتكز عليها بذقنه، بينما تتحرك يده اليمنى الممسكة بالقوس على أوتارها، يتغير الأمر تماماً، ويكون الاستماع حينئذِ إلى كمان غاريت، لا إلى مجرد كمان وحسب. فهو من العازفين الصنّاعين كما يقال، الذين يُعد عزفهم إبداعاً في ذاته، وفناً يهواه المتلقي، ويفضله على غيره من إبداعات العازفين الآخرين، وهذا يشبه الغناء مثلاً، أو آريات الأوبرا على وجه الخصوص، حيث تكون هناك نسخ عديدة للآريا الواحدة، تُؤدى بأكثر من صوت أوبرالي، ويكون هناك من يفضلها بصوت هذا التينور أو ذاك. كذلك هي الموسيقى، إذ يحب البعض سماع معزوفة معينة بأداء أوركسترا ما، أو بصوت آلة موسيقية خاصة بعازفه المفضل. ولغاريت الكثير من المعجبين، الذين يحبون تلقي الأنواع الموسيقية المختلفة من خلال عزفه، وقد مرت على روحه وامتزجت برؤيته الفنية، فعندما يستمع المرء إلى قطعة موسيقية من مؤلفات باخ مثلاً، يؤديها غاريت ويعزفها على كمانه، فإنه في هذه الحالة لا يستمع إلى موسيقى باخ فقط، وإنما إلى تفسير غاريت لهذه الموسيقى، وإحساسه بها في المقام الأول، الذي ينقله إلى المتلقي، ليكوّن هو إحساسه الخاص في ما بعد. طوال السنوات الماضية وحتى اليوم، يبدو ديفيد غاريت كما لو كان في حالة إعلان دائم عن حبه للكمان، وكأنه يقول للآخرين: انظروا واسمعوا كيف أحب هذه الآلة ولماذا أحبها. ويُدخل حبها إلى قلوبهم أيضاً، ويكشف عن المزيد من جمالياتها، وقدراتها ومرونتها التعبيرية، وتفاعلها مع ألوان مختلفة من الموسيقى.

التنوع الموسيقي والدهشة المتجددة

استطاع ديفيد غاريت على مدى مسيرته الموسيقية، أن يجعل من الاستماع إلى صوت الكمان، متعة فنية متجددة لدى الجمهور، الذي لا يشعر بالملل، أو بأنه يفتقد الغناء مثلا، ذلك أنه يضعه في حالة اكتشاف دائم، إما لموسيقى لم يسمعها من قبل، أو موسيقى يعرفها جيداً، لكنه يندهش من إعداد غاريت لها وسماعها بصوت الكمان، أو لأنواع موسيقية وألحان أغنيات، لم يكن يتوقع أن تؤديها الكمان بهذه الدقة والمهارة، من خلال تعبيرها الخاص، كموسيقى الروك والبوب، وأغنيات مايكل جاكسون على سبيل المثال. كان غاريت جريئاً في تقديم هذه الموسيقى، ومُلهماً لغيره من العازفين، من أصحاب الآلات الموسيقية التي لا يتخيلها المرء عادة خارج الأوركسترا، تعزف شيئاً غير الموسيقى الكلاسيكية. ومن هؤلاء الذين ألهمهم غاريت، عازف التشيللو الكرواتي هاوزر، الذي يحظى بشهرة عالمية كبيرة في الوقت الحالي، ونجح بالفعل في تقريب آلة التشيللو من الجمهور الواسع، وتقديمها إلى المستمع بطريقة جديدة، وهو يعتمد على التنوع الذي يقوم به غاريت، والانتقال بين الألوان الموسيقية المختلفة.

أما الصوت البشري الوحيد الذي يُسمع في هذا الألبوم، فهو صوت آندريا بوتشيللي، التينور الإيطالي العالمي الغني عن التعريف، حيث يغني «آفي ماريا» بأسلوبه النموذجي الذي يوازن بين التكنيك والإحساس، بالإضافة إلى التحكم التام في النوتات، والتنغيم المثالي وتلوين الصوت، وامتزاج الصفاء الروحي بالرنين العذب، والقوة الدرامية في صوته الرائق الجميل، الذي يتدفق بانسيابية، ويتألق بأناقة الثراء والتكثيف.

في ألبوم Iconic جرعات هائلة من الجمال والإتقان وبراعة التنفيذ، يمنحها غاريت للسامع، ويبدو المستوى الرفيع لافتاً في كل شيء، سواء اختيار المقطوعات الموسيقية، وتنوعها وإعدادها، وعرض أساليب وتقنيات مختلفة من العزف، والتشارك النغمي مع آلات موسيقية أخرى، وأشهر عازفيها، كالغيتار الذي يعزف عليه الفنان الألماني فرانك فان دير هايدن، والفلوت الذي تعزف عليه الفنانة اليابانية كوكومي، وآلة الترومبيت التي يعزف عليها موسيقار الجاز الألماني تيل برونر، أو التشارك مع الصوت البشري والغناء، وليس أي صوت ولا أي غناء، وإنما هو صوت التينور الإيطالي آندريا بوتشيللي، الذي يضيف بغنائه لمسة سحرية على ألبوم ساحر بالفعل، فيزيده رونقاً وجمالاً.

أيقونات الكمان

وكذلك يبدو المستوى الرفيع في العزف المشترك على الكمان، مع أحد أعظم الأسماء في هذا الميدان، ومعجزة من معجزاته، الأستاذ السابق لديفيد غاريت الذي درس وتعلم على يديه، وهو العازف الأمريكي إسحاق ليبرمان. وتقوم فكرة الألبوم في الأساس على الاحتفاء بأيقونات الكمان، وعظماء عازفي هذه الآلة الذين تأثر بهم غاريت منذ طفولته، وكان ولا يزال يتطلع إليهم كنماذج سامية، تجذبه وترفعه نحو الأعلى دائماً، وتحفزه على المزيد من التطور والإبداع. وإلى جانب إسحاق ليبرمان، هناك أسماء أخرى لأساتذة ديفيد غاريت، المباشرين وغير المباشرين، وضع أسماءهم إلى جوار بعض القطع الموسيقية في ألبومه، تذكيراً بهم وتقديراً لهم، وعرضاً لأساليبهم وتقنياتهم في العزف، كيهودي مينوين، وياشا هايفتز على سبيل المثال.
وتتنوع مقطوعات الألبوم ما بين الموسيقى الكلاسيكية، ومؤلفات لكل من باخ وشوبرت وشومان، وسان صانس ومندلسون ودفورجاك، وفيفالدي وفوستر وفوريه، وروبينشتاين وباغانيني وكرايسلر، وغيرهم من مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية. والموسيقى التقليدية التي لا يُعرف اسم مؤلفها، من خلال قطعتين رائعتين هما «داني بوي» و»غرين سليفز». والموسيقى الغنائية أو ألحان الأغنيات، سواء قدمها غاريت بمصاحبة الصوت البشري، أو قدّم موسيقاها فقط. ويبدأ الألبوم بواحدة من هذه القطع الموسيقية الغنائية، حيث يعزف غاريت لحن أغنية «استريتا» للموسيقار المكسيكي مانويل ماريا بونسيه 1882- 1948، والأغنية في الأصل عبارة عن مناجاة وحوار، بين محب عاشق ونجوم السماء التي يسألها عن حبه، ولحنّها بونسيه سنة 1912. اختار غاريت هذه الأغنية كافتتاحية لألبومه الجديد، وقدم موسيقاها فقط دون غناء، بعد أن أعدها إعداداً رائعاً للكمان، بينما يصاحبه الغيتار في الخلفية، ويردد من بعده النغمات والقفلات، فيكون لهذا الترديد وقع جميل على الأذن.
أما الصوت البشري الوحيد الذي يُسمع في هذا الألبوم، فهو صوت آندريا بوتشيللي، التينور الإيطالي العالمي الغني عن التعريف، حيث يغني «آفي ماريا» بأسلوبه النموذجي الذي يوازن بين التكنيك والإحساس، بالإضافة إلى التحكم التام في النوتات، والتنغيم المثالي وتلوين الصوت، وامتزاج الصفاء الروحي بالرنين العذب، والقوة الدرامية في صوته الرائق الجميل، الذي يتدفق بانسيابية، ويتألق بأناقة الثراء والتكثيف. ويتفاعل كل هذا مع صوت الكمان وعزف غاريت، فيصغي السامع إلى نسخة جديدة رائعة من أغنية «آفي ماريا» وما أكثر نسخ هذه الأغنية، وما أكثر الأصوات التي شدت بها، منذ أن لحنّها الموسيقار النمساوي فرانز شوبرت سنة 1825 وحتى اليوم. وتدور كلمات الأغنية كما يبدو من عنوانها، الذي هو صلاة كاثوليكية في الأساس، حول الشكر والتمجيد للسيدة العذراء.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية