ديكتاتورية أنظمة ما بعد الثورة

حجم الخط
0

عماد الورياشي ‘الشعب لا يريد نظاما ديكتاتوريا من جديد’ صرح ليبي من بنغازي، و’ليسقط ليسقط حكم الإسلاميين’، رددت شابة تونسية من كفصة، هذا فيما صرخ مصري من ميدان التحرير بأعلى صوته: ‘قسما عظما لن تتأخون مصر’، أنتم لستم في فترة حكم القدافي ولا زميله بنعلي ولا صديقهما المقرب مبارك.. بل في أواخر سنة 2012، حيث نشهد إعلانات دستورية وإجراءات رئاسية مثيرة للجدل هنا، وتناطحات بين الأغلبية والأقلية هناك، إضافة إلى اعتصامات ومناوشات بين الشرطة والمتظاهرين هنا وهناك.مرحبا بكم في بلدان ما بعد الثورة، أو كما يحلو للبعض تسميته أوطان ما بعد الربيع العربي، ولعل أول ما يفطن إليه المرء في هذا الصدد هو ذاك التنافر الشديد الموجود بين الحكومات المنتخبة – لأول مرة ديمقراطيا- وبين المعارضة من جهة، وبين مؤسسات الدولة من جهة ثانية، ثم بين بعض التماسيح والعفاريت من جهة ثالثة (تعبير بنكيراني). أضف إلى هذا التنافر والمواجهات الحية على مستوى الشارع، مواجهات تعكس في الواقع الوضع السوسيو- سياسي الجديد على بلدان الربيع. لكن التساؤلات التي تختلج في الذهن هنا هي:- هل هكذا كان يتوقع المنظرون للربيع العربي؟- أمن أجل هذا ضحى الشهداء بأرواحهم، ومعاقو الثورة اليوم بأعضاء من جسمهم أمس؟- هل يمكن أن نسمي ما يقع اليوم تسمية غير الفوضى؟ أم إنها ‘فوضى خلاقة’ كما أسماها عبد الإله بلقزيز، لتكون ضريبة مرحلية لدخول عالم الحرية والديمقراطية؟ – هل قطع الربيع مع الأنظمة السابقة أم إنها لما تزال تتعقب الثورة بطرق جديدة لإجهاضها ولو طال الزمان؟- هل قدر العرب هو الإستبداد ولو تبدلت الألوان، حــتى يغيروا ما بأنفسهم أولا ‘كما تكونون يولى عليكم’ كما قال أحدهم؟- أليس من المبكر الحكم على أنظمة ما بعد الربيع، والرؤية لما تتضح بعد؟ أم إن من الحكمة تجنب الوقوع في أخطاء التجارب المرة السابقة؟ولو أخذنا بشكل اعتباطي النظام المصري الحالي، كنموذج- لنخضعه لمنهجية موضوعية – وكلنا رغبة في معرفة هل هو نظام ديكتاتوري أم لا، فهل من مؤشرات فعلية تسعف في بناء حكم موضوعي غير مغرض؟ آنذاك سنكون مضطرين للتأمل في الظروف الذاتية والموضوعية للنخبة الحاكمة اليوم، متسائلين بكل وضوح بادئ ذي بدء عن الشروط الموضوعية التي تحيط بالعمل الحكومي في مجمله: فهل يشتغل النظام المصري اليوم وأنظمة ما بعد الربيع بشكل عام (وأغلبها إسلامي) في مناخ سياسي صحي؟ أم فوق حقل ألغام محاط بمئات من الكاميرات الرقمية المستوردة؟ وهل دخلوا اللعبة وهم على علم بذلك، أم كانوا آخر من يعلم كالزوج المخدوع؟في الواقع، وأنا أكتب هذه التأملات السياسية المتواضعة، لم أكن أنوي الإجابة على أي من هذه الأسئلة كما عزمت في مسودتي، تاركا الإجابة للقارئ الكريم، الذي له حرية الرأي وله وجهة نظر في الموضوع تحترم. لكن بعض هذه الأسئلة استفزني حقا رغما عني. فقررت أن أقول- بشكل موضوعي و صريح – للمهتمين بالشأن السياسي العربي عامة، وخاصة للذي يصف تلك الأنظمة بالديكتاتورية:عذرا، فأنظمة ما بعد الثورة ليست ديكتاتورية ولا هي ديمقراطية، كل ما في الأمر أنها الآن في منزلة ما بين المنزلتين، فلا هي سعت للديكتاتورية فأدركتها وانتشت بها، ولاهي بلغت الديمقراطية فتبنتها وكرستها، فغدت بذلك معلقة لاهي هكذا ولاهي هكذا.بيد أن الجدير بالذكر، هو أنهم قطعــــوا الشوط الأهــم والجزء الأخطر على الشعب وعلى حقوق الإنسان، ألا وهو الإستبداد، ليغدو ما عدا ذلك محض مطالب سيأتي بها الزمان طال أم قصر، تمهل في الحكم على حكام اليوم، فإن من الحكمة التريث، ولأنهم مازالوا في منتصف الطريق، وقد قطعوا النصف الأصعب.إن بلدان ما بعد الربيع العربي اليوم، تلتمس طريقها نحو الديمقراطية، ولا مجال للرجوع إلى الوراء مهما اشتدت بعض الأزمات على البلاد والعباد، ومهما ظهرت أزمات جديدة، لأنها بكل بساطة: لن تصل مستوى الأزمة الأم أي تجبر وتسلط الأنظمة السابقة، والضمانة بكل اختصار هي أن المواطن في هذه البلدان تحرر من الإستبداد، واكتسب حقوقا لن يستطيع أحد سلبها إياه، فالكلمة اليوم أصبحت في نظري للشعب ولا شيء غير للشعب، فلا مرسي ولا غيره يستطيع سلب تلك المكتسبات، وخير دليل على ذلك هو الحوار الحضاري البناء، الذي دعا إليه هذا الأخير مؤخرا للخروج بتراض بين القوى السياسية في البلد، فهو يؤمن حقا بالحوار منذ توليه حكم مصر، أفيحق لنا بعد كل هذا أن نصف هذه الأنظمة بالديكتاتورية؟ عماد الورياشي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية