لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “ديلي تلغراف” مقالاً لكيرين مكارثي حول الدور الصيني في التحكم بالإنترنت في القارة الأفريقية. وجاء في مقاله: “كل جهاز مرتبط بالإنترنت، هاتفك، وربما سيارتك، أو عدادات الكهرباء، وبالتأكيد أجهزة الكمبيوتر المختلفة التي تستخدمها، والأجهزة الصناعية الحيوية في إدارة المجتمع الحديث، كل واحد منها بحاجة إلى عنوان إنترنت فريد. ويتم إدارة العناوين من خلال خمس منظمات غير ربحية تغطي مناطق معينة حول العالم، واحدة من هذه المنظمات التي أنشئت وتوقفت عن العمل هي أفرينيك، وكانت توفر عناوين إنترنت لكل القارة”. وليس لدى أفرينيك مدير تنفيذي، أو مجلس إدارة، وتم تجميد حسابها المصرفي، كما يتم توفير رواتب موظفيها من صندوق طارئ أنشأتْه المناطق الأخرى لتسجيل عناوين الإنترنت.
ممكن حل المشكلات التكنولوجية التي تبدو مستعصية داخل منظمة، وكل ما يتطلبه الأمر هو الرؤية والشجاعة والدبلوماسية والبصيرة الرائعة.
وما زاد الوضع سوءاً أن انهيار المنظمة مرتبط برجل أعمال في هونغ كونغ، الذي استغل الوضع فيها، ويعتقد المراقبون أنه مدعوم من الحكومة الصينية.
وفي بداية هذا العام، حاول رجل الأعمال نفسه، وهو لو هينغ، وفشل بهامش ضيق، عندما قاد انقلاباً في منظمة أخرى، وهذه المرة تلك التي تغطي منطقة آسيا والمحيط الهادئ “إي بي أن سي”. وحصل 13 من المرشحين لإدارة مجلسها على مظلة قادت حملة تضليل إعلامي، وحتى مصادقة من حكومة باكستان. ولاحظت المنظمة الأمر، وقامت بتحذير الأعضاء الذين يحق لهم التصويت في الوقت المناسب.
ويقول الكاتب إن الأحداث ستترك عواقب وخيمة على عمل الإنترنت في العالم. وفي الأسبوع الماضي، وفي روتردام، العنوان الأوروبي لمنظمة “رايب أن سي سي”، قادت محادثات أزمة حول ما يمكن عمله لمنع الاستحواذ أو التعطيل الخطير. ورغم اعتراف المنظمات بهذه بالمخاطر، بدأت تكتشف الآن الواقع غير المريح الذي تقف أمامه، وأنها ليست مسلحة لمواجهة التحديات التي تقف في وجهها. ونظراً لاقتناعها بأن عليها حماية الجزء الفني بالإنترنت المتعلق بها في بانوراما تقنية الإنترنت، وبهذه الطريقة تستطيع إدارة العمل، إلا أنها فشلت بالتعاون الجماعي للحماية، وفي بناء هياكلها التي تغطي عملها، وفي التواصل مع الجيل القادم من المهندسين والقادة، كما في فهم أن الحكومات لم تعد العدو، بل شركاء في حماية الإنترنت. وربما كان التحرك الأخير متأخراً.
هناك جهود واسعة للتعامل مع التضليل أو الإضرار بالمحتوى، لكن من الصعب التوصل لاتفاق، فلا يزال مشروع السلامة على الإنترنت في بريطانيا محل نقاش بالبرلمان، ومنذ 5 أعوام.
ويرى الكاتب أن الهياكل المتوفرة لدينا للحد من الأذى على الإنترنت غير كافية، وهذا راجع إلى الطبيعة العابرة للحدود في التواصل الإلكتروني. وحتى عندما يشعر المشرّعون بأن عليهم التحرك، فمن الصعب عليهم استيعاب الأنظمة القانونية في البلدان الأخرى. ولا يوجد شيء في العصر الرقمي يعيش داخل مجموعة واحدة من الحدود الوطنية فقط.
وخلق رد أوروبا على البيانات التي تبيعها شركة التواصل الاجتماعي الأمريكي العملاقة “جي جي بي أر” مشاكل لكل شركة في أي جزء من العالم، لأن أيّ بيانات نابعة من أوروبا مغطاة بالقانون. ولهذا تقوم بعض الشركات الأمريكية بفرض حظر على مواقعها وعدم فتحها للمستخدمين في أوروبا. وهناك جهود واسعة للتعامل مع التضليل أو الإضرار بالمحتوى، لكن من الصعب التوصل لاتفاق، فلا يزال مشروع السلامة على الإنترنت في بريطانيا محل نقاش بالبرلمان، ومنذ خمسة أعوام. وتمت تجربة التشارك بالبيانات عبر الأطلنطي من خلال ثلاثة برامج، وكلها أدت لمساءلات قانونية.
وعندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، فإن هناك الكثير من المبادئ والأطر والإرشادات ومسودات القوانين أنتجت حول العالم، وهدفت جميعها لتقديم توضيحات، لكنها انتهت لعمل العكس. وعندما يتعلق الأمر بالنجاح الرقمي، هناك شيء واحد مشترك، فقد تعلم الناس والمنظمات التعامل على قاعدة عابرة للدول. ووجدت قوى الشرطة حول العالم طرقاً للتعاون، وعادة ما يعزّز عملها القانون الذي يجعل من التنسيق ممكناً. فالمداهمات الأخيرة، والاختصاصات القانونية المتعددة تعمل جنباً إلى جنب، بحيث لا يستطيع مهربو المخدرات ارتكاب جرم في اختصاص قانوني ما والاختباء في ولاية قانونية أخرى. وعندما يتعلق الأمر بمراقبة وحراسة الإنترنت التي يستخدمها المواطنون الملتزمون بالقانون، فإننا، وبشكل مفهوم، نخشى من دور الحكومة، والمشكلة أنه لم يعد أمامنا خيار. فلا يمكن لمنظمة أفرينيك العمل لأنها موجودة في موريشوس، وعندما طالبت لو هينغ إعادة ملايين عناوين الخادم الإلكتروني، التي قالت إنها ضاعت، قدّمها مديرها التنفيذي للمحاكمة، وتعاملت سلطات موريشوس مع الأمر بأنه خلاف كأي خلاف في شركات. أما منظمة آسيا– الباسيفيك “إي بي أن أي سي” فتحاول الحفاظ على موقعها كمنظمة مجتمعية ومستقلة، ورغم أهميتها لمليارات الناس إلا أن عدد أعضائها لا يتجاوز 10.000 شخص بشكل يفتحها على التلاعب.
لحسن الحظ، التاريخ لديه الجواب. بعد الحرب العالمية الثانية، رأت دول العالم الحاجة إلى حل بعض المشاكل على نطاق عالمي. واستجابة لذلك، قامت بتطوير عدد من المنتديات العالمية، وخير مثال على ذلك الهيئة الدولية للطاقة الذرية، والتي أنشئت عام 1957، بعد أربعة أعوام من اقتراح الرئيس أيزنهاور إنشاءها. وفي داخل المنظمة ثقافتان، واحدة تمتنع عن الكشف عن الأسرار النووية، حتى للدول القوية، إلا في حال أنهت تقاريرها، أما الثانية، فتتبنى اعتقاد أن مشاركة المعلومات تحفز الطاقة الذرية كمصدر للقوة حيوي لحماية الجميع.
ولا يمكن أن يكون للإنترنت وكالة حرفية، على شكل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا إن وجودها يثبت أنه عندما تكون هناك حاجة وإرادة سياسية، فمن الممكن حل المشكلات التكنولوجية التي تبدو مستعصية على الحل داخل المنظمة الصحيحة، وكل ما يتطلبه الأمر هو الرؤية والشجاعة والدبلوماسية والبصيرة الرائعة.