ديمقراطية ما بعد الثورة: المعارضة ومنطق استضعاف الدولة

حجم الخط
0

سمير حمدي تشهد الأوضاع في تونس ومصر منعرجا حادا وتطورات متسارعة في إطار حالة الصراع المستمرة منذ سقوط أنظمة الطغيان وقد تحولت المماحكات السياسية المستمرة بين القوى السياسية المختلفة إلى حالة فرز خطي منذ الانتخابات وسعي من قبل القوى الحاكمة إلى تثبيت موقعها في الحكم في مقابل سعي محموم من المعارضة لقلب المعادلة السياسية أملا في إزاحة الحكام الجدد عن مواقعهم ، فكيف يمكن توصيف أداء المعارضة السياسية في كل من تونس ومصر؟ والى أين يمكن أن تؤدي التجاذبات الحالية في الشارع وفي أروقة الحكم. بداية يمكن القول أن الوضع الحالي الذي تشهده مصر وتونس بعد ثورتيهما الشعبيتين يدخل في نمط الارتدادات الطبيعية لتحولات سياسية زلزلت المنطقة وغيرت من المشهد السياسي سواء على مستوى الداخل وفي الخارج أيضا. فالديمقراطية الناشئة في مصر وتونس قامت على أنقاض أنظمة استبدادية مغلقة خلفت وراءها ذيولا وفلولا وأكثر منها تركت الساحة السياسية من ورائها مقفرة من حيث افتقاد جمهور السياسيين للقدرة على الممارسة الناجعة في ظل أوضاع غير ملائمة.فديمقراطية ما بعد الثورة قائمة على منطق التنازع وتوازن القوى أكثر مما هي نتاج تصور مخطط له قائم على عقد اجتماعي مكتوب أو حتى من خلال شروط لعبة ديمقراطية متفق عليها مسبقا ومن هنا فإن المعارضة (في تونس ومصر) التي لم تستوعب بعد معنى أن تكون معارضة مسؤولة مبنية على برامج بقدر ما هي تحافظ على مربعها الأول بوصفها معارضة احتجاجية لا تحسن غير الرفض والسعي نحو التعجيز وكشف المثالب والأخطاء .فبعد الانتخابات التي شهدها البلدين والتي عرفت هزيمة بعض القوى السياسية التي شاركت من قبل في معارضة المخلوع وانضافت إليها القوى التي تعارض الثورة أصلا من فلول الأنظمة السابقة في مقابل صعود التيار الإسلامي، تشكلت معارضة جديدة يمكن توصيفها على النحو التالي:ـ تشكلت المعارضة الجديدة من قوى لا يجمع بينها سوى رفضها لصعود الإسلاميين للسلطة وسعيها الحثيث لإسقاطهم أو على الأقل لتقصير مدة مكوثهم على سدة الحكم.ـ هناك بعض القوى التي تعارض لأسباب إيديولوجية صرفة (قوى اليسار في الغالب الأعم من شيوعيين وقوميين) وأخرى تعارض بسبب تعرض مصالحها للتهديد وهي التي كانت مستفيدة من النظام الذي تمت الإطاحة به.ـ خلافا للمعتاد في ظل الحالات الديمقراطية المستقرة لا تضم المعارضة أحزابا سياسية فحسب وإنما هي تضم أطيافا أخرى تمارس السياسة برداء اجتماعي (اتحاد الشغل بتونس) أو برداء حقوقي وقانوني (النائب العام والمحكمة الدستورية بمصر).ـ تفتقر المعارضة في كلا الدولتين إلى برامج سياسية واضحة يمكن أن تكون بديلا لما تمارسه الحكومات وإنما هي تكتفي بالعموميات وشعارات فضفاضة لا أكثر.ـ تقوم هذه المعارضات على تحالفات هلامية تجمع متناقضات وربما تميل إلى ممارسة انتهازية أكثر مما هي تستند إلى مبادئ واضحة كانت لفترات سابقة ترفعها (تحالف حمدين صباحي مع أنصار شفيق وأنصار عمرو موسى في مصر ودفاع حمة الهمامي والجبهة الشعبية عن نداء تونس والأحزاب التجمعية التي كانت تطالب سابقا بإقصائها).وبناء على هذا التوصيف يمكن تحديد نمط الممارسات التي تلجأ المعارضات (بالنظر إلى تعددها وتشتتها تنظيميا) في مواجهتها للأحزاب الوافدة إلى الحكم:ـ تسعى المعارضات إلى إفشال خصومها السياسيين وإظهار عجزهم من خلال استخدام منظمات أو قوى ولوبيات (تضم النقابات ورجال أعمال وأجهزة إعلام) في تحالف غير مقدس لا تجمعه مبادئ مشتركة غير السخط على الإسلاميين والبحث عن المصالح.ـ ترفض المعارضات بزيها الجديد القبول بدور الأقلية التي أفرزتها الانتخابات وإنما تحاول الدفع نحو نمط من الاقتسام للسلطة واعتبار أن الانتخابات غير ذات قيمة ولا تمنح شرعية بقدر ما هي حساب مصالح وحصافة سياسية.ـ تنطلق المعارضات في ممارساتها السياسية من موقع استضعاف الدولة التي لا تزال أجهزتها مرهقة بفعل الثورة من اجل فرض أجنداتها على من هم في الحكم (في تونس من خلال الدفع إلى الإضرابات والاعتصامات والمطالبة برحيل المسئولين الذين تعينهم الحكومة الجديدة وفي مصر من خلال منع الرئيس المنتخب من ممارسة صلاحياته ودفعه نحو التنازل وبالتالي دفعه إلى الاكتفاء بمجرد حضور شكلي في سدة الحكم).ـ تحاول هذه المعارضات ممارسة نمط من استبداد الأقلية (الانتخابية) تحت طائلة التلويح بأن الحكومات المنتخبة ترفض التوافق واتهامها بالتحول إلى دكتاتوريات ناشئة.ـ تقوم المعارضات بمحاولات محمومة لتجييش الشارع وخلق بؤر توتر ونوع من الصراع المتصاعد الذي تعتقد ـ عن وهم ـ أنه قد يفضي إلى ثورة شعبية جديدة تودي بخصومهم من الإسلاميين دون مراعاة لحالة التوازن الهش لديمقراطية ما بعد الثورة.ـ إن ميل المعارضات في ظل الديمقراطيات الناشئة إلى رفض حسم الصراع عبر الصناديق (رفض المعارضة المصرية للاستفتاء وتعطيل المعارضة التونسية لعمل المجلس التأسيسي وكتابة الدستور) يدل على أمرين: يقينها من جهة بأن الاحتكام إلى الانتخابات ليس في صالحها (حاليا على الأقل) ورغبتها من جهة أخرى إلى فرض أجندات على الحكومات المستجدة تحت طائلة الفوضى والاضطرابات المثارة في ظل سعي الحكام الجدد إلى التنمية والنجاح وهو ما يقتضي استقرارا نسبيا على الأقل.ـ خضوع بعض هذه المعارضات في ممارساتها لأجندات خارجية وهو ما يجعلها تبدي شراسة واضحة في ردود الأفعال ورفضا حاسما لكل محاولات التهدئة والتوافق النسبي من جهة ثانية.ويبقى السؤال إلى ماذا تفضي الممارسات التي تقترفها معارضات ما بعد الثورة وهو ما يمكن تلخيصه مبدئيا في سيناريوهات ثلاثة:ـ قد تفضي المبالغة في استضعاف الدولة وعدم التمييز بين معارضة السلط الحاكمة الجديدة وبين ضرب هياكل الدولة (حرق مؤسسات، إضرابات قطاعية فئوية، تعطيل مشاريع) إلى تحول الدولتين إلى دول فاشلة في حد أدنى وقد تتطور الأمور نحو التفكك والفوضى الشاملة في سيناريو أقصى وهو ما يخدم بالفعل أعداء الثورات من جهة (خاصة الدول التي تخشى ريح الثورة مثال الإمارات والسعودية والكويت) وأعداء الأمة العربية الدائمين من كيان صهيوني وامبريالية أمريكية.ـ وقد يتحول تجييش الشارع إلى تحرك الإسلاميين نحو تجييش شارعهم وهو ما يعني السير بخطى حثيثة نحو السيناريو الإيراني حيث سيحاول الطرف الأقوى الحسم مع الطرف الآخر وإلغاء وجوده كرقم مؤثر وتأسيس دولة ذات لون واحد.ـ قد تؤدي حالة الصراع المحتدمة إلى اقتناع الطرفين حكام جدد ومعارضات إلى ضرورة التعايش والكف عن الاستعمال الغرائزي للشارع أو الاستقواء بالأجنبي كخطوة نحو بناء توافق قائم على توازن يحتكم في النهاية إلى الآليات الديمقراطية المعتادة من انتخابات وعمل سياسي حزبي وتعبئة للقواعد في عمل ميداني يفيد التجربة الديمقراطية الناشئة.بقي أن نشير إلى أن مثل هذه السيناريوهات تظل من ممكنات الثورة وأن محاولة استنبات وضع جديد يرث الوضع السياسي المنغـــلق الذي عاشه المصريون والتونسيون زمن الاستبداد ليست عملا سهلا أو نتيجة قرار يتخذه احد الأطراف على حساب الآخرين فالسياسة هي في النهاية أشبه برقصة فالس لا تتم إلا بطرفين هما السلطة والمعارضة.’ كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية