مصطفى صاحب لطالما اعتبرت النظرة الماديّة المجرّدة للوجود ندّا ونقيضا للقيم الدينيّة الدّاعية إلى تحرير الإنسان من سطوة الماديّ إلى الرّوحي ومن ظواهر الحياة إلى مكامنها. وقد حذّر علماء الإسلام ودعاته من هذه النّظرة الضيّقة وما لها من آثار على الفكر الإنسانيّ. لكننا نشهد اليوم بروز تيّارات اختصرت الدّين بالمظهر المجرّد، وحطّت من قيمه الروحيّة والأخلاقيّة إلى مستوى المادّة.ويصف المفكر الرّاحل مصطفى محمود هذه العقليّة الدينيّة-الماديّة بأنها عقليّة ‘تريد أن تسود وتحكم، وهي لا ترى من الدّين إلا النّقاب والجلباب واللّحية وحرمة التماثيل والتّصاوير والرّسوم والموسيقى والفنون الجميلة’. لذلك فنحن اليوم أمام دين جديد، أضحى الحَكَم فيه عدد الرّكعات، وحجوم العمائم وألوانها فحسب، دين جعل قتل النفوس – التي حرّمها الله إلا بالحقّ أسهل طرائق الجنّة، وحوّل القبليّة الإجتماعيّة إلى طائفيّةٍ يشتري بها النائب نيابته والوزير وزارته. و’ويل لأمّة تكثر فيها المذاهب والطّوائف وتخلو من الدّين’ كما قال جبران خليل جبران. في هذا السّياق يقسّم المفكّر الإسلاميّ مالك بن نبي مراحل حياة الحضارات إلى ثلاث مراتب: أوّلها مرحلة ‘الأشياء’، حيث يقبع المجتمع أسيرا لحاجاته الماديّة، وثانيا يصل المجتمع إلى درجة ‘الأشخاص’، منتقلا بذلك إلى تقديسهم بدلا من ‘الأشياء’. وأخيرا يطأ المجتمع أسمى المراتب برأي ابن نبي، ألا وهي رتبة ‘الأفكار’ التي يرفع المجتمع من سلطانها، ليؤول بذلك مجتمعا مفكّرا يؤمن بالفكرة بدلا من ‘الشّخص’ أو ‘الشّيء’. وقد مر مجتمع الإسلام الأوّل بالفعل بمرحلتي المادّة (الصنم) ومن ثم الأشخاص (النبي عليه الصلاة والسّلام وآل بيته وصحبه)، إلى أن وصل بهؤلاء إلى مرحلة الأفكار التي حررته وارتقت به. لكنّ مجتمعاتنا اليوم التي انحدر فيها مستوى الفكر عادت، على ما يبدو، لتحيي جاهليّة ‘الشخص’ و’الشّيء’ مجددا باسم الدّين.إنّ هذا ‘الدّين الماديّ’ الذي نشهد سطوع نجمه اليوم بريء من ‘الفكرة’ التي حارب الإسلام من أجل إعلائها بدلا من ‘وثنيّة’ المظاهر الماديّة. وهو أكبر خطراً من غيره من صنوف الماديّة والوجوديّة، وذلك لأنه خفيّ يرتدي زيّ الديّن ذاته، به يدعو وتحت مظلته يتحرّك. لهذا فهو لا يشوّه صورة الدين الحقيقيّة في نظر مخالفيه فحسب، بل ويطال قلوب معتنقيه وسمعتهم على حد سواء. لكننا وعلى صعيد آخر نرجو بأن يدفع هذا الظّلام الفكريّ الذي تعايشه أمّتنا إلى إحياء ملكاتها وتعزيز مناعتها بعد أن تلفظ مجتمعاتنا هذه الأفكار الدّخيلة. فلولا ما يعترينا اليوم لما اضطررنا إلى إعادة استكشاف الفكر الاسلاميّ ومحاولة صياغة فكر عصريّ يستنهض روح الدّين وجوهره، الذي غطّاه البعض بأكوام الرّصاص والدّخان. كما آمل أن يكون ما نعانيه من أزمات ومحن وخلاف طريقا إلى وحدة راسخة، كما أسهمت خلافات دول القارّة الأوروبيّة وحروبها في تشكيل معالم فكر الوحدة. مهندس معماري وكاتبشنغهاي-الصّينqmdqpt