دين سكر خفيف.. ومن نحن لنحكم؟!

حجم الخط
5

لقد جاء في الحديث ‘أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله’ وقول اللسان غير اعتقاد القلب غير العمل بالجوارح، فإذن القول وحده يدخل المرء في دائرة القبول والعضوية في المجتمع الاسلامي وليس لأحد أيا كان أن ينزع منه ذلك الا بثبوت كفر صريح مع شهادة عدول يأخذ فيه الحكم ولاة الأمر في حال قيام الدولة التي تقوم بأحكام الأسلام، وحتى مع هذه كلها فالاستتابة قبل التنفيذ وقد كان سيدنا عمر، وهو من أكثر الخلفاء حزما، يؤثر أن يخطأ في العفو على أن يخطأ في تنفيذ العقوبات والحدود، وحتى الشريعة فصلت في أحوال الناس في بعدهم عن الدين بين فاسق وعاص وجاحد وغيرها وما أطلقت حكم الكفر الا في حالات معروفة معدودة.
إن التخليط والانفصام الذي يعيشه المسلمون الآن في عقيدتهم وعباداتهم وأخلاقهم يشبه الى حد كبير ذلك النمط في الجاهلية بالجمع بين المتناقضات فقد كانوا يبذلون حياتهم وأموالهم مثلا للسقاية والرفادة ثم يقطعون الرحم ويسيئون الجوار ذلك أن الأخلاق كان عادات وميراثا لم تستند الى قاعدة راسخة من الإيمان والقناعة!
نرى في مجتمعاتنا الأن حالات كثيرة تمثل الاقتباس الذي قدمنا به فالفتيات مثلا يتحجبن بلباس غطاء الرأس فقط أما ما تحته فلا يملك أدنى مقومات الحجاب والأهم من ذلك لا يكمّل الحجاب الأخلاق الذي يجب أن تلازمه، والتاجر يصلي الفروض في الجامع فإذا ما خرج منه احتكر ورفع الاسعار وأنفق بضاعته بإيمان كاذبة! فهل نقول للناس سيروا على ما أنتم عليه من باب دع الخلق للخالق؟! أم نعنفهم ونغلظ لهم في التقريع لتأخذهم العزة بالأثم فيزدادوا إثما؟! أم نخرجهم من دائرة الدين ونقول لهم دعوا الصلاة والحجاب فإنكم لا تمثلونهم وتسيئون اليهم أكثر مما تحسنون؟!
لقد علمنا الله وسيرة رسوله صل الله عليه وسلم أن رحمة الله ابتداء وسعت كل شيء وأن المؤلفة قلوبهم الذين بالكاد دخلوا الدين هم أيضا من أهله بل إن الخلفاء الأوائل استخدموهم في حروب الردة ليدمجوهم سريعا في المشروع الاسلامي ودولة الاسلام لكيلا يبقوا على الأطراف موضوعين على الرف في دائرة الاتهام هل أسلموا أم لا؟ هل حسن اسلامهم؟ هل دخل الإيمان في قلوبهم أم بقوا متلبسين بالشرك؟! وكثير من المسلمين الآن هم من المؤلفة قلوبهم ليس بمعنى دخولهم في الاسلام بعد الكفر فهم ولدوا مسلمين وورثوا الاسلام عن أهلهم ولكنهم لا يعرفون حقيقة الإيمان ودور العبادات وميزان قبولها إن لم يتحقق بها المرء في واقع الحياة أخلاقا وممارسات وقوانين، وكثير من المسلمين بحاجة الى إعادة تعريف بالاسلام ليذهب عنهم ضلال ما نُقل اليهم عنه من تشدد ورجعية وقسوة.
الدعاة الذين يريدون ‘أسلمة’ المجتمع مدعون الى توسيع المشروع الاسلامي ليشمل أولي العزم في كل شيء ولا يستثني أولي الضعف وحتى القاعدين الذين يقفون على الحياد، ولا حياد اليوم، الذين يكتفون فقط بعدم معاداة الدين، إن من يتفق معك على فضيلة خير ممن يختلف معك على كل شيء ويسعى لتشيع الفاحشة في الذين آمنوا، إن من تصلي بغير حجاب خير ممن لا تصلي إطلاقا، إن من يؤمن بالحرية والعدالة وحقوق الانسان خير ممن يسعى لترسيخ الاستبداد والتبعية والظلم ولو كانت لحيته تصل الى الأرض، كل من أقبل على الدين ولو بخفقة قلب يجب أن يجد نفسه ممثلا في المشروع الاسلامي اذا أتى اليوم الذي ينطلق فيه من باب القعود مع حسن النوايا الى باب العمل وتحمل الأعباء والتكاليف أو حتى بقي على حاله ينتظر جني الثمار
و لعل الكلمة الفصل ما قاله المفكر الاسلامي محمد أحمد الراشد في كتابه فقه الدعوة’ أحسب أن خطة العمل لدى الدعاة يلزمها أن تتوسع وتكون أكثر مرونة وواقعية لتشمل الاستعانة بأبناء الأمة الذين شُغلت ذممهم الدينية ببعض الهفوات الأخلاقية، لا الظلم والخيانات، إذ المعركة كبيرة وهؤلاء مؤمنون صرعتهم الشهوة لا الشبهة واحتواء الدعوة لهم تفتح مجالا لهم للاقتراب من التوبة وفهم الاسلام فهما حقيقيا واعانتهم على العزائم والعفاف غير حسن الصحبة لهم والتودد لهم باعتبارهم من ضحايا التربية العُرفية وليسوا من أهل العناد’.
الإسلام واسع بقدر رحمة الله والأخيار السائبين كثر ومن لم يجد نفسه ممثلا في صف الحق قد يجذبه الباطل فالحياة والطبيعة لا تعترف بالفراغ.
الاسلام واسع ولكن العباد من يضيقون على العباد فأحسنوا أيها الدعاة السفارة والتمثيل لدينكم حتى لا تكونوا عرضة لأن يستبدلكم الله بخير منكم.
الاسلام جذاب ومحبب الى النفس ‘و لكن الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم’ فإذا ‘طفش’ الناس منه فليراجع الدعاة أنفسهم فإنما هو بما كسبت أيديهم.
د.ديمة طارق طهبوب
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية