ديوان «سأزرع في الريح قمحي»… الغوص في الذات ومكنوناتها

حجم الخط
0

صدر ديوان من عشرين قصيدة، للشاعرة العمانية شُمَيْسة النعماني، تنوعت قصائده ما بين شعر التفعيلة، والموزون المقفى على النمط الخلايلي. تقوم الشاعرة من خلالها بعملية تداع حر، فاتحة بعضا من نوافذها بهدوء، ليتسرب منها كثير من الذكريات المختزنة، التي تشكل بوحا يتأرجح بين الهدوء والصخب، وتفتح في الوقت نفسه، أقواسا على كثير من القضايا، التي تعني شريحة كبيرة من القراء بصورة عامة. وقد سمت ديوانها هذا «سأزرع في الريح قمحي» وهو عنوان يذكرنا ببيت للشاعر السوداني إدريس جمَّاع:
إنَّ حَظِّي كدَقِيقٍ فَوْقَ شَــــــــوْكٍ نَثَرُوه
ثُمَّ قالوُا لِحُفَاةٍ يَــوْمَ رِيحٍ اجْمَعُوه!
فبقدر ما حمل العنوان في ثناياه، من سلبية تعبر عن سوء طالع، إلا أن معظم القصائد غاصت في إيجابية متفائلة، حملت كثيرا من الإرادة، والتصميم والأمل. بينما انحصر التشاؤم والسوداوية في قصيدتين، كانت قصيدة « أنا لا أحد! » إحداهما، وهي قصيدة، تعكس حديثا عن الذات، وروحها القلقة، بعدما جرَّحت أصابعها وأدمتها تجارب الحياة، مرتدية ثوب عتب على الزمان ومحيطها، يحمل في طياته تحديا، وتأكيدا على ماهية الأنا عندها:
أَنا بَسْمَةٌ طارَتْ على خَيْلِ المَدَى
والرِّيحُ حَرَّضَ حَافِرَيْهِ،
وكُلَّما أَدْنو ابْتَعَدْ…
أَنا عَيْنُ قِدِّيسٍ تغْشاهَا الرَّمَدْ
أَنا أَبْجَدِيَّةُ غَائِبٍ فَرَّتْ إِلى الأَوْطانِ
يَسْألُها الحَنينُ عَنِ المَدَدْ
أَنا تَمْتَمَاتُ اللَّحْنِ مَوْؤُدًا بِأَحْكامِ الفَقِيهِ
«وَحُرْمَةٍ» في كُلِّ ضَوْءٍ تَحْتَشِدْ…
وتؤكد الشاعرة من خلال قصائد ديوانها العشرين، على حضورها الإنساني، وباعها في النظم، وعالم الشعر والتفعيلة والكلمة، وتصيدها للجديد من صور ومتخيل، وأفكار تتوإلى كشلال ومض، لا يتوقف عن البريق. فأتت قصائدها شفافة معبرة، استراح خلف تعابيرها كثير من خصوصياتها الإنسانية، ومعاناة مواطنيها، الذين نرى لهم مثيلا في كل بلدان عالمنا العربي الفسيح، بلغة تفعل لدى القارئ فعلها، لكنها على الرغم من ذلك، لغة مخملية هادئة…
مَوْجُوعُونَ
مَوْجُوعُونَ يَا بَلدِي
كَقِدِّيسٍ جَفَاهُ الوَحْيُ فَاسْتَبْكَى وَحَارا
وَمُنْطفِئُونَ
كَالأَشْجَارِ عَاقِرةً…
تَبيعُ الرِّيحُ بِذْرتَها بِلا خَجَلٍ…
وَتتْرُكُها بَوارا
تستحضر النعماني أحيانا في قصائدها بعض المعاني، والصور الشعرية الإبداعية، التي قيلت في الماضي، فتنسج منها خيوطا لأفكار تضمنها قصائدها، وتستخدمها كمفاتيح تقوم من خلالها بإسقاطات على الحاضر بمآسيه وتناقضاته. ومن ذلك اتخاذها من مطلع معلقة امرؤ القيس الشهيرة «قِفا نبْكِ مِنْ ذِكْرى حَبيبٍ ومنْزلِ» بابا للولوج إلى حاضرنا بحُلوه ومُره، دون أن يكون في دعوتها، للوقوف «قفا نبك» الوقوف على بقايا مضارب أحبة وطلل، أو البكاء على حُبٍّ تكسرت مراكبه، بل هو بكاءٌ كطلِّ ندى، يسقي المشاعر، وبراعم الزهور النابتة في الدواخل، وينبه العقل والفكر، من قبل الوقوع في الكارثة، وعندها لا ينفع البكاء والوقوف والندم:
قِفَا نَبْكِ
قَبْلَ تَصَدُّعِ بابِ الكَلام،
وَقَبْلَ الوُلوجِ إِلى نَفَقِ الأَسْئِلة…
وَقبْلَ العَواصِفِ وَهِيَ تَفِرُّ مِنَ البَحْرِ
نَحْوَ رِمَالِ يَدٍ تَشْتَهِي التَّدْفِئَة
كَحُورِيَّةٍ وَقَعَتْ في شِبَاكِ الصَّوَاري،
كَنَرْجَسَةٍ أَرْمَلة…
قِفَا نَبْكِ مَا بَيْنَ فاصِلةٍ في الكلامِ وبَيْنَ السَحَرْ
وَمَا بَيْنَ حُزْنِ الرَّصِيفِ،
وَلحْنِ الحَيَارَى عَلى شُعْلَةٍ مِنْ سَهَرْ…
وقد حوى الديوان أيضا عدة قصائد وطنية ترتبط بالأرض، وماضي وطنها «عُمَان » عبرت من خلالها عن حبها، وارتباطها، وفخرها به، دون إعطاء دروس في الوطنية، وممارسة الشعر الخطابي، الذي كثيرا ما يُفْقِدُ المضمون دوره، ويجعل تأثيره آنيا. ولم تنتهج في ذلك أيضا طريقة بعض شعراء المهجر، الذين أشادوا وتغنوا بالأوطان من خلالهم هم كمحور أساس، وبإطلاقهم العبارات المحملة بالأشجان، ولوعة البعد عنه والفراق، بل نرى أنها نقلته من خلال ماضيه الحضاري العريق، إلى دائرة الحاضر، ودوره في صنعه، وحياكة أحداثه، جاعلة منه محورا، وأساسا لا يمكن تخطيه، ومدار دورة حياة الإنسان العماني ويومياته وتفاصيلها، من خلال قصيدة ملحمية أسمتها « عُمَانُ وَجْهُ نَبِيٍّ» منها:
حَطَّ المَلاكُ بِبابِ الشَّـرْقِ يُعْلِنُها
«عُمَانُ وَجْهُ نَبيٍّ بَيْتُهُ الحَدَقُ»
تَصْحُو لدَيْهَا بَناتُ الشَّمْسِ، يَتْبعُها
ظِلُّ الدَّلالِ، وَلوْنُ القَمْـحِ يَنْبثِقُ
وَهَشَّت الرِّيحَ نَحْوَ الغَيْمِ تَفْتِنَهُ
فَيَهْتِنُ الطُّهْرُ قُرْبَانًا لِمَنْ صَدَقُوا
عُمَـانُ أَنْتِ تَراتِيل مُمَجَّدَةٌ
كِنَايَةُ اللهِ عَنْ مُلْكٍ لَهُ أَلَقُ
يَأْوِي إِلَيْكِ غِنَاءُ البَحْـرِ مُنْذَهِلا
عَنْ الصَّدَى، وَجَديلُ الرَّمْلِ يَتَّسِـقُ
تضمنت ثنايا قصائد الديوان أيضا بوحا إنسانيا صريحا، حمل القارئ إلى ظلال المعاناة الشخصية، كان في حد ذاته بوحا بالنيابة عن الآخر، أي عن كثير من الناس دون تحديد، مُحمَّلا بصدق المشاعر، في عروج نحو حالة صوفية، فتقوم بعملية تعرٍّ من قشور الحياة وبهرجها، مُلغية كذلك حواجز الأسرار، وحالة البَيْن بَيْن. فنراها تتحدث عن معاناتها الشخصية من ذلك الشيء الذي يسمونه «الحُبَّ» الذي قلما يوجد إنسان، لم يعرف صبابته. ناقلة للقارئ بعض أفاعيله، وكيف يمسك بتلابيب الأعماق والكيان، مشتكية من كل ما يصدر عنه:
أَيَا قَلْبُ…
مَوْجُوعَةُ قامَتِي
وَالقَصَائِدُ مَوْجُوعَةٌ في دَمِي…
والضَّفَائِرُ مُنْسَدِلٌ حُزْنُهَا
مِثْلُ رَبَّانِ بَحْرٍ نَسَتْهُ السَّفِينَةُ والسَّارِيَةْ
نَسَى حُلْمَهُ وَارْتَدَى مِلْحَهُ
ثُمَّ لاذَ وَحِيدًا بِأَسْوارِ ضِحْكَتِهِ العَارِيَةْ…
وإذا كانت النرجسية قد لعبت دورا مهما في حياة المبدعين على مر العصور، فأغرقت كثيرا منهم في بحار ذواتهم، وأبعدتهم عما يدور من حولهم، وعن فهم حقيقة الأحداث، وحركة الأيام.. إلا أن النرجسية بالنسبة للشاعرة شُمَيْسَة النعماني، لا تذهب هذا المذهب، بل هي وسيلة للاستبطان، والاستغراق في الأعماق، بحثا عن رؤية أفضل.. ورحلة الغوص، في الذات ومكنوناتها هذه، عبارة عن ردة فعل، سببها سوء فهم الآخر وسلبيته، وربما غدره إن صح التعبير، ما جعل الذات تتقدم على كل شيء، ما يذكرنا بتلك المعادلة القائلة: من لا يحب ذاته، لا يستطيع حب الآخرين.
سَأُحِبُّ نَفْسِي حِينَ أَبْكِي
حِينَ تَشْهَقُ أُمْنِيَاتي ثُمَّ تلْفَظُ رُوحَهَا
وَالعَابِرونَ يُشَيِّعُونَ أَنِينَهَا
وَكَأَنَّ هَذَا الحُزْنَ تَنْقُصُهُ الطُّبُولُ وَصَوْتُ قَرْع…
سَأُحِبُّ نَفْسِي
وَحْدَهَا سَتظَلُّ لِي:
إِنْ كُنْتُ فِي سَطْحِ البُحَيْرَةِ نَجْمَةً عُلْوِيَّةً أَبَدِيَّةً
أَوْ كُنْتُ فِي حَقْلٍ بَعيدٍ أَصْغَرَ الأَزْهَارِ،
عَابِرَةً بِعِطْرِي نَحْوَ مِقْصَلَتِي وَقَطْعِي…
ويبقى أن نشير إلى أن ديوان « سأزْرَعُ في الرِّيح قمْحي » صدر عن دار مسعى للنشر والتوزيع في مسقط، ومن إصدارات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية