ديوان “ممسكا بريشة عصفور” أو عندما تقع الشجرة في عشق الفأس

   ذيَّل الشاعر التونسي عبد الفتاح بن حمودة كتابه الشعري: “ممسكا بريشة عصفور”، الصادر أخيرا عن دار ميارة، تونس، 2018، بكلمات وإضاءات لشعراء معروفين من أكثر من بلد عربي. كلمات أطَّرَت، وأمسكت بالريشات وبالخيوط الناظمة للنصوص، كل من زاوية نظرها. وهي بذلك تضع بعض الصوى على طريق القراءة والتلقي. وأحيانا ترمي القارئ في حبالها وتحجب عنه إمكانية اختيار سبيله الخاص في استثمار نصوص الكتاب، والبحث عن المنطق الذي تصدر عنه بعيدا عن كل توجيه أو أفكار مسبقة. هذا على صعيد الظاهر فقط. لكن إذا أمعنا النظر جيدا فستبدو لنا تلك القراءات حاملة لهمّها ولرؤيتها للعملية الإبداعية النابعة من رصيدها المعرفي والجمالي. وأنها تبقى إمكانيةً بين أخرى لامتناهية، يعِد بها النص الإبداعي عموما والشعري منه على وجه الخصوص، بمعنى أنها لامست جانبا وأعلت من بعض القيم التي رأت أن هذا العمل موضوع مقاربتها، جدير بها، فيما أهملت أخرى؛ ذلك هو ديدنُ كل قراءة وقدرُها مهما حاولت أو ادعت. ولا تجازف هذه المحاولة، ادعاءً أو مكابرةً، بأنها قد تتفادى الوقوع تحت قهر هذا القانون العام.

وكي نلتصق بجسد النص الشعري لكتاب بن حمودة: “ممسكا بريشة عصفور”، وكي يكون إنصاتُنا إلى نبضاته “وفيا” قدر الإمكان، ولا نأتيه من تعالٍ يسقط عليه ما شاء من أنساب وتوصيفات تضفي عليه دلالات لن تكون غير ظلال لانطباعات شخصية، وإن غُلِّفت بادعاءات الموضوعية. كي نحقق الأدنى من ذلك، نبدأ بإجراء منهجي طالما نادت به أسلوبية بيير غيرو باعتماد الإحصاء (والأدق بما نحن فيه الآن، وبما يسمح به المقام أن ندعوه تعدادا بدل الإحصاء، لأن الأخير له مقتضياته العلمية الصارمة) آلية لتحري الدقة والضبط في تناول النصوص الإبداعية وإقامة الدليل الموضوعي والاستدلال، الذي من خلاله يمكن تفادي الذاتية والعشوائية في القراءة. ولأن الحيِّز لا يتسع لاستطرادات منهجية، نبادر بالوقوف عند بعض العلامات الدالة: الخمر/ الحانة (ذكرت 70 مرة)، السيف/ الرصاص (33)، الأوغاد/ الكلاب (31)، المقهى/ القهوة (28)، الحشرات (24)، الدماء (21)، السجائر/ الحشيش (21)، الفأس (21)، السكين (15)، النار (15)، الجنود/ المحاربون (13)، الحطاب (12)… وقد أسقطنا، من هذا الجرد، الوحدات الدلالية التي تتردد أقل من عشر مرات، غايتنا أن نقبض على مفاصل العمل والوسواس الذي يستحوذ على العمل الإبداعي للشاعر عبد الفتاح بن حمودة، بما يمكِّن من الوقوف على ثيماته من جهة وكلماته المفاتيح من جهة أخرى.

يضاف إلى حقل الخمرة والحانة، حقل المقهى بوصفه معْلمًا مكانيًّا تُشرب فيه القهوة والشايُ وتُنسج فيه العلاقات الإنسانية وتَسطع فيه الصداقات

ويمكن، إمعانا في رد الكثرة إلى علامات دالة قليلة، أن نجمع إلى حقل الخمرة والحانة، حقل المقهى بوصفه معْلمًا مكانيًّا تُشرب فيه القهوة والشايُ وتُنسج فيه العلاقات الإنسانية وتَسطع فيه الصداقات، مثلما يتخذ مكانا تتناول فيها السجائر والحشيش، وما يرافقهما من إطلاق للّعنات والشتائم وإظهار للغضب والسخط: الأوغاد، الكلاب! تشير الحقول المندرجة في هذا الإطار إلى عالم الحياة، بل إلى الحياة في كثافتها وتوثُّبها وديناميتها، التي تعطي الأشياء نكهَتها البكر وتذرو فوقها ملح الوجود، أو كما يحب بن حمودة أن يسميه: “نحن ملح الأرض كما يقول عَنَّا المترفون”، بما يمكننا باعتبارنا كائناتٍ فانيةً من أن نقبض على اللحظات الهاربة ونثبِّتها كينونةً ورمزًا، إلى الأبد. كما يمكن أن نجمع إلى حقل السيف والرصاص كل آلات القتل والتدمير والتنكيل بالكائنات وبأشياء العالم، من فؤوس وسكاكين ورماح ونبال ومناجل ومطارق وخراطيش وبنادق، ومن وقودها: الجنود والمحاربون والحطابون، وما يحصل بينهم من اشتباك وتبادل نيران. والنتيجة: أنهار من الدماء تجري وتلوِّن التاريخ بألوان الحمرة القانية… وبناءً على هذا، يمكن أن ندرج الحقول الأخيرة تحت هذا العنوان الكبير: عالم الموت.

في ما يغدو بالإمكان أن يتوزع حقل الحشرات والزواحف بين العالمين الكبيرين آنفيْ الذكر: عالم الحياة وعالم الموت، باعتبار أن الذباب والقُراد والجرذان والأفاعي والعقارب… بقدر ما تؤكد الانتماء إلى عالم الحياة والتنوع البيئي الضروري لهذه الحياة، بقدر ما تعزز التقزز والاشمئزاز وتحث خطى الإنسان سريعا نحو عالم الموت والتفسخ.

في نص مثير للشاعر بن حمودة يضع الحشرات بين اثنين يتبادلان الضحك والاحتفاء بالعالم، مثلما يتبادلان مدونة الدماء والتنكيل بالكائنات الحية (“أفكر… بعدد الحشرات التي ستسحقها يداي”) وإن تجسدت في أكثرها هشاشة وإثارة للاشمئزاز؛ الذباب. هذا النص يكاد يختصر كل المعجم الذي رأينا تردداته في كتاب عبد الفتاح بن حمودة بما يعزِّز الصراع الماحق الذي يطحن الإنسان المعاصر وينغّص عليه وجوده على هذه الأرض. فمن مؤثثات هذا المشهد الدموي جنودٌ وساحاتُ حرب وما تشعله هذه من نيران، وتفرزه من فظاعات وتريقه من دماء (التمثيل بالجثث، وأكل أكباد البشر)، لا يتأخر القراد عن أن يسكر بدماء الآدميين، والذباب أن “يقرفص فوق مناخيرنا” في منظر منفّر وكريه. كل هذه البشاعة تدفع الشاعر إلى لعن كل شيء بما فيها ذاته، التي تجد نفسها مجبرة على تقاسم كسرة الحياة مع الأوغاد والكلاب! لكن ذلك كلَّه لا يستطيع أن يفرط عقد الخفة والبهجة ويرميهما في ظلامية المشهد، كما ترسمه اللوحة الكبيرة، للعالم الكبير المتهدِّد الدائم بالجبروت والرهبة، بالضرورة والحتمية المفضية إلى القهر والمحق (لا مفرّ للإفلات من سطوة القوة القاهرة إلا باللعب وبتدنيس اللوحة الكبيرة، التي تعبث باللوحتين الصغيرتين للإنسان وللطفل تجسيدًا أسمى له). لذلك تظهر على الجانب الآخر من المشهد بعض المباهج الصغيرة التي تعلن عن نفسها محلقة، رشيقة، كفراشات أو عصافير، أو تتضوع مثل ورود وأزاهير، مزامنة لعملية تقطير الكروم وتمزُّز عصارة الدالية وتبادل الأنخاب احتفاء بالحضور في العالم بوصفه نِعمَةً: “لا تكذب على الآخرين أنك سليل بحارة/ أو جنود ساحات/ بل تحدّثْ عن القراد الذي يقرص الجلد ثملا بالدماء/ عن الحياة جوارَ الكلاب/ لا تكذب علينا بمطر هاجمك صيفا/ وبغلالة من نار حفّت بروحك/ سنتبادل الكذب مرارا/ سنتبادله قطرة قطرة/ غصنا غصنا/ دالية دالية/ وسنتبادل اللوحة والطبشورَ/ أنت تكتب كلمة/ حروفا أو أرقاما/ ثم ترفع لوحتك/ وأنا أنجز شكلا هندسيا/ دائرة مثلا/ مربعا أو مثلثا أو فراشة/ وردة أو عصفورا ثم أرفع لوحتي/ سنتبادل الضحك مرارا/ وسنهش على الذّباب/ الذي يقرفص فوق مناخيرنا/ سنبحث عن لعبة أخرى/ بعد أن نرفس الذباب بلوحتينا/ سنبحث عن ذباب آخر/ نقطع أطرافه لنلطخ لوحة كبيرةً”.

على هذا النحو يُحضِر عبد الفتاح عالمه الكلّي المتمثلَ في مجموع كلمات الكتاب ويزرعه في وحدات دلالية قليلة تشي بالتعدد والتفرع اللامتناهي، الذي قد يرينا “عالما بأكمله في حفنة” كلمات. وعلى هذا يكون اقتصادُ اللغة وتقشُّفُها دليل ثراء يولد ما لا حدّ له من الصور والمجازات والأخيلة، التي تبقى على الدوام، مهما تشعبت مرتبطةً بحبل سُرِّيّ يشدّها إلى رحم وإلى مولدة، تعطي للعمل الشعري بصمته الخاصة وتعطيه فرادته.

يجري التركيز على الإغراء والإغواء والتلصص، أكثر منها على العلاقة الجنسية المباشرة.

سنركز على الفأس أنموذجًا لانبثاق الوحدات المعجمية وتواترها الدال، بما يعطي مؤشرا على الهوَس الذي يسكن الشاعر عبد الفتاح بن حمودة، ويحوِّل ذاته إلى ساحة صراعات طاحنة، لا تجد الرحمة والسكينة إليها من سبيل، كحال هذا العالم الذي يعبث به القلق وتتقاذفه الحروب والمجاعات والاستغلال وكل أنواع الاستيلاب. الفأس؛ هذه الآلة التي تعلن عن ظهور العصر التقني وازدهاره إلى غاية تهديد الإنسان بالمحو والفناء. استعمال بن حمودة لهذه الوحدة الدلالية يتراوح بين القيمة الاستعمالية المتعارف عليها، وبين الظلال الأخرى الكثيرة التي تجعل منها أحيانا سلاحا فتاكا، وأحيانا أخرى كابوسا يربض في لاوعي الشاعر ويقضّ مضجَعَه: “عندما أفقتُ/ متفقِّدا رأسي ويديَّ/ كنت أنزف دما/ متحسِّسا فأسًا قديمةً تحت السرير”، أكثر من ذلك تتحول هذه الفأس إلى مناسبة للمطارحة الغرامية، بحيث تغدو المسافة بين الفأس والشيء أهم بكثير من الفأس نفسها، أهمّ من وقوع الفأس على رأس الأفعى: “يوما ما ستحدّثين الصبايا عن نزق الينابيع/ وعن المسافة بين الفأس ورأس الأفعى”، لا يخفى الإيحاء الجنسي الذي تمثله الفأس عندما تنتصب في مواجهة رأس الأفعى وهو يفتح فمه متلمّظا، عابثا بلسانه مسيلا للُّعاب. بعبارة أخرى، يجري التركيز على الإغراء والإغواء والتلصص، أو على تركيز الرغبة في العمليات التمهيدية أكثر منها على العلاقة الجنسية المباشرة. الحديث عن النزق والينابيع، ها هنا ليعزِّز هذا الإيحاء. يتجلى هذا اللقاء الغرامي واضحا صريحا بين الفأس والأشياء، وتحديدا الشجرة رمز الأنوثة والإثمار والخضرة الدائمة في نصّ الشاعر عبد الفتاح بن حمودة: “حريق” إذ يقول:”لن أحدّثكَ عن علاقة الفأس بالشّجرة/ عن الضّربة الأولى/ التي تبدأ في شكل عناق/ ضربةٍ يتنهّد إثرها الفأس/ وتتنهّد إثرها الشّجرة/ مادّةً روحها الملساء في راحة الحطّاب/لن أحدّثكَ عن شيء/ لأنّك ببساطة/ كنتَ المسافة بين الفأس والجذع/ أنتَ فؤوس الحطّابين/ وأنا نشيج الغابةِ.

لقد انتشل بن حمودة هذه الفأس من أداتيّتها المقيتة وأعطاها بعدا جماليا خارجا عن المألوف، أسوةً بلوحة “الحذاء” لفان غوخ حيث أنقذ العملُ الفنيُّ هذا الحذاء من اللامبالاة ومن وظيفة الاستعمال المبتذلة وأعطاه بعد جماليا آسرا وخالدا، مثلما شرح ذلك هايدغر في كتابه: “منبع الأثر الفني”. ولأن الأشياء بين يديْ الفنان لا تبقى هي هي، بل تأخذ نصيبا يقل أو يكبر من الجمال، كذلك يتحول الموت الكريه إلى مناسبة يختلط فيها المقدس بالمدنَّس، الأبدي بالفاني والجمالي بالقبيح، بما يجعل من الموت شيئا محبَّبا يعكس بعضا من وجوه الحياة النضِرَة، خصوصا بالنسبة لنا “نحن” الذين نرتعب ولا نعود نعرف كيفية التصرف لمجرد ذكر الموت، وليس فقط ذلك الشيء الذي يسلب من الفتى لذة العيش. يلفُّ بن حمودة نص “جنازة” بهذه الغلالة الرفيعة من الجمال: “اغسلوني بماء دافئ وصابون زيت أخضرَ/ ضمّخوني بماء العنبر والكافور/ بماء العطرشاء والزهر/ قمّطوني بأوراق أشجار الخَرْوَعِ واليوكالبتوس/ المشبَعة بالزّيت السّاخن/ غلّفوا رأسي بالحنّاء/ لُفّوني بقماش حرير أبيضَ/ وضَعُوني في تابوت خشبيّ بحجم ذراعٍ/ ثمّ أطلقوني في اليمّ/ لا تفعلوا شيئا بعد ذلك/ سوى أن تطلقوا ألفَ سهم ورائي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية