اخترت كتاب الأديب السوري/الأسترالي رغيد النحاس، وعنوانه «بدر»، للكتابة عنه في «عيد الحب». هذا ما قلته للأصدقاء في سهرة عربية في باريس، وجاءني صوت صديقة منتقدة: كيف تعترفين بـ«عيد الحب» ـ 14 ـ 2 ـ وهو في حقيقته عيد ديني للقديس «سان فالنتاين» شفيع المحبين.. ألا تعلمين أن الكثير من الناس في العالم العربي يرفضونه ويعتبرونه تقليداً بعيداً عن عاداتنا وتقاليدنا.
قلت لها: الحب ولد في القلب العربي قبل ولادة «السان فالنتاين»، والذين يحتفلون بالحب كامتداد لعيده أحرار، والقلب العربي عاشق قبل أيام قيس وليلى بزمن طويل.. ولا أعرف قلباً عربياً لم يطرق الحب بابه منذ أقدم العصور، حتى لحظة كتابة هذه السطور! أحد الجالسين في السهرة انتقد إعلان الفنانة اللبنانية نوال الزغبي إطلاق ألبومها الجديد في 14 ـ 2 الذي يصادف «عيد الحب».. وماذا في ذلك إذا لم يؤثر في النظرة الفنية المحيدة إلى جوهر العمل الفني ومستواه؟
متى عيد الكراهية؟
ثمة موجة من الكراهية تعم عالمنا العربي تستحق (عيداً) خاصاً بها وسهام التكاره أكثر من ضوء المحبة، وأتحدث عن كراهيتنا كعرب بعضنا لبعض ربما أكثر من كراهيتنا لأي عدو..
ولعلي لذلك اخترت كتاباً يسيل حباً ونضارة شعرية وإيجابية ودفء قلب لرغيد النحاس وعنوانه يجسد التجديد العصري، وإذا كان القمر المكتمل ـ البدر هو عنوان الكتاب، فإن العنوان الفرعي يعيده إلى مدار العصر، وهو «أفكار في زمن الفيسبوك».
أنفق قلبه وماله على «كلمات»
د. رغيد النحاس أصدر كتابه هذا على نحو جديد، إذ نجد القصيدة بالعربية ومقابلها ترجمتها الإنكليزية. وهو طوال عطائه حرص على أن يكون جسراً بين وطنه الأم وأستراليا.. فقد سبق له أن أصدر «مجلة كلمات» طوال ست سنوات (من سنة 2000 ألى 2006) في استراليا بالعربية والإنكليزية، وبعدما أنفق عليها قلبه وماله توقفت عن الصدور.. وها نحن مع كتابه الجديد «بدر» نتعارف مع وجه إضافي لرغيد المتعدد العطاءات والمغامرات الأدبية هو (وجه) الفن التصويري.
ثمة موجة من الكراهية تعم عالمنا العربي تستحق (عيداً) خاصاً بها وسهام التكاره أكثر من ضوء المحبة، وأتحدث عن كراهيتنا كعرب بعضنا لبعض ربما أكثر من كراهيتنا لأي عدو..
فنان «فوتوغرافي» أيضاً!
لا يكتفي رغيد بالكلمة للتعبير عن فنه، بل بالصورة أيضاً، ويضم الكتاب صوراً فوتوغرافية جميلة التقطها لمشاهد طبيعية وإنسانية (الأمومة) ووطنية (صورة مجلس البرلمان في دمشق وصار مجلس الشعب)، وهذه الصورة أسرتني إذ كنت أمر بالمبنى كل صباح في طريقي إلى المدرسة الابتدائية فالثانوية. وككل شامي، يعبر رغيد عن حنينه إلى دمشق وجمالياتها في العديد من القصائد.
الياسمين الدمشقي مخدر خطير!
يكتب د. رغيد قائلاً في قصيدة:
الياسمين الدمشقي عقار خطير
شمة واحدة..
والحبيب بالحبيب يطير..
ويقول:
«أنا دمشق ودمشق أنا
دمشق تلبسني وأنا ألبسها
وقتما وأينما حلّ الدمشقي
يليق به العشق الأصيل..
دمشق، اشتقت لك!
يتابع رغيد:
اشتقت إليك دمشق فقومي
واستقبلي قلبي التواق للعناق
انفضي عن ثوبك رماد الأذى
وتبرجي، يليق الياسمين بشعرك
ويفتح رغيد قلبه لحب وطنه العربي وفلسطين:
«وكنت يوماً سلعة للقمر/ وكنت حلم الشباب/
وكنت يافا/ وكنت القدس/ ودمشق/ وشموخ التلال
في طرقاتي كانت تمر الوداعة
محمولة على أعناق الصغار/ وتتدلى الكبرياء من مناكب الرجال/
فيروز كانت تغني لنا/ فتفتح الشبابيك للنشيد/ ثمة حبل سري كان يربطنا..
حارة فيسبوك
لمسة عصرية في قصائد رغيد، كقوله عن حبيبة تركت له رسالة صوتية: «جاء صوتها جلياً من أعماق التاريخ/لعشتار، صوت حلو أنيق… تركت لي رسالة على آلة التسجيل/القانة تسمح بتدوير التسجيل وسماع صوتها من جديد/ والآن إلى أن تطلبني ثانية/ بعد كثير من السنوات الضوئية/ سأسمع حلاوتها طالما أعدت ضغط الأزرار.
زواج الصورة والقصيدة
وكتب عن الجميلة بحيرة لوغانو التي سبق لي أن كتبت عنها نصاً نثرياً (وتقع على مقربة من الحدود السويسرية/الإيطالية):
آه حبيبتي أيها البدر الجميل/هذه البحيرة تذكرني انعكاسك. تذكرني دوماً أنك هنا.. تظهرين هلالاً أو نصف قمر حيناً/لتطميني أنك لا زلت هناك/وتسكنين روحي، سأنتظر اكتمالك/فأنا الذي يريدك كلك.
ومن الجميل فنياً زواج صورة بحيرة لوغانو في ضوء القمر مع النص الشعري مع الترجمة الإنكليزية المكتوبة على أطراف الصورة الفوتوغرافية ولكن الكتاب ليس رومانسياً مقطراً ولا يخلو من ثورات الغضب حين يكتب بعنوان طاغية:
أشقى الطغاة من يغتال آخر آمالك/فإن نجوت من موت/عشت مُقعداً أبداً…
المجد لحبك… أيتها المجنونة مثلي!
«بدر» كتاب يزخر بمختلف المشاعر اليومية ويقف الحب خلف خلجاتها للوطن وللجمال وللمرأة، ولا ينسى رغيد عاصمة وطنه الآخر سيدني ويكتب: عندما تهز الريح أغصان الأشجار/ يتمرجح معها الطائر الضحّاك/لا يبالي حين تنكسر الأمواج طرباً/تتراقص الأوراق على شاشة البحيرة الفضية/أحبك سيدني يا مدينة الحياة/تنبثق من الحجر.
إنه كتاب عسى أن يجده القارئ في المكتبات العربية ـ صدر عن: منشورات كلمات ـ سيدني ـ 170 صفحة.