منذ أعوام طويلة، كتب الطيب صالح روايته الشهيرة: «موسم الهجرة إلى الشمال» واليوم يأتي جيل يريد كتابة عكس اتجاه الهجرة، أي موسم الهجرة إلى الجنوب، وأرحب بكل مبادرة تذكرنا بأن عودة المهاجرين إلى أوطانهم ممكنة ذات يوم، وعلى المرء الهارب/المهاجر ألا يفقد الأمل بعودة السلام والأمان إلى وطنه.. ووقتها يحين «موسم الهجرة إلى الجنوب».. أي زمن ما بعد الرواية الرائعة للطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال». ولذا أحببت إعلان الدكتورة السورية الشابة زينة الشركس عن مبادرتها التي تبعث الأمل في النفوس بطريقة ذكية مبتكرة. ولكن ما هي مبادرة تلك الأستاذة في جامعة بريطانية؟
سأسبح عكس اتجاه قوارب الهجرة!
ليس بيننا من يجهل مخاطر قوارب الهجرة إلى الشمال والأهوال التي يتعرض لها ركابها وهو ما لم يفت الأكاديمية السورية زينة الشركس حين اعتبرت نفسها (محظوظة) لأنها سافرت بالطرق (الشرعية) لمتابعة دراسة الدكتوراه في بريطانيا وصارت أستاذة جامعية بعدها، أي أنها حظيت بعمل تحسد عليه وتستحقه لمؤهلاتها العلمية، ولكنها لا تنسى الآخرين ومعاناتهم، وتقوم بالتذكير بهم في مبادرة غاية في الذكاء والرهافة، جاء الحديث عنها حتى الآن في العديد من وسائل الإعلام البريطانية حيث تعمل اليوم زينة (28 سنة) كأستاذة في جامعة اسيكس Essex البريطانية.
إنها تريد قطع بحر «المانش» من الشاطئ الإنكليزي إلى الفرنسي سباحة، وذلك عمل «رمزي جداً» كما تقول، أي اتجاه السباحة «34 كم» بين الشمال (بريطانيا) والجنوب (فرنسا) هو رسالة أمل إلى الذين هاجروا من بلدانهم في قوارب الهجرة صوب الشمال الأوروبي.
مخاطر الهجرة في القوارب «وايلان»
مبادرة زينة الشركس تذكرنا بالمعاناة الأليمة للذين هاجروا هاربين إلى الشمال من أوطانهم في «قوارب الموت» ونجاة بعضهم من صفقات (تجار الأرواح) الذين تقاضوا منهم محصلة العمر لنقلهم في مراكب مزدحمة بهم غرق بعضها، وتظل صور جثمان الطفل «إيلان» المرمي على أحد شواطئ الشمال تؤلمنا. كما معاناة الهاربين من الفقر والموت، في رحلة محفوفة بالمخاطر في البحر إلى الشمال.
مبادرة زينة الشركس تذكرنا بالمعاناة الأليمة للذين هاجروا هاربين إلى الشمال من أوطانهم في «قوارب الموت»، وتظل صور جثمان الطفل «إيلان» المرمي على أحد شواطئ الشمال تؤلمنا. كما معاناة الهاربين من الفقر والموت، في رحلة محفوفة بالمخاطر في البحر إلى الشمال.
زينة ترغب، في مبادرتها، أن تزرع الأمل في نفس المهاجر بتذكيره أن العودة إلى الوطن ممكنة ذات يوم.. وتقول في (بي بي سي) التلفزيون البريطاني في تقرير عنها: لا أستطيع إيقاف الحرب، لكنني أستطيع السباحة وقطع قناة المانش نحو الجنوب: فرنسا، لأنني أريد أن يشارك صوتي مع أصوات الأمل والحلم بأن يعود السلام إلى الوطن ونعود إليه. وهي بذلك توقظ مشاعر آلاف المهاجرين الأقل حظاً منها، كما تذكر: إنها لم تضطر لركوب رحلات خطرة إلى بريطانيا لمتابعة دراستها فيها، فالعمل كبروفيسورة، لكنها لا تنسى الذين كانوا أقل حظاً في قوارب غرق بعضها، بعدما احتل اليأس قلوبهم.
وجاء أيضاً قولها في تقرير عنها في جامعة اسكس، معلنة: «في شهر آب/أغسطس 2018 سأقوم بالسباحة في الاتجاه المعاكس لذلك الذي يتخذه اللاجئون المهاجرون! أي من شواطئ بريطانيا إلى فرنسا قاطعة بحر المانش».
الرسالة وصلت.. ولكن
لعل وسائل الإعلام العربية من صحف ومجلات وتلفزيونات ومواقع اجتماعية تهتم بالكتابة عن المبادرة الذكية للدكتورة زينة الشركس.
في المقابل، أتمنى أن لا تقدم زينة على تلك المغامرة الخطرة التي قد تهدد حياتها، فالرسالة يمكن أن تصل إعلامياً.. وقد وصلت للذين طالعوها. لست قلقة على زينة من قدرتها على قطع بحر المانش، لكنني قلقة عليها من البحر وأسراره وتقلباته وأمزجته. أعرف أن 2000 سباح قطعوا بحر المانش قبلها، لكنهم كانوا مزودين بمدربين قبل ذلك ومراكب إغاثة ترافقهم. فللبحر مخاطره واسراره..
الصديقة الروائية حنان الشيخ: البحر بحر!
حاورتني الأديبة حنان الشيخ، ربيع 1993 لجريدة «النهار»، والحوار منشور في كتابي «القبيلة تستجوب القتيلة»، وكتبت: «كنا في جبيل ـ مدينة بحرية وتاريخية لبنانية ـ ونحن في الزورق مع صديقات. غادة تقرب وجهها من المياه المالحة وتقول: أود أن أغطس كلي. وتبدأ خلع ملابسها فيما الصديقات يحاولن ثنيها قائلات: هذه البقعة في البحر لا أحد يعرفها. حتى البحر يجهلها». وما اقتنعت. تحت ملابسها «مايوه» وتقفز من الزورق إلى البحر. «تبلعط» كالسمك، تضحك وتترك شعرها يغوص في الملح، بينما تعلّي وجهها وتمنحه للشمس دقائق. ربع ساعة. نصف ساعة ونحن في الزورق. نطلب منها أن تقفز إلينا حتى نعود إلى الشاطئ. وهي لا تسمع بل «تبلعط» أكثر. وعندما اختفت الشمس كانت بيننا وقالت: البحر بحر»..
وكم أفتقد صديقتي حنان، وتلك الأيام، وذلك الجنون البحري.
غواية البحر المزاجي الخطر
ومرة كنت مع صديقين على شاطئ بحر «جونية» قرب بيروت، وتركتهما يبوحان بحبهما وهبطت للسباحة. سبحت بعيداً واكتشفت عدم إمكانية العودة لأن للبحر مفاجآته الدائمة، وكلما سبحت للعودة وجدت نفسي في المكان ذاته. ولا أدري أي قوة وجدتها في نفسي لمقاومة (الجزر) والعودة إلى الشاطئ مع هبوط الظلام، والعاشقان لاهيان عن إمكانية موتي بعد صراع مرير مع الموج وأصابعه اللامرئية التي كانت تجرني إلى الموت في عرض البحر..
كتبت كل ما تقدم كأم خوفاً على الشابة زينة الشركس من مغامرة قطع بحر المانش. فللبحر أسراره ومخاطره ومخلوقاته. لقد تعلمت السباحة في نهر بردى وكانت هوايتي السباحة ضد التيار. ولكن ليس في نهر بردى السوري أسماك قرش ومخلوقات هلامية بحرية لاسعة ولا الالتقاء بأمواج تجر المرء إلى حيث لا يدري.. وأكرر: أتمنى على زينة الاكتفاء بالرسالة الإعلامية دون تلك السباحة الخطرة، فالبحر بحر وما أدراكِ ما البحر؟!
وأعرف مقدماً أن زينة ستفعل ما يروق لها ولن تنصت إلى نصيحتي كناجية من نار البحر الباردة!