يرى ان الفكر القومي ليس مرتبطاً بالاستبداد… وان على العرب ان ينتهوا من قصة القادة العظامأبو ظبي ـ من فاطمة عطفة: قبل لقائي بالدكتور فخرو، كنت أشعر بالتفاؤل والأمل كلما شهدت حوارا معه أو قرأت له مقالة لأنه وأبناء جيله يعيدونني إلى ذكرى الوحدة بين سورية ومصر والنهوض الشعبي الممتد من البحرين والكويت إلى المغرب الأقصى. كانت أمتنا في تلك الأيام تطمح إلى تجديد شبابها واستعادة مكانتها اللائقة بين الأمم، وكان جمال عبد الناصر بقامته الشامخة يقود مسيرة التحرر الوطني والنهوض القومي إلى جانب نهرو وشو إن لاي في قيادة منظومة عدم الانحياز. إن ضيف ‘القدس العربي’ اليوم الباحث والطبيب الدكتور محمد علي فخرو هو أحد أعلام الفكر والأدب الذين تشكل وعيهم في تلك المرحلة المبكرة من مسيرة الأمة. * الدكتور فخرو كاتب ومفكر سياسي، ماهي العلاقة بين دراسة الطب والأدب؟* الأطباء، إذا كنت تريدين الحقيقة، طيلة حياتهم يتدخلون في أمور ليست من اختصاصهم، ترينهم من كبار كتاب القصة وكذلك السياسيين وهم كانوا أطباء. أعتقد السبب أن دراسة الطب دراسة منهجية، تعود الإنسان على التفكير المنهجي السليم الموضوعي الذي يبدأ بالملاحظة ثم التشخيص ثم التجريد ثم العلاج، وبالتالي هذه المنهجية ـ على ما أعتقد- تعطي عقلية معينة. وأنا في كثير من الأوقات لما أتعامل مع بعض الأخوة في الحقل السياسي مثلا، أستغرب كيف ما عندهم هذا الانضباط الفكري الذي تعودنا نحن عليه في الطب، ولا ألومهم لأنهم لم يدرسوه. أعتقد هذا هو السبب. لكن هناك جانب آخر، حتى أنا لما ذهبت إلى دراسة الطب ذهبت من أجل خدمة البحرين لأنها كانت تحتاج، قضية الطب كان كله أجنبيا، ولأنه كذلك كان هناك حساسية خاصة في داخل البحرين، وحاجة ملحة لدراسة الطب من قبل شبابنا وشاباتنا. وأنا كنت أول طبيب تخرج في تاريخ البحرين،وكان عندي ميول أدبية، وأستاذ اللغة والأدب في الثانوية – وكان من مصر- كانت علاقتي به حميمة ولغتي كانت جيدة وسلسة ومعقولة إلى حد أني كنت مع جماعة التمثيل، وأنا كنت أمثل دور قيس وصديق لي لأنه شكله أحلى وأبيض يمثل ليلى. وحتى في ذاك العمر كتبت قصصا قصيرة بسيطة ومتواضعة، وحاولت أن أقرض الشعر. وبالنهاية لما دخلت عالم السياسة وعالم الطب، تركت الجوانب الأدبية. وبعد أن رجعت من تخصصي إلى البحرين انغمست انغماسا كبيرا في الطب. لكن عندما أخذت وزارة التربية والتعليم وبقيت فيها 13 سنة، أعتقد بدأت شيئا فشيئا أستعيد كل ما كنت أرغب أن أعمله في قضايا الفكر وقضايا الكتابة السياسية وقضايا النشاط السياسي’.* هل تشعر بأنك سعيد داخليا بالكتابة والتعبير عما تريد؟ لماذا درست الطب إذاً بدل أن تتفرغ لرغبتك وطموحك؟* الواقع كان من الجانب الشخصي البحت، كنت أريد أن أبتعد عن البحرين آنذاك أكبر عدد من السنين، وكان الطب هو أطول فترة. والشيء الثاني: من المؤكد أنني كنت أحس أن شعبي يحتاج إلى أن يتخرج من شبابه أطباء، لأن الطب كان عندنا في البحرين متأخرا لأبعد الحدود تحت إدارة وممارسة أجنبية، كانت ممارسة بدائية، والناس يشتكون من ذلك، العمليات الجراحية لا تنجح، والمرضى لا يشفون من أمراضهم، والمستشفيات بسيطة ومتواضعة، وأنا أعطيك مثلا: لما رجعت من أمريكا، أول ما وصلت قلت: أين المكتبة الطبية عندنا؟ قيل لي هذه الحجرة. رحت لها وإذ هي عبارة عن مخزن فيها مجموعة من المجلات الطبية التي لم تقرأ، حتى إنها ما فتحت، وعدد الكتب الموجودة فيها لا يتجاوز 15 كتابا! هذا كان حين رجعت في أوائل الستينات، وكان أحدث كتاب عمره 15 سنة وبعضها أكثر من 25 سنة، وبالتالي رأسا انتقل تركيزي إلى قضية رفع المستوى العلمي في داخل المؤسسة الطبية، لم أترك الاهتمام بالكتاب فركزت في وزارة الصحة وأوجدت كلية العلوم الطبية. لم يكن عندهم شيء من التدريب أبدا فركزت على إرسال الأطباء إلى الخارج، وركزت على وجود مؤتمرات واجتماعات مستمرة لإعادة التدريب لرفع المستوى، بمعنى آخر كنت أمارس مهام وزير التربية في داخل وزارة الصحة. فهذه الرغبة في الارتباط بالتدريب والعلم ورفع المستوى والإيمان التام الكامل بأن العلم يتغير وعلينا أن نتغير معه. وأنا من الأشخاص الذين كنت دائما أعيد وأكرر أن الطبيب الذي لا يقرأ يوميا ساعتين هو طبيب فاشل لأنه لا يستطيع أن يدعي بأنه على علم ودراية بالمتغيرات في عالم الطب’.* بما أننا نتحدث عن الطب، المنطقة العربية خاصة الخليج والثروة التي يملكها، نرى أن الاهتمام ينصب على العقارات وأشياء أخرى، بينما التنمية مهملة وكذلك البحث العلمي وخاصة بالطب لماذا نحن العرب نستبعد البحوث الطبية، وخاصة الأمراض الوراثية في المنطقة؟* نحن لا نستبعد البحوث الطبية فقط بل كل البحوث. الواقع أن البلاد العربية لا تصرف إلا نسبة ضئيلة جدا من الناتج القومي، مقارنة بالعدو الصهيوني الذي يصرف من عشرة إلى 15 ضعف هذا المبلغ على البحوث. والعجيب أن دول مجلس التعاون هي الغنية جدا وقادرة على أن تصرف على بحوث كثيرة جدا لا تصرف، لأن عقلية البحث غير موجودة بالمؤسسة السياسية، المؤسسة السياسية لا تعتقد بأن البحوث مهمة بل وتخاف من البحوث، يمكن أن تجيب لها مشاكل وقضايا وتكتشف أشياء أخرى. الجانب الآخر هو أن البحث إذا لم يرتبط بنشاطات مجتمعية، بمعنى عندك شركة تستفيد، عندك مؤسسات حكم تستفيد، عندك مؤسسات مجتمع وحراك سياسي يستفيد. إذا ما صار هذا الشيء البحوث شيئا فشيئا تموت، لأنها تبقى عبارة عن كتابات موضوعة في داخل الأدراج أو رفوف المكتبات ولا أحد يستفيد منها. طبعا أصحاب الفكر والبحوث يقولون ما فائدة هذا البحث؟ لا أحد يأخذ به ويستفيد منه! كذلك هناك جانب آخر وهو الأهم: البحوث تحتاج إلى استقلالية الجامعة لتقوم بالبحوث التي تريد، والدول العربية والحكومات العربية لا تسمح بالاستقلالية الأكاديمية ولا الاستقلالية الإدارية للجامعة إلا إذا وضعت يدها على الجامعة حتى تتأكد تماما أن هذه الجامعة تحت الأوامر السياسية لها. هذا من جهة، الجهة الثانية أن الجامعات في البلاد العربية هي في أكثرها تتمة للتعليم الثانوي وليست أكثر من ذلك، هي ليست قفزة حقيقية نوعية في التعليم، حيث الطالب يحفظ (شوية) كتب، يأتمر بالأستاذ. أما أن يكون هو سيد نفسه، هو الذي يتعلم ويناقش في الصف ويأخذ ويعطي والأستاذ فقط يستمع، هذا كله غير موجود عندنا. إلى اليوم الأستاذ يقف ويلقي المحاضرة ويخرج. بسبب أوضاعنا هذه هناك أيضا في الجامعات الصفوف كبيرة جدا الطلاب بالمئات، بينما المفروض في الجامعة الصف محدود العدد، لأن الصف الذي يزيد عن 25 إلى 30 طالبا لا يسمح بالنقاش لأن التعليم الجامعي ليس معارف وإنما تعويد الإنسان على المناقشة وعلى التحليل وعلى التجاوز وعلى الإبداع، هذا كله غير موجود في جامعاتنا، وهذا يؤثر على البحوث. شيء آخر اليوم الأساتذة، الكثير منهم يريد من الطلبة أن يقرؤوا ملزمة هم ألفوها، يأتون يفرغون ما فيها بالامتحان وينتهي الأمر، وكان عليهم أن يوجهوا الطالب لقراءات واسعة جدا.* إضافة إلى أنك طبيب فقد استلمت أكثر من وزارة، هل كنت تشعر أن المنصب الرسمي قيد حريتك؟ وخاصة أن المفكر حر بداخله؟* أنا أولا من ناحية قيامي بمهماتي سواء في وزارة الصحة أو وزارة التربية والتعليم لم أشعر قط بأي تقييد، أقولها دائما وأن الفضل يجب أن يعطى لصاحبه، رئيس الوزراء وأمير البلاد لم يتدخلوا في عملي، بل كانوا يمدون ويساعدون وكل ما أريده يعطونه ويساعدون في كل ما نحتاجه في هذين الحقلين، إنما هل كنت أستطيع مثلاً أن أعبر عن نفسي في الكتابة في الصحف والإعلام؟ طبعا، لا. كان لا بد أن ألتزم بحدود معينة، سأعطيك مثالا: صدر لي مقابلة مع جريدة كويتية في أوائل الثمانينات وكانت عن الديمقراطية في الخليج العربي، يعني لم أكن أتردد في طلب الديمقراطية والحرية والإصلاح، وحتى في مجلس الوزراء نحن كنا نقول ما نريد أن نقول ورئيس وزراء البحرين كان يتقبل منا ذلك وبصدر رحب. أنا أعتقد أن هناك دول جمهورية لكنها محكومة بما يسمى بالحزب الحاكم والقائد العظيم.. وعندهم حركة وحرية فكرية ومسؤوليات أقل بكثير مما كان لدينا في بلد البحرين. لكن ما في شك منذ أن تركت المنصب في الحكومة أشعر بالحرية أكبر بكثير. اليوم الكتابات التي أكتبها صار لي ثماني سنوات وأنا أكتب مقالا أو مقالين في الأسبوع، ما كان ممكنا أن أكتبها وأنا وزير، الوزير له سقف معين لا بد أن يلتزم به، وهناك سياسة لا يستطيع أن ينقدها’.* دكتور علي لو عدنا إلى التاريخ المعاصر، نجد أن الفكر القومي مرتبط بالاستبداد كيف يرى الدكتور فخرو إمكانية الخروج من الاستبداد مع إمكانية المحافظة على الخط القومي؟* دخلت حزب البعث وأنا في أول سنة جامعية، وآنذاك حزب البعث كان لا يتكلم إلا عن حرية الإنسان وكرامة الإنسان، طبعا يركز كثيرا على الوحدة العربية، الشيء الذي وقع فيه حزب البعث والحركات القومية هو قوله بأنه ‘لا حرية لأعداء الشعب’، وهذه عبارة غامضة، طيب من هم أعداء الشعب بالضبط؟ إنما في ما عدا ذلك، الجانب الضعيف في الفكر القومي كان عدم تركيزه أكبر على جانب الديمقراطية السياسية بالذات، كنا نطالب بالاشتراكية، وهي نوع من الديمقراطية الاقتصادية مثل عدالة توزيع الثروة وغيرها، إنما نحن استهنا كثيرا بالديمقراطية السياسية، وهناك أسباب: نحن كنا ضحية الزمن الذي كنا نعيش فيه، ذاك الوقت الديمقراطية التي كانت مرتبطة بالبرجوازية الغربية، ومرتبطة بالفترة الاستعمارية الغربية، لأنهم هم الذين يجلبون البرلمانات، والبرلمانات هذه لا يدخلها إلا الأغنياء والإقطاعيون الذين عندهم مال وقدرة. هذا صحيح، مثلا في سورية من كانوا ينتخبون بالبرلمانات؟ كبار علية القوم في المدن أو القرى، من عندهم إقطاعيات كبيرة، لأن الفلاحين يصوتون لهم، أو من عندهم المصانع والمال أيضا العمال يصوتون لهم، وبالتالي كان هناك نوع من الحساسية تجاه الديمقراطية السياسية، على أنها لا تأتي إلا بناس فاسدين، وبالتالي لا محل لها. الذي يحل محلها هو الديمقراطية الثورية، وهي ديمقراطية الأقلية القائدة التي تريد أن تخدم البلد. طبعا هذا غلط لأنه لا يوجد شيء من هذا النوع. ومن هنا صار بالبلاد العربية قبول الحزب الحاكم، الحزب القائد، الحزب الأوحد.. ولا مكان للآخرين، لأن هذا الذي يمثل إرادة الأمة، ومشى عليه المرحوم القائد جمال عبد الناصر، وفي سورية، والعراق، وأماكن أخرى. إذن، نحن أخطأنا خطأ كبيرا. لكن هل يعني ذلك أن الفكر القومي بحقيقته مرتبط بالاستبداد؟ الجواب: لا حتما، الفكر القومي في أوروبا جزء منه ارتبط بالنازية، لكن جزءا منه ارتبط أيضا بالديمقراطية الحصيفة، ارتبط بالديمقراطية في فرنسا، بالديمقراطية في أوربا الشمالية بكاملها، وارتبط بالديمقراطية في إنكلترا. نعم ما كان في الفكر القومي الذي أخذناه نحن، مثل الفكر القومي الإيطالي، حتى ألمانيا تخلصت من ذلك بعد الحرب العالمية الثانية ومشت في الديمقراطية. لماذا نحن ما أخذناها، أنا أعتقد سيكون مفجعا لو أننا اعتقدنا أنه إما فكر قومي استبدادي، وإلا ما في فكر قومي. لا، هي القومية أصلا لبناء الأمة الواحدة، نحن القوميين نشعر بأن هناك ضرورة لوحدة عربية، هي لا تضر بأحد بل ستفيد الجميع، نحن ننسى أنه حتى سقوط الخلافة كانت الأمة العربية موحدة، فأين المشكلة؟ كان وقتها التونسي يذهب إلى القاهرة ويعيش فيها، والخليجي يذهب إلى أقصى المغرب العربي ويتحرك، نحن بعد أن جاء الاستعمار من خلال سايكس بيكو وغيرها، وقيام حكومات غير شرعية قطرية هي التي رسخت التجزئة، والأيام أثبتت تماما أنه بدون وحدة عربية لا استقرار. لو كان توجد وحدة عربية هل كان يمكن أن يوجد الكيان الصهيوني في فلسطين؟ مستحيل. لو كانت وحدة عربية هل كان ممكن أن تتجرأ أمريكا وتدخل العراق وتحتل العراق؟ مستحيل. لكن الناس ما يردون أن يفهموا أن أهم شيء بالقومية العربية هي الوحدة العربية. بعد ذلك الإديولوجيات ممكن أن تكون اعتمادا على ما يريده الشعب، وفي اعتقادي لو الشعب يريد الحكم إسلاميا أنا ما عندي مانع، إذا غالبية الشعب يريد ذلك فليكن، هذه هي الديمقراطية. أما إذا أراد اشتراكية فلتكن، أراد شيوعية، أو لبرالية غربية فلتكن. المهم في الموضوع أننا كأمة يجب أن نتوحد لأن مستقبلنا وحياتنا في الوحدة وسوف تثبت الأيام ذلك. أوروبا التي تتكلم بلغات مختلفة والتي لها حروب وصراعات ما بينها، ولها ثقافات مختلفة، تتوجه نحو الوحدة. ونحن الذين لنا تاريخ واحد، ولنا لغة واحدة ولنا تقريبا دين واحد، ولنا أرض ممتدة واحدة لا توجد بيننا قارات ولا حدود لا نتحد، وأولئك يتحدون! إضافة إلى ذلك، في هذا العالم توجه نحو التكتلات الكبرى اليوم. أنت تصورين لو هذه الثروة البترولية الخليجية كانت للوطن العربي كله وبالتالي لا تستثمر إلا في تنمية الزراعة في المغرب العربي أو لبنان وفي تنمية السياحة في تونس أو مصر، لو كانت هذه الثروة مستعملة بهذا الشكل، هل كانت تذهب هذه الثروة الفائضة عندنا إلى حدود أننا نعيش بذخ مبتذل في هذه المنطقة، والفائض من عندنا نرسله إلى نيويورك وغيرها حتى تحرك الصناعة والاقتصاد والأعمال هناك، بينما البلاد العربية تذهب إلى الغرب وتطلب استثمارات، نفس المال العربي يقدم إلى البلاد العربية الأخرى لكن بأرباح خيالية وبشروط مذلة نقبلها نحن! يعني القضية مقلوبة كلها’.* هل وجود إسرائيل وما قبلها الاستعمار الذي حكم المنطقة لهم الدور الكبير في منع هذا التقدم في الوحدة أو الديمقراطية وكل ما هنالك من معاناة تحدثت عنها؟ أو نحن تركيبتنا كعرب هكذا ينقصنا الوعي والتنظيم في كل شيء: المؤسسات السياسية والمجتمعية والبحثية في كل برامجنا، أو نحن عندنا أخطاء كثيرة يجب إعادة النظر فيها؟ * يعني هي صورة معقدة وكبيرة، وطبعا ما في شك أبدا أن زرع الكيان الصهيوني في داخل الوطن العربي كان عاملا كبيرا في تأخير هذه المنطقة، لأن ثروتها الكبيرة ظلت من أجل أن تبني الجيوش وتشتري الأسلحة لتوازن الكيان الصهيوني، من أجل أن تهيئ نفسها للقضاء عليه، وانشغلنا عبر ستين سنة على هذا الموضوع. وأنت تعرفين سورية كانت تصرف أكثرمن 65% من ميزانيتها من أجل التسلح، بينما الباقي قليل جدا للتنمية، طبعا هذا مثال. مصر عانت الأمرين، الأردن كذلك كان يصرف الكثير من أمواله. إذاً، ما من شك أن الكيان الصهيوني وجوده أخرنا كثيرا جدا، بدل أن نتفرغ لتنميتنا الداخلية. طبعا الاستعمار الذي جاء بعد الحكم العثماني أيضا لعب دورا، لو تقرئين رسائل الملك حسين إلى الغرب في بداية القرن العشرين. كان يقول: نحن نريد استقلال المنطقة العربية، ما كان يقول العراق أو سورية أو الأردن، وكان يحددها: شمالا يحدها البحر الأبيض المتوسط، وشرقا تحدها الحدود الإيرانية، وجنوبا يحدها البحر العربي. بمعنى آخر، كان يتكلم عن الأرض العربية المشرقية بكاملها، يريدها أن تتحرر وتصبح دولة واحدة. الذي حدث هو أن معاهدة سايكس بيكو قسمتنا إلى أجزاء، واليوم تحاول أن تجزئنا أكثر من ذلك. إذاً، تجزئتنا مرتبطة بتاريخ طويل، منذ الحروب الصليبية والغرب يعرف أن ما فيه حل إلا بإبقائنا مجزئين، لأننا في خاصرته الجنوبية، خوفا من أن تعود قوة الدولة وتدق أبوابهم. ولو كانت قضية الفتوحات انتهت، إنما لا يزال هذا الشيء في الفكر الغربي، ويجب أن نبقى ضعافا. وكذلك إسرائيل تعمل على أن يبقى الكيان العربي مجزأ، هناك كتب كثيرة لهم تقول ذلك. هناك جانب آخر: نحن من بعد العهد الراشدي مباشرة دخلنا في الملك العضوض الذي وضع أسسه معاوية بن أبي سفيان. ما عاد أهل الحل والعقد يعطون الولاية لأمير المؤمنين وإنما أب إلى ابن إلى حفيد، وهكذا دخلنا في الملك العضوض، وكان ملكا عضوضا مستبدا وجشعا وهو يمتلك الريعية، بمعنى أن الثروة بيده وهو يوزعها حسب الولاءات وحسب مصلحته وظلننا في ذلك خمس عشرة قرنا من الزمن.. وما زلنا! شعبنا تعود على الاستبداد والخنوع، الكلب عندما تضربنه دائما يتوقف عن النباح والحراسة. وجاء أكثر من ذلك فقهاء السلاطين وأكدوا أن الخروج على ولي الأمر هذا غير مقبول على الإطلاق، وأتوا لنا من الأحاديث الموضوعة ومن التفسيرات البليدة التي تقول: لا! الخروج على ولي الأمر غير مقبول. أصبح عندنا قضية الفقه، والتاريخ، والاستعمار، والكيان الصهيوني، وعندك الدولة الريعية. من هذا كله، شيء طبيعي، أقول ما في أمة سارت أكثر من الشعوب العربية، شوفي الضحايا الذين قدموا إما من أجل التحرير من الاستعمار وإما في ثورات ضد الاستبداد، لكن القدرة العجيبة أن القوى الاستبدادية عندنا استطاعت أن تتغلب، إلى أن جاءت الثورة العظيمة التي انطلقت من تونس وبعدها مصر وامتدت إلى ليبيا وسورية، وهذا يؤكد أن الشعب العربي لا يزال حيا ولا يزال قادرا على أن يثأر لنفسه، وهو أشبه بطائر الفينيق الذي يخرج من الركام ومن الرماد. الشعب العربي قرر أن توجد قطيعة حقيقية بين مستقبله وبين ذلك الماضي السياسي البائس المرتبط بالاستبداد والاستغلال الاقتصادي البشع، وبالدورة الريعية المذلة التي يوزع فيها رئيس الدولة المكرمات هكذا، وكأننا لسنا مواطنين إنما رعايا. من الآن يجب أن نتطلع أن هذه الثورات يجب أن تستمر عشرات السنين إلى أن تصل إلى عدم إعطاء أي فرصة للاستبداد أن يعود، كما في إنكلترا أو فرنسا أو السويد. لو جرب الاستبداد أن يطل برأسه، رأسا الشعب يثور ضده. إذاً، نحن يجب أن نصل بهذه الثورات إلى مرحلة، بحيث يصبح عندنا توازن حقيقي بين المجتمع والدولة، نحتاج إلى ندية متوازنة بين المجتمع وبين الدولة. وهذا الشيء منذ الاستقلال، الدولة العربية ابتلعت المجتمعات العربية، أضعفت المؤسسات: كلما طلعت مؤسسة تشتريها أو تقمعها أو تزورها وترشيها بالمال إلى أن تبقى غير ذات فاعلية، وتصبح دكاكين للسياسة، كما صار في سورية ومصر وفي كل مكان من الأرض العربية، على أنها معارضة ولكن هي في الحقيقة جزء لا يتجزأ من الديكور الذي تبنيه الدولة العربية في هذه المجتمعات.* وجهت نظرك نحو الثورات العربية ومن خلال تأثيراتها، كيف ترى موقع إسرائيل بين هذه الحركات الديمقراطية التي ستنتصر ولو بعد فترة؟ هل إسرائيل في تقديرك ستعيد حساباتها لمواجهة ما يجري بالمنطقة؟ * نأمل أن تصبح المنطقة العربية ديمقراطية، وأن نصبح مجتمع ديمقراطية والشباب أصبحوا غير مستعدين لأن يعودوا إلى الوراء. لكن القضية في صراعنا مع الصهيونية مختلفة، أنا من الأشخاص الذين يعتقدون بأن الدولة الصهيونية يجب أن تزول، يجب أن يحل محلها دولة ديمقراطية يتعايش فيها العرب المسلمون والمسيحيون واليهود أيضا ومن استقروا فيها حتى الآن، تصبح دولة مدنية ديمقراطية فيعود الفلسطينيون جميعهم إلى أرضهم، تجمعهم دولة مدنية ولا محل على الإطلاق لدولة صهيونية قائمة بذاتها على أرض عربية هي سرقتها من أهلها، هي أرض عربية ويجب أن تعود إلينا. ولكن نحن لا نتكلم أبدا على أن اليهود يجب أن نرميهم بالبحر وأن ليس لهم حقوق، بل أن تكون لهم حقوقهم كاملة، فيما يخص حياتهم كاملة الاجتماعية والسياسية. أما غير ذلك، أعتقد سيكون شيئا غير مقبول وغير عادل.* البحرين كانت مثل في الحرية، يقال إنها باريس الخليج كما يقال عن لبنان، الحركة الشعبية التي بدأت في البحرين لتحقيق مطالب شرعية لها، هل كان للتدخل الذي حصل من مجلس التعاون ضرورة في البحرين؟ * البحرين قبل القرن الماضي، كل كم سنة كان يجري فيها حراك سياسي، وبالتالي المبادرة التي طرحت في المدة الأخيرة هي تتمة لمسيرة طويلة جدا نحو مزيد من الديمقراطية، مزيد من الحريات، مزيد من العدالة، وهذا شيء طبيعي يجب أن لا يستغرب عند شعب التعليم فيه قديم وعدد المثقفين كبير، فيه تنوع ثقافي وتنوع مذهبي وفيه تسامح وانفتاح على العالم. البحرين كونها جزيرة، والجزر دائما منفتحة على العالم أكثر من الداخل، هذا كله يجعل أن ما حدث بالبحرين شيء طبيعي تماما. الآن القول بأن هل هناك أياد أجنبية؟ أنا دائما أقول إنه أولا ما فيه شيء من الشك أن دائما الأيادي الأجنبية تحاول في أي مكان حتى في أوربا وأميركا، لكن المهم مقدار هذا المحاولات. أنا من الذين يؤمنون تماما أن المطالب والحراك السياسي في البحرين هو حراك محلي حقيقي ومطالب لها عشر سنوات وهي مطروحة، وهي قضايا دستورية، فهذه لا يمكن أن تكون مطروحة في طهران، أو في مكان آخر. ومن اليوم الأول دافعت دفاعا مستميتا وأكدت على أن هذا الحراك محلي، ورفعه إلى المستوى الإقليمي خطأ كبير جدا. وعندما اجتمع وزراء خارجية مجلس التعاون في البحرين بعد يومين من الأحداث، قلت إن موضوع البحرين ليس موضوع مجلس التعاون على الإطلاق. من الممكن أن يقولوا نحن نساند، ولكن ليس من حقهم أن يقرروا عن شعب البحرين نوع المطالب التي يجب أن يحصل عليها. لكن مع الأسف الشديد، هناك عناصر حتما، حرفت بعض هذه المطالب، ليس فقط حرفت إنما وضعت مطالب أخرى لم تكن في البداية موجودة، مثل إسقاط النظام. هذا لم يكن موجودا في البداية، أو مثل جمهورية. في هذه الحالة انقسم المجتمع على نفسه، هناك ناس لا يريدون إسقاط النظام، يريدون تعديل النظام، يريدون إصلاح النظام، يريدون ديمقراطية أكثر. وقلت بأن إسقاط النظام هو نسف لثلاث محطات كبرى في تاريخ البحرين الحديث: المحطة الأولى عندما أرادت أن تخرج إنكلترا، إيران أصرت على أنه يستكتب شعب البحرين إذا كان يريد الانضمام لها أو يبقى دولة عربية مستقلة، فالأغلبية الساحقة تحت هيئة الأمم قالت: نريد أن نكون دولة عربية، وأضافوا وأن نحكم من قبل هذه العائلة الحاكمة. هذا أعطى شرعية لحكم العائلة الحاكمة، ثم جاء دستور 1973 ووضع نفس الشيء: البحرين إمارة كذا وكذا وتحت الحكم الوراثي من قبل العائلة الحاكمة، ثم جاء الميثاق الوطني منذ عشر سنوات، الذي طرح على شعب البحرين وكان يقول أيضا بأن البحرين ستكون مملكة دستورية عربية تحت حكم آل خليفة، وصوت عليه 98.5%. أنت لما تأتين وتقولين نحن نريد رئيس جمهورية، فأنت تنسفين ثلاث محطات كبرى في تاريخ البحرين، هذا ليس بالسهل. الشيء الثاني لا يوجد إجماع أو حتى شيء قريب من الإجماع حول إسقاط النظام. نعم، يمكن فيه أقلية تريد إسقاط النظام. لكن شعار الغالبية الساحقة لا يريدون حتى من الأخوة الشيعة لا يريدون ذلك، بل هناك أكبر جمعية وهي الوفاق تقول: لا، نحن لا نتكلم عن سقوط النظام. إدخال مثل هذه الشعارات المتطرفة وغير العقلانية، مع الأسف الشديد، أدخلنا في إشكالية أدت إلى هذا الاصطدام الأمني الكبير المباشر. نرجو أن لا تضيع الفرصة التي كانت موجودة للحوار نحو مزيد من الديمقراطية. ملك البحرين قبل شهر واحد كان يتكلم أننا بعد مرور عشر سنوات على الميثاق الوطني نريد الآن أن نفكر بقفزة جديدة نحو الأمام. نحن نحاول أن نساعد الحركات في البحرين لتستعيد توازنها، وتسير في الخط نحو الديمقراطية وتترك الشعارات التي لا تحمل معنى، وفي اعتقادي أنها صبيانية ليست إلا’.* هل هناك بلاد عربية أخرى مرشحة لما يجري من حراك شعبي كما حدث في البحرين وغيرها من بقية الدول؟* كل البلاد العربية مرشحة ولا دولة تستطيع أن تدعي أنها فوق ذلك، بدأت تونس ، مصر، اليمن، سورية، وهناك حراك في المغرب العربي، والجزائر، كذلك طلبت الجامعات في السودان كانوا يتكلمون عن حراك مماثل، ورأينا هذا الحراك في مسقط وكذلك في البحرين، ورأيناه جزئيا في الكويت، طبعا في العراق هذا الحراك ينتشر. بقي كم دولة هي التي لم يحصل فيها حراك، أنا أعتقد أنه سوف ينتقل لها الحراك إلا إذا هي اتخذت خطوات تجعل الناس لا يحتاجون للحراك. لا نجد بلادا عربية الوضع فيها من الديمقراطية ومن العدالة ومن نظام الحكم الصالح ما يكفي أن نقول بأن شعبها لن يحتاج أن يتحرك.. لا، كلهم يحتاجون أن يتحركوا، كلهم بدون استثناء.* هل سنجد رئيسا أو ملكا أو زعيما من كل هؤلاء الدول التي سوف تتحرك، يمكن أن يعمل ثورة على نفسه كما عمل الرئيس سوار الذهب، ويسلم السلطة للشعب ليقرر مصيره، ويبدأ بالديمقراطية قبل أن يسفك الدم كما يحدث في الدول الأخرى؟ * أنا شخصيا ضد التعويل على الأفراد، لكن هذا ليس مهما، المهم أن تبدأ مؤسسات عريقة ديمقراطية قادرة على أن تدافع عن نفسها. وأعتقد أن المجتمع قادر على أن يدافع عن نفسه. والدولة تعرف أنها لا تستطيع أن تتغول على مجتمعها، ولا تستطيع أن تبتلع مجتمعها وإنما تتعايش معه، الدولة لها مهام ضرورية جدا ويجب أن توجد، لكن المجتمع أيضا له مهام ويجب أن يوجد، وأنا برأيي أن البلاد العربية يجب أن تنتهي من قصة القادة العظام والقادة العباقرة والذين بدونهم لا تقوم الأوطان، كما كان يقول مبارك: من دوني كيف ستحلون مشاكلكم؟! وكأنه بين 80 مليونا لا يوجد نائب للرئيس، وغيره كما هو القذافي يتكلم وكأنه هو المجد كله يستنسخ فيه. هذه الحياة الاستبدادية الظالمة التي حقرت الشعب العربي وآذته وآلمته وداست على كرامته، الحقيقة يجب أن تتوقف نهائيا وإلى الأبد، لأنه لم يعد باستطاعة أحد أن يقبل بذلك. أنا أجلس وأسمع الشباب مستعدين أن يموتوا ولا يعودوا مرة ثانية إلى المذلة، يريدون مواطنة حقيقية، يريدون حقوقا متكافئة، ثروة موزعة بالمعقول، حتى الثروة السياسة يجب أن تتوزع بطريقة عادلة، من غير المعقول أن تتركز بواحد أو اثنن أو عائلة أو مجموعة صغيرة. الثروة السياسية يجب أن تتوزع في كل المجتمع. إذا قدرنا أن نصل إلى هذا الحد أؤكد لك أننا قادرون أن نصل إلى مستوى الدول الأخرى، حتى الديمقراطية في العالم كله هي ناقصة، ما فيه دولة ديمقراطية، كل الدول التي يحكمونها هم أقلية، وذلك إما بسبب سيطرتهم على المال أو الإعلام أو الصناعة، وبالتالي يحكمون. في الواقع ليس الحكم ديمقراطيا. وأنا أذكر أن أحد الكتاب الأمريكيين كان يقول بأن الطريقة الوحيدة لو توجد ديمقراطية حقيقية هو أن نكون كل شعب وحدات من 500 شخص، هؤلاء يكونون وحدة تبحث الأمور وتناقش وتحاور ثم تصوت وصوتها يذهب بالانتخابات لهذا الرئيس أو ذاك. الديمقراطية الحقيقية لا تأتي إلا إذا سبقها نقاش الأفراد والجماعات، بدون نقاش حر وحقيقي لا توجد ديمقراطية. وأنا أؤكد أنه لا يوجد مجتمع لا غربي ولا شرقي يجري فيه النقاش الحقيقي بحرية تامة بين أفراد، وليس بين تلفزيونات تتحكم ببعضها البعض كما نرى اليوم الإعلام.* أعمالك الجديدة؟* عندي أربعة خمسة كتب، أحاول أن يساعدني الوقت حتى أركز عليها، إن الله أعطاني مزيدا من العمر أرجو أن أصدرها في كتب.