د. عمر الرزاز رئيس  وزراء أردني “سابق” بإرث الأب ضاع بين الأمل والفشل

حجم الخط
0

الرزاز لم يكن الرئيس الضرورة بقدر ما كان الرئيس الصدفة

عمان-“القدس العربي”: قضى رئيس الوزراء الأردني السابق د. عمر الرزاز حوالي 27 شهرا رئيسا للحكومة بعد أن كلفه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تشكيل الحكومة في السادس من حزيران/يونيو سنة 2018 خلفا لحكومة د. هاني الملقي، وقبل الملك استقالة الرزاز في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بموجب الدستور الأردني الذي ينص على وجوب استقالة الحكومة التي يحل مجلس النواب في عهدها خلال أسبوع واحد فقط من تاريخ الحل.

وبين يوم التكليف ويوم الاستقالة بدت مرحلة الرزاز على مدى 27 شهرا وكأنها مجرد فلينة طافية على الماء في بحر عاصف تتقاذفها الأمواج فلا تقر على قرار، ولا ترى في الأفق مرسى تؤوي إليه لالتقاط أنفاسها، فقد ظلت حتى لحظتها الأخيرة وهي تدخل تجربة “حكومة تصريف الأعمال” هدفا مفتوحا أمام رماة السهام والناقدين والغاضبين والقليل من الراضين.

جاء د. عمر الرزاز من حكومة سلفه د. هاني الملقي وتحديدا من مقعد وزير التربية والتعليم الذي عرفه الأردنيون من خلال تلك الوزارة اللصيقة بالناس، وبعد أن ظهر للجمهور مصلحا تربويا يبحث عن أي طرق لإصلاح التعليم في الأردن.

ولربما جاء اسناد حقيبة التربية والتعليم إليه ليتعرف الرأي العام الأردني عليه ولتدريبه على استلام دفة القيادة لاحقا، وهذه سياسة انتهجها الملك حسين ابان حكمه، لكن المفارقة ان الرزاز نفسه جاء محمولا هذه المرة لرئاسة الوزراء وهو يحمل إرثا ثقيلا بدا واضحا لكل مراقب أن حمله أثقل من ان يحتمله ظهره النحيل.

حمل د. عمر الرزاز إرث والده المفكر القومي والقائد البعثي منيف الرزاز، وقبله الأردنيون على هذا الأساس ووضعوا صورة والده أمامه وجها لوجه وحاكموه على أساس المقاربة بين الولد والوالد، بل ان وسائل الإعلام الإلكترونية لجأت لإحياء سيرة الوالد لإحراج الرئيس الابن، وتلك كانت المعضلة الثانية التي واجهت الرزاز بعد معضلته الأولى وهي وراثة رئيسه هاني الملقي في ظرف اجتماعي وجماهيري ساخن جدا كان يبحث عن من يعمل على تبريده سريعا.

جاء عمر الرزاز وسط احتجاجات جماهيرية واسعة في شهر رمضان 2018 عبرت عن غضبها في جغرافيا الدوار الرابع بالقرب من مقر رئاسة الوزراء رافعة مطلب تغيير النهج السياسي ومحتجة على سياسات سلفه د. هاني الملقي، والمطالبة بإلغاء تعديلات الحكومة على قانون ضريبة الدخل خاصة بعد أن تحدى الرئيس الملقي الأردنيين وأعلن عن تمسكه بتلك التعديلات التي لا يمكنه التراجع عنها لالتزامه بها مع صندوق النقد الدولي ــ على حد قوله ــ الخ.

ظلت تلك الاحتجاجات تتوالى صعودا حتى تحولت إلى ليالي سمر رمضانية في مواجهة حكومة بدت في حينه أضعف من احتمال حفلات غناء يقيمها الشباب على أنغام العود يشكون فيها الفقر والبطالة ويعلنون احتجاجهم المدوي على حكومة قالوا عنها إنها لم تعد تمثل نفسها مطالبين بإقالتها وبتغيير نهج تشكيل الحكومات في الأردن.

ومن هذا الزحام الاحتجاجي خرج عمر الرزاز من رحم الحكومة المغضوب عليها، وقبله الأردنيون استنادا لإرث والده، ولتجربته في إدارة وزارة التربية، وانفض سامر الاحتجاجات وظهرت الدعوات تتبع بعضها بعضا بضرورة منح الرئيس الجديد خريج هارفارد الذي يحمل توجها إصلاحيا فرصة زمانية لاختبار ما يمكنه فعله، وتجاوب الرزاز مع تلك المطالب وأعلن بكل وضوح عن رغبته بالحصول على مهلة “عطوة” مدتها مئة يوم.

تلك هي المعضلة الأولى التي واجهت الرزاز في بواكير حكومته، وقبل أن يأخذ مركباته المحملة بالملفات الثقيلة ويقودها على سكة الإصلاح والتغيير وجد نفسه يعيد إنتاج تعديلات قانون ضريبة الدخل ويمررها لمجلس النواب ما أفقده الشعبية التي تمتع بها في بواكير عهده بالرئاسة، ومن هنا بدأت المعضلة الأولى أمام الرئيس الذي وجد نفسه أيضا غير قادر على تمرير وتسويق شعار “حكومة النهضة ” الذي وصف حكومته به، ليبقى هذا التوصيف عنوانا في نقد مفتوح ظل يلاحقه حتى بعد تقديم استقالته.

وعلى مدى رئاسته ظل د. عمر الرزاز يتأرجح بين مدى قدرته على تحقيق شعار “حكومة النهضة ” وبين الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المحلي في الأردن، فقد بدت التحديات التي تواجهه على صعيد الإصلاح الاقتصادي أقوى من أن تحتملها حكومته وطموحاتها وشعاراتها، ووجد نفسه وحكومته أمام تحديات تمتد وتحيط به من جميع الجهات، ولم ينقذه إجراءه أربعة تعديلات حكومية شارك فيها 52 وزيرا يرى الأردنيون فيهم أنهم شكلوا عبئا على موازنة الدولة وعلى جيوبهم.

ودخلت حكومة د. عمر الرزاز في أزمة محلية صاخبة كان لها أبرز التأثير في سمعة الحكومة ورئيسها حين دخلت في معركة كسر عظم مع نقابة المعلمين الأردنيين، أدت بالنتيجة لتعطيل المدارس الحكومية وحرمان أكثر من مليون ونصف مليون طالب وطالبة من التعليم لنحو شهرين قبل ان تستجيب الحكومة لمطالب المعلمين ويخرج الرئيس الرزاز معتذرا للمعلمين وللنقابة وللمواطنين ويوقع مع النقابة اتفاقية أدت بالنتيجة الى إظهار الحكومة وهي تجر هزيمتها أمام المعلمين وأمام ذوي الطلبة الذين آزروا غالبيتهم مطالب المعلمين ورفضوا الاستجابة لطلبات الحكومة المتكررة لإرسال أبنائهم إلى المدارس.

أظهرت أزمة المعلمين الحكومة أمام الرأي العام الأردني وهي في أدنى مستويات ضعفها وفشلها في إدارة تلك الأزمة، حتى وصل الأمر إلى الترويج الإعلامي في حينه أن القصر رفع الغطاء عن الحكومة وتركها وحيدة تعالج جراحها وفشلها تمهيدا لإقالتها.

ولم تلبث الحكومة نفسها وبعد أشهر معدودة ان وجدت نفسها أمام جائحة فيروس كورونا وجها لوجه، وبدت الإجراءات الوقائية والعلاجية التي اتخذتها لمحاصرة فيروس كوفيد-19 المستجد تؤثر سلبا على كل قطاعات الإنتاج والعمل في الأردن منذ إعلان قانون الدفاع في اذار/مارس الماضي وما تلاه من أوامر دفاع بلغت 18 أمرا دفاعيا أثرت جميعها على مداخيل المواطنين سلبا، ورفعت نسبة البطالة إلى مستويات عليا بلغت 23 في المئة، وارتفاع المديونية العامة إلى 32 مليار دينار مقارنة بـ 27.9 مليار دينار سنة 2018 مما يكشف ان حكومة د. عمر الرزاز حملت المديونية الأردنية 4 مليار دينار كديون خارجية وداخلية مخالفة بذلك كل وعودها التي التزمت بها بتخفيض عجز الموازنة ومعالجة ملف البطالة وفتح 100 ألف فرصة عمل أمام الشباب الأردني، والتوقف عن الدين الخارجي والداخلي وترشيد الاستهلاك والاعتماد على النفس، وتلك الأخيرة حوَّلها الأردنيون إلى موضوع سخرية من الحكومة بعد ان وصفوها بانها اعتمدت على جيوب المواطنين ومداخيلهم لدعم الموازنة.

وعلى مدى عهد حكومة الرزاز سجل الأردن سلسلة تراجعات في التصنيفات العالمية، وبموجب تقرير تقييم أداء الحكومة الذي أصدره مركز “راصد” الأردني فقد تراجع تصنيف الأردن  19 مرتبة في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية من المرتبة 98 عالميا عام 2018 إلى 117 في عام 2020. وتراجعت مرتبة الأردن من بين 180 دولة في العالم في مؤشر مدركات الفساد من 58 عالميا سنة 2018 إلى المرتبة 60  في عام2019 وتراجع الأردن في مؤشر النزاهة الحكومية من 51.9 في عام 2018 إلى 49.6 في عام 2020 وتراجع مؤشر حرية الأعمال التجارية من المرتبة 63 عام 2018 ليصل إلى 601 عام 2020 وانخفض مؤشر حرية العمل بشكل ملحوظ من 58.9 في العام 2018 إلى 52.5 في العام 2020.

انتهت حقبة حكومة د. عمر الرزاز بتحولها من حكومة قائمة إلى حكومة إدارة أعمال لعدة أيام بعد قبول العاهل الأردني استقالتها تمهيدا لتكليف رئيس جديد هو د. هاني الخصاونة في الوقت الذي ظلت حكومة الرزاز تشهد جدلا حول مدى دستورية بقائها كحكومة تسيير أعمال وهو ما لم ينص عليه الدستور الأردني.

لقد دخل د. الرزاز نادي الرؤساء الأردنيين في وقت لم يكن أحد فيه يتوقعه، وبدا وكأنه لم يكن الرئيس الضرورة بقدر ما كان الرئيس الصدفة أو الرئيس الحاجة، وأيا تكن التوصيفات التي ألصقت به وبحكومته على مدى 27 شهرا فقد ظل الرئيس الرزاز يعيش هاجس صورة الأب البعثي القومي، وصورة هاني الملقي السلف الذي أورثه كل مشاكله، وهو ما سيفعله الرئيس الرزاز بسلفه د. بشر الخصاونة الذي سيجد نفسه هو الآخر ينظر لصورة الأب القومي ولصورة سلفه الرزاز الذي أورثه خزائن من الملفات المفتوحة التي لم يستطع الرزاز فتحها أو معالجتها مضافا إليها كل خطايا مرحلته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية