د. محمد المقريف.. وقراءاته الرائدة للوثائق الامريكية والبريطانية:
الغربيون يكتبون وثائقهم عن بلادنا من الميدان.. ويأخذون معلوماتهم من مصادرها الحقيقيةيكتب الاعلام العربي كل عام عن وثائق الغرب ولا احد يهتم بوثائق وزارات الخارجية العربية!د. محمد المقريف.. وقراءاته الرائدة للوثائق الامريكية والبريطانية:محمود محمد الناكوع عندما يعمل الانسان في ميدانه الطبيعي يبدع ويضيف لحياته وتاريخه انجازات مهمة، كما انه يعطي ويضيف للآخرين أشياء مفيدة، وها هو الدكتور محمد يوسف المقريف يعود الي ميدانه الطبيعي، وهو ميدان الأستاذ الجامعي حيث القراءة والبحث والكتابة والنشر. لقد عكف المقريف عدة سنوات علي دراسة وترجمة كميات كبيرة من وثائق وزارتي الخارجية الامريكية والبريطانية الخاصة بليبيا وبدولتها الحديثة التي نالت استقلالها عام 1951، وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا علي علاقة وثيقة بكل الحكومات الليبية في العهد الملكي. وكشفت الوثائق التي جمعها المقريف عن دور تلك العلاقة وتأثيرها في كثير من السياسيين الليبيين، كما كشفت عن الاهتمام الذي تعطيه واشنطن ولندن لما يجري في ليبيا من احداث وصراعات علي جميع المستويات الحكومية والادارية والعسكرية والنقابية والطلابية والشعبية بصورة عامة، كذلك كشفت عن بدائية وضعف وطمع كثير من المسؤولين الليبيين ومنهم من كان يتطوع ويسهب في اعطاء المعلومات الي موظفي السفارتين وثقت تلك التقارير الدبلوماسية لمواقف عدد كبير من اعضاء مجلس النواب، ولعدد من السياسيين والصحافيين الذين دافعوا بقوة عن مصالح الشعب الليبي. ان اربعة مجلدات قد صدرت حتي الآن تحت عنوان ليبيا بين الحاضر والمستقبل صفحات من التاريخ السياسي هي من عمل وجهد شخص واحد يساعده عدد قليل من الاصدقاء في بعض جوانب العمل، وهو جهد تقوم به عادة مؤسسات ومراكز بحوث يعمل فيها العشرات من الباحثين المتفرغين. وهو جهد يدل علي همة وارادة وحب للعمل. وقد وصف الدكتور نقولا زيادة هذا العمل بانه (حري بالنشر، وليكن مفصلا وطويلا، فما يتاح لليبيا كل يوم ان يعني بها كاتب له هذا الصبر والجلد وعنده هذه المقدرة علي التصنيف والدربة علي الكتابة والوضوح في الأسلوب. وآخر تلك المجلدات صدر قبل بضعة اسابيع، وهو المجلد الرابع: الحقبة النفطية 1963/1969 وهي حقبة مهمة، ومن اهم حكوماتها حكومة الدكتور محيي الدين فكيني 1963 اذار (مارس) 1964 كانون الثاني (يناير) واستمرت لمدة عشرة شهور فقط، ولكنها فترة مليئة بالتطورات الدستورية، والقانونية، والسياسية، والبرلمانية، والاعلامية. اهم مبحث في المجلد الرابع هو حكومة فكيني وقد وصفها المؤلف في عنوان رئيسي بانها تمثل بداية واعدة، فالرجل له مؤهلات علمية جيدة وتقلد وظائف عدة في الدولة تنفيذية ودبلوماسية، وكان يتطلع باندفاع وحماس الي دفع حركة التطور في البلاد بسرعة ربما لا تتناسب مع الوسط السياسي والاداري الذي تعيشه الــــبلاد، وقد ظهر ذلك في انتخاب رئيس مجلس النواب اثناء انعقاده في مدينة البيضاء حيث انقسم المجلس بين مجموعة تؤيد مفتاح عريقيـــــب ومجموعة اخري تؤيد محمد عثمان الصيد رئيس الحكومة السابقة والذي اعتبر نفسه زعيما للمعارضة البرلمانية، وهو امر لم يقبله فكيني بسهولة، كما انه اصطدم مع عدد من كبار المسؤولين من بينهم محمود ابوقويطين قائد قوات دفاع برقة. وعلي جبهة اخري استقبلت حكومة فكيني استقبالا حافلا ومرحبا وخاصة في اوساط الشباب والتيارات الوطنية والنخب المتعلمة وذات الحماس الوطني والقومي، وانعكس ذلك الترحيب في الصحافة المستقلة، وعدد من اعضاء البرلمان ومعظم المثقفين: المجلد الرابع ص 169، وذهبت الوثائق البريطانية الي ان تعيين فكيني رئيسا لمجلس الوزراء، وتعيين سيف النصر عبد الجليل وزيرا للدفاع يشكل انتصارا حقيقيا للبوصيري الشلحي وجماعته ص 170.من بين الشخصيات البرلمانية التي تبنت المطالب الوطنية وخاصة تصفية القواعد الأجنبية وهي قواعد بريطانية وامريكية، علي مصطفي المصراتي، عبد المولي لنقي، الشيخ محمود صبحي، بشير المغيربي ومحمد بوصاع الزنتاني وآخرون.الوثائق تعطي للقارئ صورة عن كيف يفكر ويعمل الدبلوماسي الامريكي أو البريطاني، فهو يبحث عن المعلومات من مصادر عدة منها مصادر بشرية وبشكل شخصي ومباشر، فهم يلتقون مثلا مع بشير المغيربي لمعرفة رأيه فيما يدور في البلاد من احداث وتطورات وخاصة اثناء الأزمات، وهم يلتقون مع ولي العهد، ويلتقون مع رؤساء الحكومات ومع رؤساء مجالس النواب، ويقرأون الصحف بعناية فائقة، ثم يعلقون علي حصاد معلوماتهم واحيانا يقترحون علي حكوماتهم بعض الاقتراحات.ويبدو واضحا انهم لا يكتبون تقاريرهم من المكاتب، ولا يملأون الاوراق من صنع خيالهم ـ كما يفعل بعض موظفي السفارات العربية ـ ومن اللافت ان جل الصحف العربية وخاصة الصادرة في الغرب تتناول سنويا جوانب من الوثائق الغربية المفرج عنها بينما لا نلاحظ وجود اي اهتمام بالوثائق المكدسة في مباني وزارات الخارجية العربية، ولا شك انه يهمنا ان نعرف كيف كانت تكتب تقارير السفارات العربية في ليبيا عن تلك المراحل من تاريخ ليبيا، ولعل الظروف تسمح لقلم آخر من الاقلام الليبية بالقيام بالكشف عما فيها من معلومات.ان هذه المجلدات وما تعكسه من عناية بترجمة الوثائق الامريكية والبريطانية جعلت الأخ الدكتور محمد يوسف المقريف رائدا مبادرا في هذا الميدان، وهذا العمل جدير بان يعطيه رمزية وطنية خاصة إذ حافظ علي نهج وموضوعية الباحث المؤرخ الذي تهمه الحقيقة مع السند الوثائقي الذي يعزز بحوثه وصياغته للأحداث، ولا بد ان هذه المجلدات ستخضع يوما ما لكثير من الدراسة والنقد من طرف مؤرخين ليبيين متخصصين. لم اكتب هذه المقالة القصيرة كنوع من المراجعة او الدراسة للمجلد الرابع الذي وصلني قريبا، ولكن اردت من هذه المقالة توجيه تحية تقدير وثناء لهذا الجهد وما يعنيه لكل مهتم بالحراك العلمي والفكري والثقافي في زمن كثر فيه الزبد والقش والرماد، وقلت فيه الدرر والأعمال المتميزة. فهنيئا لأخي محمد المقريف بهذا الانجاز، وهنيئا لكل كاتب وباحث ليبي يكرس بعضا من وقته وجهده وماله لنشر اعمال رائدة علي طريق تعميق الوعي الوطني، وعلي طريق فكري نهضوي يصحح الأخطاء، ويرسم معالم جديدة لمستقبل جديد في وطن يتسع للجميع. كاتب ليبي يقيم في بريطانيا7