دبلوماسيون أجانب يُطالبون تل أبيب بعدم إيفاد بيريس للجمعيّة العامّة خشية تسليط الضوء على تدني مكانة إسرائيل وسيلفا كير يرفض طلب هنيّة ومشعل عدم الاعتراف بإسرائيلالناصرة-“القدس العربي”- من زهير أندراوس: تواصل الدولة العبريّة تحضيراتها على كافة الأصعدة والمجالات استعدادًا لمواجهة الطلب الفلسطينيّ، الذي سيُقدّم إلى الأمم المتحدة في العشرين من شهر أيلول (سبتمبر) الجاري للإعلان عن الدولة الفلسطينيّة في حدود ما قبل عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967، فعلى الصعيد السياسيّ قرر رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، إيفاد رئيس الدولة العبريّة شيمعون بيريس إلى الأمم المتحدّة لتمثيل تل أبيب مكانه، إلا أنّ التقارير الإسرائيليّة أفادت أمس أنّ عددًا من الدبلوماسيين الأجانب، الذين يؤيدون الدولة العبريّة، طلبوا من الجهات ذات الصلة عدم إيفاد بيريس لإلقاء خطاب في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر)، وبحسب الدبلوماسيين أنفسهم فإنّ تكليف بيريس بهذه المهمة سيؤدي إلى نتائج عكسيّة، خلافًا لما تسعى إليه تل أبيب. وتأتي هذه التصريحات في أعقاب تصريحات مسؤولين في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بحسبها فإنّ بنيامين نتانياهو يميل إلى عدم المشاركة في الجمعية العامة، وإلى إيفاد بيريس بدلاً منه لتمثيل إسرائيل. وساقت التقارير الإسرائيليّة إنّ الدبلوماسيين في نيويورك أكدوا أيضًا على أنّ تواجد الرئيس الإسرائيلي في أروقة الأمم المتحدة بينما يعرض الفلسطينيون مبادرتهم للاعتراف بالدولة سوف يرفع من شأن المسعى الفلسطيني، كما يزيد من الأهمية الرمزية لإعلان الاستقلال، على حد تعبيرهم. وتؤكد التقديرات إلى أنّ وجود رئيس الدولة العبريّة في الأمم المتحدّة في أوج موجة التأييد والدعم العالمي للفلسطينيين سيكشف أكثر ويسلط الأضواء على المكانة المتدنية لإسرائيل في الأمم المتحدة بكل ما يتصل بالصراع. وأضاف الدبلوماسيون أن بيرس لا يستطيع أن يغير حجم الدعم المضمون للمسعى الفلسطيني في الجمعية العامة.
وتابعت المصادر ذاتها أن بيرس كرئيس يعتبر جزءا لا يتجزأ من السلطة الحالية في إسرائيل، ولذلك فهو مسؤول عن الجمود المتواصل في ما أسمته المصادر نفسها بالعملية السياسية بنظر المجتمع الدولي، وبالتالي فإن قلة ستولي أهمية سياسية أو إعلامية لما سيقوله. ونصح الدبلوماسيون إسرائيل بالحفاظ على مستوى دبلوماسي منخفض في جلسة الجمعية العامة الحالية، والاكتفاء بكلمة مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، رون بروسأور، الذي كان قد حذّر في برقيّة سريّة وجهها قبل عدّة أيام إلى وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة في تل أبيب من هزيمة دبلوماسيّة للدولة العبريّة في التصويت على المطلب الفلسطينيّ بالاعتراف بالدولة المستقلّة.
في سياق متصل، قال رئيس جنوب السودان سيلفا كير، كما أفادت صحيفة (معاريف) العبريّة، إنّ رئيس الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة، إسماعيل هنية، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، طلبا منه عدم إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وأشارت الصحيفة إلى أنّ سيلفا كير كان قد أكد ذلك في حديثه مع عضو الكنيست داني دنون (الليكود) الذي يقوم بزيارة إلى جنوب السودان. وقال رئيس جنوب السودان إنّه رفض طلب هنية ومشعل، وقال لهما إنّ هناك سفارات إسرائيلية في الأردن ومصر، كما أن جنوب السودان ليست دولة عربية. وأعلن سيلفا كير أنه ستتم قريبا إقامة سفارة لجنوب السودان في إسرائيل، وقال إنه يرحب بدعوته لزيارة إسرائيل بشكل رسمي.
وتأتي زيارة دنون إلى جنوب السودان بهدف تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وحل مشكلة اللاجئين السودانيين في البلاد، كما قالت الصحيفة. يُشار إلى أنّ الحكومة الإسرائيليّة اعترفت بجنوب السودان مباشرة بعد الإعلان عن تأسيسها. وقال الباحث الفلسطينيّ، د. محمود محارب، المحاضر في جامعة “القدس العربي”ّة للقدس العربيّ إنّ الشقوق والانقسامات الكثيرة في السودان والصراعات على السلطة التي احتدمت فيه، وخاصة في شماله، من دون أن تتطور أو تتبلور آليات لحل هذه الصراعات والتناقضات على أرضية وطنية، فتحت الباب أمام التدخّل الإسرائيلي في السودان. وفي كلّ مرحلة من مراحل التدخّل الإسرائيلي في السودان، جيرت إسرائيل تدخّلها لخدمة أهدافها الإستراتيجية لقاء تقديمها المال أو الرّشى للنّخب السودانية الشّمالية التي تعاملت مع إسرائيل. ففي الخمسينيات من القرن العشرين، قال د. محارب، أسّست إسرائيل هذا التدخّل على أرضية العمل ضدّ مصر بقيادة عبد الناصر. وقد قطع قادة حزب الأمّة السوداني في تلك الفترة شوطاً طويلاً في هذا التّحالف مع إسرائيل ضدّ مصر، قبل العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 وفي أثنائه وبعده.
وفي أواخر السبعينيات والنصف الأول من الثمانينيات، أقامت إسرائيل علاقات قويّة بالرئيس السوداني جعفر النميري ونظامه، إلى درجة سماح النميري لإسرائيل ليس بتهجير عشرات آلاف اليهود الفلاشا من الأراضي السودانية إلى إسرائيل فحسب، وإنما سماحه بإقامة قاعدة لجهاز المخابرات الإسرائيليّة (الموساد) في الخرطوم أيضاً. أمّا في شأن دعم إسرائيل لحركة التمرّد في جنوب السودان فإنّها أخضعت هذا الدعم لمصلحتها. فعندما كان دعم التمرّد يخدمها، كما كان الأمر عليه في أواخر الستّينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، أو لاحقاً في التسعينيات، فإنّها دعمته؛ ولكن عندما كان هذا الأمر لا يخدمها، لوجود خادم لها في رأس السّلطة في السودان، كما كان الوضع عليه في أواخر السّبعينيات وحتى منتصف الثّمانينيات، فإنّ إسرائيل أبتْ أن تقدّم الدعم للتمرّد في جنوب السودان.
وأوضح الباحث د. محارب أنّه لا تزال الملفات المتعلّقة بالتدخّل الإسرائيلي في جنوب السودان في تلك المرحلة محكمة الإغلاق في الأرشيف الإسرائيلي، ولكن جوزيف لاغو، قائد حركة ‘أنيانيا’ التي قادت حركة التمرّد في جنوب السودان في تلك الفترة، كشف في مقابلة له مع صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية، النّقاب عن خلفيات التدخّل الإسرائيلي وبداياته وأبعاده في دعم التمرّد في جنوب السودان في تلك الفترة، ويتّضح من هذه المقابلة أنّ جوزيف لاغو زار إسرائيل واجتمع إلى غولدا مئير، وأشار لاغو في المقابلة إلى أنّ إسرائيل لم تزوّد حركة ‘أنيانيا’ بأسلحة مصنوعة في إسرائيل أو أسلحة غربيّة حديثة، كي لا يتمّ كشف مساعدتها لتمرّد جنوب السودان. ومع بداية وصول شحنات الأسلحة الإسرائيلية إلى جنوب السودان، وصل أيضاً مستشارون عسكريّون إسرائيليون وانضمّوا إلى قواعد المتمرّدين. وذكر جوزيف لاغو أنّ السّلاح الذي حصلت عليه حركة ‘أنيانيا’ من إسرائيل غيّر موازين القوى وعزّز مكانة الحركة، وبات يحسب حسابها في الصّراع.