د. مراد وهبة ‘ديوجين مصر’ وحوار حول: الفلسفة والثورة ورجل الشارع

حجم الخط
1

صلاح بيصار اذا كان هناك تعبير شهير يقول: الرجل هو الاسلوب.. فيعد الفيلسوف مراد وهبة بفكره اسلوبا خاصا ونسقا في التفكير يخرج على الاطر والانماط المتعارف عليها والصور الجاهزة المحفوظة والمكررة.. اسلوب يعتمد على اعمال العقل لا النقل.. يجعل الفلسفة تنحاز لرجل الشارع.. مع افكاره التي تهفو دائما الى التغيير.. وهي افكارتسير في ركب الثورة العلمية والتكنولوجية، تنسف الجسر المصطنع بين مجتمع الصفوة او النخبة الثقافية والجماهير حتى يصبح الكل نخبة او الكل جماهير ‘بتعبيره’.. وما اشبهه بديوجين فيلسوف الاغريق الذي ظل حاملا مصباحه يجوب به الدروب.. من اجل هدم القيم السلبية وبناء مجتمع افضل.. ومن هنا يقولون عنه انه اخطر رجل في الفلسفة والبعض يقول انه افسد الفلسفة لانه صاحب تلاحم الفلسفة برجل الشارع!!. ومراد وهبة استاذ الفلسفة بجامعة عين شمس صاحب عديد من الكتب تمثل علامات في التنوير من بينها: ‘جرثومة التخلف’ والاصولية والعلمانية ‘.. مع كتابه ‘ فلسفة الابداع ‘ الذي يمثل اضاءة على الابتكار والتفرد وهو كتاب يفسرالابداع على انه الدهشة التي تعد ام الفلسفة.. يضيف تراكما للثقافة والتراث الانساني.. ومن هنا جاء حوارنا معه بمثابة خريطة لطريق الفكر والفن والثقافة خاصة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير.

معنى الثقافة الجماهيرية يقول: اهتمامي بالثقافة الجماهيرية يجعلني اؤكد بانه يجب اضافة الجماهيرية الى وزارة الثقافة.. فالسمة الاساسية للثورة العلمية والتكنولوجية الحادثة الان هي سمة الجماهيرية بحكم ان المصطلحات التي تولدت عن هذةه الثورة تحمل هذا اللفظ.. فنقول انتاج جماهيري ووسائل اتصال جماهيرية ومجتمع جماهيري وانسان جماهيري والذي من المفترض ان يكون رجل الشارع.. وثقافة جماهيرية تمثل عمق الثقافة ومن هنا لا تنمية بدون ثقافة جماهيرية حقيقية ومستنيرة.*دور المثقف *واذا كانت هناك ثلاث سلطات ‘السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية وقد اضيفت لهذه السلطات السلطة الرابعة وهي سلطة الصحافة الا ان هناك سلطة خامسة وهي السلطة الثقافية التي تعد لأهميتها اولى هذه السلطات واذا رجعنا الى ما يحدث من تغيير في المجتمعات سواء اكان جذريا او تدريجيا فهو لم يتم الا بالمثقفين والسلطة الثقافية.*وماذا عن ثورة 25 من يناير ودور المثقف المصري؟*الوضع القائم حاليا في ازمة.. مشكلة 25 من يناير.. كان هناك ازمة الشباب شعر بها.. فجأة قاموا بالتغيير وحدهم بدون المثقفين.. ومن هنا ضاعت الرؤية المستقبلية من الشباب.. وانا الوم المثقفين فهذه هي مهمتهم.. والترنح الحادث حاليا والذي نحن فيه الان هو تخلي المثقف عن تقديم رؤية مستقبلية.. وهنا يبدو لنا اما عاجزا او جبانا.

وهناك عبارة قلتها في زمن مبارك.. وفي ظل تلك الظروف التي كانت جاثمة على صدر المجتمع ان اكبر فئة خائنة هي طبقة المثقفين.. وكنت شاعرا ان هناك ازمة والمثقفون في تلاه وحالة من السكونية.*ومهمة الفيلسوف؟ *ينبغي على الفيلسوف ان يكون متفاعلا مع المجتمع.. وهناك نوعان من الفلاسفة: فيلسوف يحافظ على الوضع القائم واخر يريد ان يغيره باحضار وضع قادم وهذا حدث في الثلاث ثورات العالمية من قبل: الثورة الفرنسية والثورة الانجليزية والثورة الامريكية.*وما السر في هذا الالتباس الموجود حاليا والمفروض ان تسود الروح الديمقراطية من اجل انجاح هذه الثورة التي اشاد بها العالم؟.*سبب هذا الالتباس انه قد نشأ مع نشأة الاصوليات على وجه التحديد ابتداء من عام 1909 حين صدرت مجموعة من الكتيبات من فئة بروتستانتية.. طبع منها ملايين النسخ ووزعت على رجال دين وشباب ومثقفين.. وهذه الكتيبات نشرت من عام صدورها حتى عام 1915 واهم ما جاء فيها: إبطال إعمال العقل في النص الديني والالتزام بحرفية النص وعلى سبيل المثال اذا قيل ان الله قد خلق العالم في ستة ايام واستراح في اليوم السابع.. ضد نظرية التطور التي تقول ان العالم خلق في ملايين السنين.. الاصولية المسيحية هنا كانت ضد النظريات العلمية التي لاتلتزم بحرفية النص الديني.. وهنا منع استخدام التأويل في النص الديني.

وبعد انتشار الاصولية المسيحية ابتداء من عام 1909 بدأت الاصولية الاسلامية بنشأة الاخوان المسلمين، لذا نجد نفس الاتجاه ونفس المفهوم عند الاصوليين المسلمين اقصد الاخوان المسلمين.. وهو نفسه عند اليهود ايضا.

ونجد 3 مجلدات عن الاصوليات في العالم تروج للفكر الاصولي.*تهوية العقل *وفي عام 1988 عقدت ندوة دولية في المؤتمر العالمي للفلاسفة الذي كان منعقدا في برايتون بانكلترا.. وكان عنوان الندوة ‘الاصولية والعلمانية’ في الشرق الاوسط وفي نفس العام قررت الاكاديمية الامريكية للعلوم والاداب منح جامعة شيكاغو نحو 2 ونصف مليون دولار لدراسة ظاهرة الاصوليات الدينية في العالم وصدرت في خمس مجلدات وذلك من اجل فك طلاسم تلك الظاهرة.. ظاهرة الالتباس الديني من ظهور الاصوليات والتي تجعل التفكير في النسبي بما هو مطلق وليس بما هو نسبي اي نضع النسبي في اطار مطلق وهذا يؤدي الى سكونية الحياة والجمود والاستمرار في انعدام التغيير ومنع المجتمع من التطور.. والاصولية تجعل المجتمع يصاب بالعقم الفكري او العقم العقلي، فمنهاج الاصوليين ابطال العقل والعمل بالنص الديني.. ولقد اوضح ديكارت بان هناك افكارا غامضة يجب التخلص منها واعمال الفكر من آن لاخر مثل التخلص من الكراكيب في المنزل وتغيير الاثاث من ان لاخر اوتهويته وكذلك العقل.

وعلى عكس ذلك افكار العلمانية التي تجعل من التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق.. مثل تنظيم الاسرة وهنا نضع المسألة في اطار الاصولية ونقيضها العلمانية وبهذا نزيل الالتباس وتصبح المعركة في المجتمع المصري واضحة وهذا يجعل القضية ليست بين مدني وديني من الفاظ وهمية بلا معنى.. لان الاصولية ليست هي الدين في جوهره الحقيقي.*واين رجل الشارع البسيط من كل هذا؟* من بين التهم التي وجهت لسقراط انه يفسد عقول الشباب واثناء محاكمته خيروه بين امرين اما ان يكف ويمتنع عن محاورة رجل الشارع او يعدم لكن سقراط اصر على التلاحم والتحاور فلسفيا مع رجل الشارع فأعدم وقال في عبارة مهمة: الفيلسوف يستطيع ان يعبر عن افكاره كما يشاء ولا يستطيع ان يمسه احد ولكن اذا عرفت الجماهير ووعت ما يقول فالسلطة لن ترحمه.

وعندما التفت الى هذه الظاهرة.. ظاهرة اقتراب رجل الشارع او ابتعاده عن الفلاسفة.. فكرت في عقد مؤتمر تحت عنوان ‘الفلسفة ورجل الشارع’ ليكون المحك الحقيقي للتفاعل.. كان ذلك في نوفمبر من عام 1983 وقد دعيت كبار الفلاسفة الدوليين لتحقيق هذا.. وفوجئت بالصحافي المعروف محمود فوزي يحضر المؤتمر ومعه رجل يعد بمثابة رجل الشارع.. رجل بائع على عربة بطاطا وتم الحوار معه بأسلوب بسيط ولكن الرجل في البداية رفض الحوار بدعوى عدم جدوى التغيير وانه نوع من الوهم لان ‘المكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين ‘.. ورغم هذا قلت له: انت تعرف يعني ايه فيلسوف؟.. فرد: في البلد بنسميه ابو العريف.. قلت عندك مانع يا ابو العريف نتكلم معاك.. انا عندي سؤال ليك؟.. قال انا عندي خمسة اولاد ومش قادر اصرف عليهم.. اضفت: ممكن نحاول نعالج المشكلة.. قال: ‘مرة اخرى مازلت اكررالمكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين.. انا في الطبقة بتاعتي وسأظل افضل فيها كما قال الدين’. بعد حوالى ثلاثة ارباع ساعة.. فاجأنا وقال: انا عايز اغير حياتي!!. الان المحاورة تتم بين الفلاسفة ورجل الشارع ولكن الوسيلة تغيرت:

السوق التكنولوجية هي التي تدير الاشياء.. والفضائيات هنا اخطر شيء.. اما ان تنير رجل الشارع عن طريق الفضائيات واما ان تبتعد عنه فننزلق الى عصور مظلمة. وكانت امنيتي ان تنفتح كل وسائل الاعلام على اعمال هذا المؤتمر ولكن حدث العكس، فقد كرست صحيفة ‘الاهرام’ العديد من الاقلام لمهاجمة المؤتمر وابدت مخاوفها من بث قيم غريبة لرجل الشارع.. وانتهت المقالات بمقالة شهيرة للمفكر زكي نجيب محمود موجزها انني ذبحت الفلسفة وعرضتها لخطر رجل الشارع.. واضاف ان الفلسفة في هذا الاطار في خطر مثلما تم قتل الفيلسوفة هيباتيا من قبل وذلك لخطورة التحام الفلسفة برجل الشارع.. الفلسفة هي كل العلوم بل وام العلوم ولديها القدرة الحقيقية على التغيير.*بيكاسو وازمة العصر *واذا كان الشارع في اوروبا يمثل متحفا للمتعة وليس للعذاب كما في واقعنا.. يتألق بفن البيرفورمانس ‘الأداء’ مع النوافير والزهور.. فهل ذلك له علاقة بالفلسفة.

بالطبع فمن بين اسباب انهيار الانسان هنا.. انهيار الحس البصري والسمعي وهذا يتطلب اعادة تأهيل.. فالذوق البصري والسمعي في الاساس ذوق عقلي لان الانسان حيوان عاقل وبدلا من ان الجماهير حاليا تتذوق التفسيرات العقلية والتفلسف.. تتذوق الجهل.. وتتذوق التعتيم.. وهذا التذوق اظن انه نما وترعرع بفضل القنوات الفضائية، وهي موجهة للجماهير لرجل الشارع اكثر مما هي موجهة للمثقف.. فإذا انت انحرفت بالذوق العقلي فأنت تنحرف بالذوق البصري والذوق السمعي.. يعني ببساطة الذوق نفسه وراه تفلسف.. الفنان وراه تفلسف واذا لم يع ذلك يكون عاجزا عن احداث التغيير في عقل المشاهد.

على سبيل المثال بيكاسو كان بيرسم صورا مشوهة ولكن كان وراءها فلسفة.. كان يجسد حالة من الشيزوفرينيا التي تعكس ازمة العصر الحديث بشكل عام وما يعاني من تمزق وانفصام.. وهذا يعني المعنى الحقيقي للفلسفة او فلسفة الفن بشكل خاص.. وانا ارى انه لابد على الاساتذة بكليات الفنون الجميلة والتطبيقية والذين يقومون بتوصيل الفن ان يكونوا على وعي بالتفلسف الكامن في الفن.. والمثّال عندما يقدم عملا فنيا في صورة تمثال فلابد انه يعني فكرة والفكرة هنا تهدف الى تغيير الواقع.. فمع الجانب الذاتي للفن لاايجب على الفنان ان يكون خارج المجتمع.. يعني لو فيه لوحة تجريدية لابد ان اعرف ما وراءها من فلسفة.. واذا اراد الفنان ان يقول هذا حقي في التعبير فهو حر فيما يريد.. ولكن اين هنا مسؤوليته تجاه المجتمع.. وانا اتصور ان تذوق الحياة يحتاج الى فلسفة فن الحياة واذا اردنا فلسفة حقيقية للحياة لا بد ان نجعل للفن مفهوما اوسع.

يضيف مراد وهبة: من الخطأ ان يكون الجمال ضرب من الرفاهية والمهم البحث عن لقمة العيش وللاسف كانت الدولة او الحكومة السابقة على الثورة تلهي الشعب في رغيف العيش والزيت دون ان تحاول او تفكر في اسعاده.. وليتها كانت تريد توصيل رغيف العيش للجماهير بشكل صادق وحقيقي.. فهذا يجعلنا نقول انها كانت تنتمي الى السمة الجماهيرية في الثورة العلمية والتكنولوجية، ولكنها لم تكن للاسف حكومة جماهيرية، وهناك مؤشرات تؤكد هذا الانحطاط الذي كان يحدث وهو غلق جملة المكتبات التي كانت تستورد كتبا من الخارج واستبدال ذلك بمحال لبيع الاحذية وهذا في النهاية ما ادى الى ثورة الشباب تلك الثورة الجماهيرية والتي جعلت من يريد الحكم يذهب الى ميدان التحرير!!. انتقلنا مع فكر الفيلسوف مراد وهبة للحديث حول الفلسفة الاسلامية خاصة وهو المؤسس ورئيس ‘الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير عام 1994’ وصيغة العلاقة التي ينبغي ان تكون بين الشرق والغرب من حوار خاصة بعد تلك التداعيات التي تعكس لصدام الحضارات.

يقول: ظاهرة الحضارة الاسلامية هي ظاهرة الاجماع.. الاجماع يمنع التفلسف بمعنى اخر ضد الفلسفة.. والخروج على الاجماع كفر.. والجامعة العربية ماتت لان فيها بندا يأخذ بالاجماع وهي تنظر في القضايا العامة.. والرئيس السادات عندما خرج على الاجماع طرد منها.. من الجامعة العربية.

وابن رشد كانت محنته في العبارات التالية:

لا اجماع مع التأويل.. ولا تكفير مع التأويل ولا تأويل مع الاجماع.

وهناك مثال على عظمة ابن رشد في التأكيد على قيمة العقل البشري.. ففي القرن الثالث عشر عندما رغب فريدريك الثاني ان ينسف الحق الالهي للحاكم في الالتحام مع النظام الاقطاعي.. كانت السلطة الثقافية هي المحرك لهذا المطلب، فقد اشار الفلاسفة وقتها عليه بترجمة مؤلفات ابن رشد وقالوا له في ذلك الوقت ان تلك المؤلفات قادرة على احداث هذا التغيير.

وابن رشد صاحب كتاب ‘فصل المقال وتفصيل ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال قال: ‘انه يجب علينا ان نستعين بما قاله لنا القدماء سواء اكانوا مشاركين لنا في الملة او غير مشاركين’ وهو يقصد بغير المشاركين فلاسفة اليونان.

فإذا اراد العالم الاسلامي ان يستأنف التقدم فعليه ان يتخذ من ابن رشد جسرا للعبور الى اوروبا المستنيرة.. وفي عام 1990 عندما كنت مدعوا في مؤتمر فلسفي ببروكسل ببلجيكا عرضت على المشاركين فكرة هذا الجسر فقوبلت بالموافقة مع الاقتراح بعقد مؤتمر فلسفي دولي بالقاهرة وتم ذلك بتدعيم من امين عام الامم المتحدة والاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية والجامعة العربية.

وفي النهاية اقول ان على الرئيس الامريكي اوباما اصدار مرسوم بتاكيد هذا الجسر اذا اراد سلاما بين العالم الاسلامي وامريكا والغرب عموما.***والمفكر الفيلسوف د.

مراد وهبة عضو في مجموعة من الاكاديميات والمنظمات الدولية المعروفة والمرموقة واسمه مذكور في موسوعة الشخصيات العالمة حيث يعتبر من بين الـ 500 شخصية الاكثر شهرة في العالم.. وهو مولود في عام 1926 في مدينة اسيوط ودرس الفلسفة في جامعات القاهرة وعين شمس ونال الدكتوراة من جامعة الاسكندرية.. ومن بين مؤلفاته العديدة ‘ مستقبل الاخلاق 1997 ‘ و’ ملاك الحقيقة المطلقة 1998 ‘ و’ الاصولية والعلمانية ‘.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية