حين يكتب أحدنا محللاً أو معلقاً على تصريحٍ أو حديثٍ يصدر عن الرئيس ومؤسسة الرئاسة أو أجهزة النظام، فإنه إنما يقصد من ذلك استشفاف توجهات ذلك الرئيس ورؤيته، وتصور مجموعته أو حزبه ومن يتحالف معه من القوى، أما في حالة د. مرسي فإن الأمر أصعب من ذلك بكثير، فـ’تحليل الخطاب’ يفترض وجود خطابٍ متسق، فكيف لمراقبٍ إذن أن يتناول أحاديث ومواعظ د.مرسي (ما شاء الله ما أكثرها وأطولها) ورجالات حزبه وجماعته بالتحليل في غيبة خطابٍ من الأساس؟!
لا يعنى ذلك البتة أن جماعة الحكم لا توجهات لها؛ غاية ما هنالك أن الباحث عنها يتعين عليه ألا يلتفت طويلاً ولا يعبأ كثيراً بسيل الأحاديث والتصريحات الغامضة أحياناً، والمتضاربة في أغلب الأوقات، وتماشياً مع نظرية ‘الأعمال لا الأقوال’ يغدو التركيز أولاً على التحركات المختلسة والتغييرات الإدارية أقرب الطرق وأعلاها مردوداً في فهم مرامي الجماعة، ورصد محاولات التغلغل من قبلها في هيكل الدولة وخلاياه العصبية، فعلى هذا الصعيد تتحرك الجماعة بصورة حثيثة وغريزية في مشروع ‘التمكين’، الذي صار سراً مفضوحاً معلناً، تماماً كالخطة السرية للتعامل مع اثيوبيا ومحطة المطار السري.
من ناحيةٍ أخرى، ولما كنت أكتب هذا المقال بصدد حديث د. مرسي لأنصاره ومريديه الذي تصور أنه فجر فيه قنبلة ‘إغلاق سفارة سورية وإعلان القطيعة مع ذاك النظام، فإنني أبادر بالرد على أي سؤالٍ قد يثور هنا من نوعية: هل معنى ذلك ألا نلتفت مطلقاً إلى درر د. مرسي والنفائس التي يتحفنا بها سائر وجهاء الجماعة ورموزها؟ لأجيب مسرعاً وبحرارة: على العكس من ذلك تماماً، بل إنني ألفت الانتباه إلى أن قيمة تصريحاتهم الأساسية تكمن في النفاذ من تشتتها وتضــــاربها وعفويتها وفوضاها إلى مغازي أعمق تتعلق بنشأة وأسلوب وبنية التنظــــيم، أجزم بأنها لا تخطر على بال أحدهم وهو ينزلق متحدثاً على هواه، فهي تربط حاضرهم بماضيهم وتكشف التناقض الصارخ بين ما يقولون وما يفعلون.
والحقيقية أن المشكلة في كون الجماعة، فيما خلا الاستحواذ على السلطة، ليس لها مشروع آخر… وما التضاد في التصريحات بين المعلن والمنفذ سراً بالجديد، بل هو قديم قدم التنظيم، فمن ناحية يذهب الشيخ حسن البنا أو المستشار حسن الهضيبي رحمهما الله لتوقيع اسميهما (كلٌ على حدا وفي زمانٍ مختلف بالطبع) في سجل التشريفات في القصر الملكي، بينما الجهاز السري ينمو ويتشعب ويتغول ويخطط أفراده لعمليات اغتيال الشخصيات السياسية، بل وبعض أعضاء الجهاز نفسه في وقتٍ لاحق.. كلام للعامة، سواءً أكانوا من أعضاء الجماعة أو المتعاطفين معها أو الجمهور الأوسع في الظرف الراهن، كلامٌ وردي فضفاض وجميل من نوعية جبر الخواطر وتأليف قلوب شعبٍ متدين يخشى معصية الله ومخالفة الدين، وكلامٌ للخاصة في الدوائر الضيقة وخاصة الخاصة في الجهاز السري والميليشيات، والعبرة دائماً (كما هي الحال الآن) بالفعل الأصدق أنباءً من أحاديث الوعظ وزوايا القرى. أما في ما يتعلق بالضحالة الفكرية، فلها حديثٌ ومجالٌ آخر… ولكن يكفينا هنا التذكير بأن التنظيم الأضخم في مصر ليست له نظرية متسقة، وإنما محض خليطٍ من مفاهيم عامة وجمل وشعارات حماسية تستثير الحمية الدينية دائماً والوطنية في أحيانٍ أقل، وهذه وتلك تتغذى من معين السخط الاجتماعي والغضب والشعور بالإهانة من المستعمر السابق والمحتل، أو الغرب عموماً الأكثر تقدماً بطريقةٍ جارحة واستعلائية. إن الجماعة التي راهنت على التنظيم المحكم وبذلت في سبيل ذلك مجهوداً جباراً ومبهراً لم تكلف نفسها مشقة تشكيل نظريةٍ متماسكة توازي ذلك الامتداد والوجود التنظيمي ولا حتى عشره، بل الأدق أن نقول انها لم تر له حاجةً وأحجمت عن تقييد نفسها، ويكفينا هنا التذكير بشعار ‘الإسلام هوالحل’ رداً على كل التساؤلات، لا سيما إذا تذكرنا أن أكبر المروجين لهذه النظرية كان المرحوم سيد قطب، الذي ارتأى الاكتفاء بهذا المصطلح الفضفاض ريثما يصل التنظيم للسلطة، ومن ثم تأتي التفاصيل ‘على مهل’، كما يخبرنا الأستاذ حلمي النمنم في كتابه المهم عن الأستاذ قطب رحمه الله وعلاقته المعقدة مع ثورة 23 يوليو. نحن إذن إزاء تنظيمٍ ضخم بعقلٍ صغير، بلا نظرية، عاش وتمدد على سطح المجتمع منتهجاً أقصى المرونة كالطفيلي.
على هذه الخلفية وفي نفس السياق نرجع للدكتور مرسي، فالرجل أرسل كل الرسالات الممكنة لجميع الأطراف المتنافرة بلا أي معنى، فهو يريد توطيد العلاقات أو على الأقل التقارب مع إيران، ولكنه لا يريد أن يغضب أو يخسر السعودية، فيزور الإيرانيين ويكايدهم، وهو يزور بوتين ولا يريد أن يغضب أمريكا، يحرص على أن يظهر ‘إسلامياً’، ولا يريد أن يجافي إسرائيل كونه يراهن عليها وعلى تأثيرها على أمريكاً تماماً كسلفه المخلوع.. إنه يدرك أن الظرف ومركزه كرئيس دولة مهمة وكبيرة ومحورية يحتمان عليه أن يقول شيئاً، وعلى ذلك فهو لم يتوقف أو يقتصد في الخطب والتصريحات، ولكن ليس لديه ما يقوله. يريد أن يثبت حضوره وأن يتميز، إلا أنه للأسف ليس لديه ما يقدمه… لذا فليس من عجبٍ أن طرفاً من الأطراف لا يتعامل معه بجدية، وأن الميكروفون قطع عنه بضع دقائق أثناء حديثه في إثيوبيا، وهو الأمر الذي لم يكن ليحدث مع المخلوع..
لقد جاء هذا الموقف من سورية، الذي أريد له أن يبدو حاسماً غايةً في التأخير، متزامناً مع تململٍ أمريكي وحديثٍ عن تسليح المعارضة، وليس يخفى أن ذلك يهدف في الأساس إلى تدعيم موقفه في مصر أمام مناصريه وترميم شعبيةٍ غير موجودة.
بانحيازاتٍ اجتـــماعية وسياسية مطابقة للمخلوع، تلك التي قامت ضدها أكبر ثورة في تاريخ مصر، يخطو د. مرسي وجماعته بتخبطٍ لمحاولة التمكن من مفاصل الدولة…غير أنه لم يعد سراً ذلك التوتر الذي بينهم وبين سائر المؤسسات، وعلى رأسها القوات المسلحة، فالدولة العميقة تلفظهم لعدم اقتناعها بهم، فالكرسي أكبر منهم… والمدهش أن الطوفان يقترب، و30 يونيوالموعود لم يعد بعيداً، ود. مرسي ورجاله خائفون، ومع كل ذلك لا يملكون سوى خطواتٍ متهافتة كسحب السفراء والمضي في المزيد من التمكين.. هل نحتاج إلى المزيد لنطرح علامات الاستفهام على رؤيتهم السياسية؟!
‘ كاتب مصري