د. مرسي وخطواتٌ واثقة على طريق الهاوية

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل في رقبتي دينٌ وشكر مستحقٌ لدكتور مرسي الذي لم يتأخر في إنصافي مؤكداً ما ذهبت إليه في مقال الأسبوع الماضي من تحليلٍ لمغزى وأهداف تحركات الرئيس (وجماعة الإخوان المسلمين من ورائه)، آنذاك أعربت عن قناعتي بأن مجمل تحركات الجماعة يرمي إلى ترسيخ وجودهم والمضي في مشروع ‘التمكين’، أي في إحلال كوادرهم (ومن تحالف معهم من سائر قوى الإسلام السياسي) في نسيج الهيكل الإداري للدولة والحكر على المستقبل عن طريق كتابة دستورٍ يجسد تصوراتهم وأهدافهم وحدهم دون بقية الفصائل المدنية بحيث يتعذر، إن لم نقل يستحيل، التصرف بأي طريقة تغاير تلك التصورات دون الاصطدام بجدران ذلك الدستور المسخ والوقوع تحت طائلة القانون. لقد جاء الإعلان مباغتاً صادماً، لا ليبرهن على رأيي ذاك فقط وإنما ليثير أبشع مخاوفي مع الكثيرين، الملايين دون أدنى مبالغة، من بقية أبناء الشعب، ولما كانت اللحظة التي نعيشها جد فاصلة وشديدة الخطورة بات لزاماً التصدي للأخطار المحدقة (وعلى رأسها الديكتاتورية الزاحفة)، ليس فقط عن طريق النزول إلى الشارع وإنما بالجهد المنهجي والدؤوب للتحليل والفهم، وعلى ذلك فسوف أركز على عدة نقاطٍ أراها أساسية محاولاً التكثيف قدر المستطاع دون الإخلال بتمام المعنى ووضوحه.أولاً: لأن غزة والقضية الفلسطينية برمتها لم ولن تكون أولى الأولويات على جدول أعمال د. مرسي ( والجماعة من ورائه) فقد سعى، وربما نجح إلى حدٍ ما، في استغلال تلك الأزمة التي هبطت عليه كالقدر المتعجل لكسب ثقة أمريكا وإسرائيل بما يؤدي إلى كسب دعم الأولى ورضاها وكف شر الثانية، على الأقل مؤقتاً…في ذلك الصراع الذي ورطته فيه حماس ولم يسع إليه، بعث د. مرسي (والجماعة من ورائه) عدة إشارات واضحة لا لبس فيها، ولنقل أثبت عدة اشياء مهمة: أولاً أنه لا يريد الحرب ولن يبدأ إسرائيل بالعداء، ناهيك عن السماح لحماس بجره إليها. ثانياً أنه ليس لديه أدنى نية من الاقتراب أو حتى المساس باتفاقية كامب ديفيد في القريب العاجل (وربما ابدأ…) ثالثاً، وربما الأهم، أنه يستطيع القيام بنفس الدور الذي اضطلع به مبارك، أي عراب السلام والوسيط، بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مع فارقٍ جوهري يتجسد في مدى نفوذ الإخوان المسلمين، الجماعة الأم، على حماس، أحد أبنائها الشرعيين والأوفياء، وليس أدل على ذلك من توصل د. مرسي إلى حمل ( أو إقناع لا يهم) حماس على توقيع ‘ورقة’ لوقف إطلاق النار مع الطرف الإسرائيلي، وهي أول ورقة توقعها حماس معهم بما يحمل ذلك من معانٍ… لقد أثبت د. مرسي لأمريكا أنها لم تخطئ بدعمها لوصول الإخوان المسلمين للسلطة وأنه رجلٌ يمكن الاعتماد عليه و’اعتماد’ جماعته حليفاً في الشرق الاوسط بديلاً عن مبارك. محمولاً على جناح ما صُور أنه انتصار سارع د. مرسي إلى استغلال ذلك الصراع الطارئ والجانبي في معركته الأساسية: توطيد دعائم سلطته وسلطة جماعته وتياره الأوسع.لسببٍ أجهله ولن أجهد نفسي لمعرفته ارتأت الجماعة أن تعجل باستثمار ذلك الانتصار فخرجت علينا مؤسسة الرئاسة بذلك الإعلان الدستوري المدهش المرعب، والملاحظ هنا عدة مؤشرات بالغة الدلالة، فمن ناحية، بات واضحاً أن الجماعة فقدت حسها بنبض الشارع فلم تعد تدرك التغيرات السريعة والعميقة بعد 25 يناير حيث خرج الشعب من خانة المفعول به المستكين إلى خانة الفعل الخلاق حيث يتنامى وعيه باطراد يوماً بعد يوم كالمعهود به في أزمنة الثورات، وبالتالي لم يتوقع د. مرسي (والجماعة من ورائه) رد الفعل العفوي المباشر والعنيف الطافح غضباً في وجههم؛ بالإضافة إلى ذلك تأكد للجميع (وإن كان ذلك لا يفاجئني شخصياً) الطابع الإقصائي لقوى الإسلام السياسي، فقد تقبل باللعبة الديمقراطية كتكتيك مرحلي يوصلها إلى حيث تريد ثم تتخلص منها في أقرب سلة نفايات، إلا أن التعايش والقبول بالآخر والاختلاف لا تعني بالنسبة إليها شيئاً أكثر من مجرد كلمات أنيقة تقتضيها الحاجة للتمويه، شيء لزوم الشيء، كما تبين أن الجماعة، إذ باتت تشعر بانحسار شعبيتها إثر خيبة رجاء قطاعاتٍ عديدة من الجمهور في وعودها أمام ما يرونه من المزيد من الترهل والفقر وخاصةً في أعقاب حادثة قطار أسيوط المروعة، أضحت في سباقٍ مع الزمن لترسيخ وجودها وهيمنتها عن طريق غرسه في جسد القانون بحيث تستمر فعلياً إلى الابد على الرغم من التغير المحتمل في الظروف.ثالثاً: إن ذلك المجتمع الذي تمزقه تفاوتاتٌ طبقية شرسة بين قلة فاحشة الثراء والنفوذ تتحلق أساساً حول مبارك والأسرة الذهبية وأكثرية ساحقة على درجاتٍ متفاوتة من الفقر كان قد تشرب ثقافةً أو مجموعةً من الأفكار والمفاهيم المنحطة والرجعية في ظل رداءة النظام التعليمي والأمية المتفشية والفــــقر الناهش بأظفاره أحشاء الناس تحت مظلةٍ واسعةٍ فضفاضة من الإعلام المأجور والمشبوه يروج لمنظومة الانحطاط تلك… ليست بالمرة الأولى التي أؤكد فيها أن الثورة المصرية ثورةٌ لم تكتمل، ثورةٌ مغدورة… ثورةٌ لم تحسم أمر النظام القديم أو تحطم أساس وجــــوده الاقتصادي-الاجتماعي، وعلى ذلك فعوضاً عن إعادة هيكلة المجتمع اندفع الجميع وراء لعبةٍ سياسيةٍ سخيفة فرضها المجلس العسكري بمساعدة الجماعة دون إحداث قطيعة مع الماضي، وإذا بنا نخوض صراعاتٍ مقنعة، صراعات أمزجة ومذاهب دينية تتستر وتتحصن وراءها نفس المصالح الاقتصادية الرأسمالية المرتبطة بالغرب بما يحمي وجودها، والمشكلة هنا تتعقد بما نراه من تنامي ظاهرة العنف في المجتمع.رابعاً: لقد أقدم د. مرسي مبكراً على ما انزلق إليه السادات متأخراً، وأعني هنا الاصطدام بكل القوى على الساحة ما عدا جماعته، فكلنا يذكر حملة اعتقالات سبتمبر 1981 حيث جمع السادات في المعتقلات كل المناوئين لحكمه واتجاهاته والنتيجة يعرفها الجميع، محفورةً بالدم في ذاكرة من عاصرها… قبل ذلك كان السادات يعرف كيف يحيد قطاعاتٍ وفئاتٍ عديدة قبل أن يضرب فصيلاً بعينه، فضلاً عن كونه كان يضمن ولاء أدوات عنف السلطة من جيشٍ وشرطة، وما أبعد ذلك عن د. مرسي والجماعة.في الختام لا أملك سوى أن اكرر دهشــــتي من السرعة التي بادر بها د. مرسي والجمـــــاعة إلى إسقاط القناع عن أهدافهم الحقيقية… لقد أكد بهذا الإعلان الدستوري أقسى وأحد معاني الاستقطاب ووضع البلد على طريق صراعٍ حتمي، فليس أمامه الآن سوى خيارين، إما أن يستمر بما يعني المزيد من الصدام والدماء، وإما أن يتراجع كما فعل من قبل بحيث يضحى ذلك تكراراً ممجوجاً ناهيك عن المزيد من إفقاد مؤسسة الرئاسة لهيبتها… وكلنا على يقينٍ الآن أنه لو تراجع فلسوف يفعل ذلك مضطراً حتى حين… إلى أن يتصور الفرصة سانحةً ليعيد الكرة، فهدف التمكين هو بعينه لن يتغير.أنا أرى د. مرسي يسير بخطى واثقة نحو هاوية الصراع والعنف والفشل جاراً البلد وراءه، وفي ظروفٍ كتلك لم يعد سيناريو الانقلاب بالبعيد تماماً.’ كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية