ذاتَ ليلةٍ في حضرة مَجلس سيف الدولة الحَمَدَاني

الحوارات والمناقشات، حول اللغة العربية، وحول حواشيها، وشواردها، وجمال بيانها، وروعة بلاغتها، وغناها وثرائها، التي أصبحنا نشاهدها هذه الأيام بشكل واسع، سواء على شبكات العالم الأزرق، وفي وسائل الاتصال الاجتماعي والمدونات الأدبية على اختلافها، وفي الصحف والمجلات العربية، كل ذلك يذكرنا، ويعود بنا الزمان القهقرى إلى ماضينا البهيج البعيد عندما كان يُعقد مجلس للخليفة العباسي سيف الدولة الحمداني، الذي ُيعرف باللقب الأكثر شيوعاً وهو (سيف الدولة العباسية) (303 – 356 هـ/ 915 – 967 م).

في مجلس سيف الدولة

كان هذا الخليفة المُستنير يجمع حوله ثلة مختارة ونخبة مصطفاة، من كبار العلماء، والشعراء، والنحاة، والكتاب، والمفكرين، واللغويين في ذلك الأوان أمثال: الفارابي الفيلسوف الشهير، وأبو علي الفارسي، وابن خالویْه، وابن جني، وأبو بكر الخوارزمي، وأبو الفرَج الأصبهاني صاحب كتاب «الأغاني» وابن نباته الفارقي، وأبو الطیب اللغوي، وابـن كشـكرایا، وكشاجم، والكسائي، والأصمعي، والمتنبي، وهكذا كان سيف الدولة راعياً للفنون والعلماء، وتزاحم على بابه في حلب الشُعراءُ، والعُلماءُ، والأدباءُ، واللغويون، والمفكرُون، حيث فتح لهم مجلسَه وبلاطه، وخزائنَ أمواله وعطاياه، حتى قيل كانت له عُملة خاصة يسكها للشعراء من مادحيه.
كان الخليفة الحمداني يسألهم، ويحاورهم عن مباهج هذه اللغة التي تُلقب بالبحر، والتي وسمها أحد المستشرقين بـ«ملكة اللغات» والتي لم يكن شاعر النيل حافظ إبراهيم يدري أي معجزةٍ بيانية قذف بها على مسمع الدهر عندما قال على لسانها: «أنا البحرُ في أحشائه الدرُ كامنٌ / فهل سألُوا الغَوَاصَ عن صَدَفاتي» متغنياً، بمناقب وأسرار هذه اللغة الجميلة، وبشواردها، وببيانها، وتبيينها.

زُببْتَ قبل أن تُحَصْرَم

كان المتنبي دائماً يتفوق في الجواب، ويتبعه شاب يافع كان يؤم الدرس وهو لما يزلْ في مقتبل العُمر، وفى شرْخ الشباب وريعانه، وهو العالم أبو الفتح عثمان المشهور بابن جني صاحب كتاب «الخصائص» الذي يُعتبر من الجواهرالثمينة في اللغة، التي تركها لنا هذا العالم الجليل، وكان أستاذه ومعلمه وملقنه العالم واللغوي الألمعي أبوعلي الفارسي يتعجب من فطنته، وألمعيته، ونبوغه، وذكائه، وسرعة بديهته في هذه السن المبكرة، فكان يقول له : «يا أبا الفتح أراكَ قد زُببْتَ قبل أن تُحَصْرَم».. أي صار زبيبةً قبل أن يمر بمرحلة الحَصْرَمة. ومعروف أن العنب أول ما يتكون في عنقود الكرمة يكون حصرماً حامضاً، ثم يتحول بعد أن يستوي إلى عنبٍ حُلو، ثم إذا تم تخزينه لمدة معينة جف ماؤه الذي كان في حباته وذبلت قشرته، وتحول إلى زبيب يُدخر ويُحفظ إلى حين، وذلك هو التطور الطبيعي لثمرات شجيرات الكرم والعنب: يكون في البدء حصرماً، ثم يتحول الى عنب، ثم يصبح في الأخير زبيباً طيب المذاق.

ظِربىَ وحِجلىَ

وتحكي لنا كتب التاريخ في السياق ذاته، أن سيف الدولة الحمداني سأل ذات مرة العلماءَ والشعراءَ واللغويين الذين كانوا حاضرين في مجلسه عن الصيغ الفعلية الموجودة في اللغة العربية التي هي على زنة ( فِعْلىَ) فلم يرفع من الحاضرين يده للإجابة عن هذا السؤال سوى المتنبي فقال: يا أميرَ المؤمنين ليس في اللغة العربية سوى صيغتيْن اثنتيْن على وزن (فِعْلى) وهما: (حِجْلىَ) و( ظِرْبى) وظل جميع الحاضرين في المجلس ومعهم الخليفة مشدوهين من سرعة جواب المتنبي. ويؤكد العالم اللغوي والمعجمي الجليل علي بن إسماعيل أبو الحسن المشهور بابن سيدة المُرسي في كتابه «المُخصص» في هذا الصدد: الحَجَل الذكور من القَبَج، الواحدة حَجَلة وحِجْلانٌ و(حِجلىَ) اسم الجمع، و( ظِربىَ) جمع ظَرِبَان، وهي دُوَيبة منتنة الريح، والحَجَل إِناث اليَعَاقِيب، واليَعَاقِيب ذكورُها.

كان المتنبي دائماً يتفوق في الجواب، ويتبعه شاب يافع كان يؤم الدرس وهو لما يزلْ في مقتبل العُمر، وفى شرْخ الشباب وريعانه، وهو العالم أبو الفتح عثمان المشهور بابن جني صاحب كتاب «الخصائص» الذي يُعتبر من الجواهرالثمينة في اللغة.

المتنبي وابن خالويْه

فلم يرق ذلك لبعض العلماء الذين كانوا حاضرين في مجلس سيف الدولة فطالب بعضُهم من الخليفة إعطاءهم مهلة من الأيام لزيارة الأعراب الأقحاح في البوادي، والقرىَ، والمداشر، والقفار، والضواحي والأرباض النائية عن المدائن والحواضر للتأكد من هذا الأمر، ومنهم من ذهب ولم يعد إلى مجلس سيف الدولة من الخَجل، وشعر العالم اللغوي الشهير ابن خالويه الذي كان حاضراً هو الآخر في هذا المجلس بنوعٍ من الضيم، والحِقد، والحَنَق، وبعد أن انفض الجمع اختفى في جنح الليل بجوار منزل المتنبي، وعندما خرج منه ضربه بقوة وسج وجهَه بمفتاح كبير، ويُقال بقيت في وجهه ندبة طوال حياته. ومعروف أن ابن خالويه الذي كان ينادي المتنبي دائما مزدرياً إياه بـ(ابن السقاء) لم يكن مثل المتنبي في عروبته، وفصاحته، وعلمه، وشعره، ونظمه، وقوته، وكبريائه، وخلائقه، وتبحره في لغة الضاد، وهو الذي: ينَامُ مِلْءَ جُفُونه عَنْ شَوَارِدِهَا / وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَراهَا وَيخْتَصِمُ..
ويحكي لنا ابن خالويه في «أماليه» من جهةٍ أخرى أن سيف الدولة الحمداني سأل ذات ليلةٍ جماعة من العلماء بحضرته فقال لهم: هل تعرفون اسماً ممدوداً وجمعُه مقصور؟ فقالوا لا، فقال لي: ما تقول أنت يا ابن خالويه؟ قلت: أنا أعرف اسميْن، قال: ما هما ؟ قلت: لا أقول لك إلا بألف درهم؛ لئلا تؤخذ بلا شكر، وهما : صحراء وصحارى، وعذراء وعذارى.

ابن جنية بصحيح

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن رسالة دكتوراه الدولة قد أعِدت مؤخراً حول مجلس سيف الدولة الحمداني في كلية الدراسات العليا اللغوية والنقدية في جامعة أم درمان في السودان تحت عنوان «شعراء ومفكرون حول سيف الدولة الحمداني» من إعداد الطالبة الباحثة إحسان محمود سليمان.
كما كُتب عن مجلس سيف الدولة الشيء الكثير، وتحفل أسفار التاريخ، وكتب الرواة، والنقد، والأدب بالحديث عنه في مختلف المناسبات، وقد ضربت شهرته ـ والحالة هذه ـ الأطناب. وكان أستاذنا وتلميذ تلامذة عميد الأدب العربي طه حسين الأستاذ مصطفى الشكعة يقول لنا عن ابن جني على سبيل الدعابة والمزاح في حلبة الدرس على مدرجات كلية الآداب (قسم اللغة العربية وآدابها) في جامعة عين شمس في العباسية في القاهرة: (والله يا أولاد.. د\ه كان إبن جِنية بصحيح).
لاعجب إذن إن ذكرتنا تلك الحوارات، والكتابات، والنقاشات التي تدور في عصرنا بين الفينة والأخرى حول اللغة العربية بمجلس سيف الدولة الحمداني، وكذا باللغوي ابن جني، وبمراحل الدرس التي اجتازها بنجاح مُبهر أمام معلمه وأستاذه أبي علي الفارسي وأمام الخليفة العباسي الذواقة البارع وأمام الحضور. نشَأَ ابنُ جِني في مدينةِ الموصل، وعاشَ وترعرع وقضى سنواتِ تعليمِه الأولى فيها، فحضرَ حلقاتِ التعليم، والدروسِ على يدِ علماء المدينة، وأبدى اهتمامَه منذ صِغره بالدراساتِ الأدبية، واللغوية، والنحوية، والصرفية على وجه الخصوص، فتمكن من دراستها، حتى سُمِح له بالتدريسِ، وإنشاء حلقاتِ الدرس والتعليم في مسائلِ الصَرفِ ومباحث النحو، ولم يكن عُمرُه حينها يتجاوز السبعَة عشر عاماً، وتجدر الإشارة في هذا الصدد – كما رأينا من قبل- إلى أنه خلالَ مراحل تدريسِه التقى بعالم جليل يُعتبر من أبرزِ علماءِ النحوِ، واللغةِ في عصره، وهو الشيخُ أبو علي الفارسي، فأصبحَ تلميذاً له، ولازمَه نحوَ أربعين سنةً، حتى أصبحَ من ورثةِ عِلمِه، وزار معه حلبَ، ودمشقَ، وبغدادَ، وبعد ذلك لازمَ ابنُ جِني شاعر العربية الكبير أحمد أبا الطيب المُتنبي الذي قدم شروحاً ضافيةً لشعره، ورافقَه إلى الكوفةِ وشيراز، وعمِلَ هناك في بلاطِ الحاكمِ البُويهي. وعاش ابن جني سنواتِ حياتِه الأخيرةِ في بغدادَ إلى أن وافته المنية بمدينة السلام في العامِ الثلاثمئةٍ واثنين وتسعين من الهجرة.

وصية أبي تمام

وتذكرنا صداقة ابن جني لأبي علي الفارسي بصداقة أبي عبادة البحتري بالشاعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي، الذي لزمه هو الآخر لسنوات طويلة، وروى لنا البحتري عن وصية أستاذه الشهيرة له في نظم الشعر فقال: « كُنتُ في حَداثَتي أرُومُ الشعْرَ، وكنتُ أَرْجِعُ فيهِ إلَى طَبْعٍ، ولَمْ أَكُنْ أَقِفُ علَى تَسْهيلِ مَأْخَذِهِ، ووجُوهِ اقْتِضابِه، حتى قصدت أبا تَمامٍ، وانقطعتُ فيه إليه، واتكلْتُ في تَعريفِه عليه؛ فكانَ أول ما قال لي: يا أبا عُبادة؛ تخير الأوقاتَ وأنت قليلُ الهُمومِ، صِفْرٌ من الغُمومِ. واعْلَمْ أن العادةَ جَرَتْ في الأوقاتِ أن يقصدَ الإنسانُ لتأليفِ شَيْءٍ أو حِفْظِه في وَقْتِ السحَرِ؛ وذلكَ أن النفْسَ قَدْ أَخَذَتْ حَظهَا مِنَ الراحةِ، وقِسْطَهَا مِنَ النوْمِ. وإنْ أردت التشْبيبَ؛ فاجْعَلِ اللفْظَ رَشيقًا، والمعنَى رَقيقًا، وأَكْثِرْ فيه مِن بَيانِ الصبابةِ، وتوجعِ الكآبَةِ، وقَلَقِ الأَشْوَاقِ، ولَوْعَةِ الفِراقِ. فإذا أَخَذْتَ في مَديحِ سيدٍ ذي أيادٍ؛ فأشْهِرْ مَناقِبَهُ، وأظْهِرْ مناسِبَه، وأَبِنْ مَعالِمَهُ، وشرفْ مقامَهُ. ونَضدِ المعانيَ، واحْذَرِ المجهولَ مِنْها. وإياكَ أن تَشينَ شِعْرَكَ بالألفاظِ الردِيئةِ، ولْتَكُنْ كأنكَ خياطٌ يقطعُ الثيابَ علَى مَقاديرِ الأجسادِ.
وإذا عارَضَكَ الضجَرُ؛ فأَرِحْ نَفْسَكَ، ولا تعملْ شِعْرَكَ إلا وأنتَ فارغُ القَلْبِ، واجْعَلْ شَهْوَتَكَ لقولِ الشعْرِ الذريعةَ إلَى حُسْنِ نَظْمِهِ؛ فإن الشهْوَةَ نِعْمَ المُعِينُ. وجُمْلَةُ الحالِ أَن تعتبرَ شِعْرَكَ بِما سَلَفَ مِن شِعْرِ الماضينَ، فما اسْتَحْسَنَ العُلَماءُ فاقْصِدْهُ، وما تَرَكُوهُ فاجْتَنِبْهُ؛ ترشد إن شاءَ اللهُ». وقد روت وصية ابي تمام للبحتري غير قليل من المراجع، والمصادر، والمظان منها «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري، و«العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونَقْده» لابن رشيق، و«شرح مقامات الحريري» للشريشي، وسواها وهي كثير.

كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية