لنا عبد الرحمن
كم مرة فقدت هاتفك المحمول، وضاعت معه كل الأرقام التي خزنتها ذاكرته، ووجدت نفسك بحاجة للاستعانة ليس بصديق واحد بل بالأهل والأصدقاء والجيران كي يساعدوك علي جمع الأرقام التي فقدتها؟
وكم مرة اصاب بريدك الالكتروني أحد الفايروسات التي أدت لخسارة (إيميلك) بعد سنوات من استخدامه ومعرفته بين كل من يتواصل معك حتي صار لصيقا بك كاسمك؟
وكم مرة احتجت الي تحديث كمبيوترك فقادك الأمر الي خسارة العديد من الملفات؟
لا تنتهي حوادث الخسائر التكنولوجية، بل تتضاعف وتزداد يوما بعد يوم وكلما ازدادت التقنيات التي تمكن الانسان من الاستغناء عن ذاكرته والاتكال علي ذاكرات إلكترونية يصير استخدامه للذاكرة محدودا وضيقا للغاية، إذ نتكل علي التكنولوجيا في حفظ الأرقام والعناوين وتشكيل بطاقة كاملة للشخص الواحد نذكر فيها كل بياناته بحيث تختصر علينا الجهد والوقت، كما نتكل عليها في الكتابة وفي تبادل الرسائل، وفي القيام بالعديد من المهام التي كانت تستغرق سابقا الكثير من الوقت والجهد، يحدث هذا الأمر لأننا لا نستطيع الا ان نكون ضمن العصر الذي نعيش فيه، هذا العصر الذي تحكمه التكنولوجيا التي تمنح الانسان رفاهية أن لا يستخدم ذاكرته، وتتركه في ذات الأوان عرضة لفقد كل ما خزنه من أرقام و بيانات وملفات مهمة في اي من الفايروسات الشاردة.
آخر طرائف الحوادث الالكترونية تتعلق بأحد الجنود الأمريكيين الذين قتلوا خلال وجودهم في العراق، بعد موت هذا الجندي طلبت عائلته من شركة (الياهو) ان تمنحها الباسورد الخاصة بإيميله ليتمكنوا من الدخول الي بريده الالكتروني، لكن الشركة رفضت علي اعتبار أن البريد الالكتروني شخصي جدا ولا يحق لأحد أن يطلع عليه، لكن العائلة رفعت الأمر للقضاء في اصرار منها علي أن لها الحق في الاطلاع علي رسائل ابنها.
تقودنا هذه الحادثة للتفكير بكل ما يتعلق بالذاكرة الالكترونية، هذه الذاكرة التي تنطوي في اجهزة الكمبيوتر دون أن تجد من يرثها. ففي زمن سابق كان من الممكن أن يستدل من الرسائل المتبادلة بين الأشخاص علي كثير من الأسرار والحكايا وعلاقات حب استمرت لأعوام طويلة يكون الشاهد عليها رزمة من الخطابات يعثر عليها ابن أو حفيد ويكشف عنها للعالم الخارجي حين يكون أصحابها من الشهرة بحيث تثير حكاياتهم لهفة الناس لمعرفتها.
مع وجود التقنيات الحديثة في التواصل اختلف الأمركثيرا، وصار كل ما يتعلق بالعلاقات الانسانية من رسائل متبادلة سواء بين الأصدقاء أو الأحبة يحدث عبر الايميل الذي يظل بعيدا عن اعين الرقباء وتنتهي صلاحيته في حال عدم استخدامنا له لأكثر من شهر، لذا لا يظل هناك أي خطر للكشف عما فيه الا في حال معرفة كلمة الدخول واستخدامها بسهولة، أو اللجوء للهاكرز لاختراق الايميل كما يحصل في بعض الأحيان. لذا تظل الأسرار مجهولة وتضيع في فضاء العالم الأفتراضي لا تجد من يكشف عنها، تماما كما لن تجد كل الخواطر والأفكار والملفات والبيانات الالكترونية من يرثها.
كاتبة من لبنان