كنت أتدرب في صغري على لفظ ‘بابا’… أهمسها للمرآة، للصورة في غرفة المعيشة، لعمي، لزوج عمتي، للأستاذ في المدرسة.
بابا الحقيقي بيني وبينه حواجز ورجال أمن وسنوات من الغياب، أراه من وراء الشباك وتعجز الأحرف الأربعة التي طالما تدربت عليها على تجاوز الأسلاك والفراغات بينها….’بابا’ تبقى حبيسة في قلبي الصغير ويبقى لساني عاجز عن النطق بما لم أعرفه ولم أعشه يوماً.
في لحظة هاربة من الذاكرة، ‘بابا’ يقبلني على رأسي ويسألني: كيفك حبيبتي، كيفك يا عمو؟
أصمت، تلتصق الكلمات بسقف الحلق ولا تخرج …’أنا لست بخير، أنا ابنتك وأنت لست عمو’.
دموع صغيرة تسيل على خدي ولا أنطق، كيف أخبره أنها ليست ذلة لسان بل حقيقة مرة كالعلقم، فلا هو عرف الأبوة ولا أنا عرفت البنوة.
غرباء نحن وبيننا تلك الشباك، أب وابنة بملامح وجنيات متطابقة ولكن بلا أي تفاصيل حميمية وذكريات.
أب وابنة ولقاء شهري يتيم في غرفة زيارة باردة لسجن قميء وتحت رقابة السجان وأجهزة التنصت.
والديفي ذاكرتي مجزئاكألبوم صور…
صور مقتطعة بتواريخ متباعدة، أقلبها في رأسي صورة وراء صورة وأعيد لصقها بعيانة لألمسه في الذاكرة.
هو صورة على الحائط وأنا في المرآة، استدارة الوجه،لون الشعر، غمازةالخد ومكان القبلة الضائعة. يتداخل وجهي بوجهه وتغيب للحظه حدود الزمان والمكان ويصبح للروح نسختان بنبض واحد.
صورته معلقة قرب المرآة أنظركل يوم لوجهه الصامتفيها وأقارنه بوجهي الذي يكبر،الزمن يمضي داخل السجن وخارجه والصورة في مكانها وأبي هناك لا يكبر، يراقب مجيئنا وغيابنا ويستمع لثرثرتنا اليومية وأشجاننا.
الصورة على حائط بيتناتحتفظ بكل أسرار الابنة وبوح سنوات الغياب ولكنها شاهد صامت لا ينطق!
أتذكر عندما كنت صغيرة كيف كانت البنات يتحدثن عن آبائهن، عن دفء صدورهم عندما يسردون لهن حكايات المساء. كيف يعودون من العمل محملين بالشوق والقبل وكيف يعودون من السفر محملين بالهدايا.
عندما كبرت، كبرت حكاياتهن وصار الأب يروي قصص الكبار، تاريخ البلد وتجارب الرفاق. يعلم قيادة السيارة ويصلح أخطاء رسائل التخرج ويساعد في البحث عن عمل. يرافق ابنته للجامعة، والمطعم والسوق وفي النهاية يتأبط ذراعها ليوصلها بأمان لبيت الزوجية. دون أن يتوقف بعد ذلك عن أن يكون ‘ الأب’ رسول الحب والحنان بلا حساب، والرجل الأول في قلبها.
أمام سيل الحكايات والصور كنت ألوذ بالصمت، قصصي مع والدي تبدأ بنافذة السجن وتنتهي هناك.
لاصور تجمعني به غير صورة يتيمة في مستشفى السجن. يوم وضعت يدي فوق يده وضحكنا معاً من تطابقهما رغم اختلاف طول الأصابع وعرض المعصم. صورة واحدة تجمعنامعاً، يده فوق كتفي وأنا أطبق عليها بكل ما أملك من قوة وشوق، ننظر لعين الكاميرة ونبتسم بقلقمن أمانة العدسة في تخليد هذه اللحظة الاستثنائية.
أول وأخر صورة تشبه كثيراً حكاياتي مع أبي، الحكايات المبتورة وغير المكتملةوالتي غالباً ما تكون أول الحكايات وأخرها بآن.
ما زلت لليوم أذكر أول وأخر مكالمة هاتفية من أبي، كنت في المنزل وحيدة ورن الهاتف كما يرن في كل يوم لا شيء استثنائي، رفعت السماعة وأتاني صوت غريب لم أعرفه، بعدها سمعت على الطرف الأخر’ أنا بابا’…
سكت ولم أدري بما اجيب، عاد الصوت من جديد ‘آية أنا بابا، أنا عائد الأن إلى البيت ‘
لا أدري كم مرة يتصل الآباء ببناتهم ليخبروهن أنهم في الطريق للمنزل. أنا انتظرت هذه المكالمة اثنان وعشرون سنة ولطالما حلمت بأن يتصل أبي ليخبرني ببساطة شديدة أنه قادم الأن وأن للأسى مهما طال نهاية.
كل ما استطعت قوله لحظتها ‘ هل ما زلت تذكر الطريق؟’، اختنق صوت أبي وهو يقول لي: قلبي سيهديني إليه.
قصة أول مكالمة مع أبي تشبه قصة أول هدية له وقصة أول غذاء معه، قصص ملتصقة بالذاكرة ولدت هناك ولم تتكاثر بعدها فلا السجان ولا الزمان منحاها فرصة للاستمرار والتكرار، وحدي أنا أعيد خلقها وكتاباتها كلما اشتقت لأبي ولم أعثر عليه إلا في ثناياها وتفاصيلها
قصة أول هدية: في رحلة جامعية أبحث مع صديقاتي عن هدايا تذكارية، أتوقف أمام قميص أزرق وأقلبه بين يدي غير متأكدة من القياس، تسألني صديقتي لمن أريد شراءه فأجيبهالأبي. تتلعثم ولا تتجرأ على سؤالي كيف سيرتديه ولمن وهوفي السجن.
أتجاهل استغرابها وأطوي القميص وأحمله هدية لأبي السجين، القياس واللون مناسبان وأبي يرتدي بعدها ذلك القميص كثيراً ولا يهترئ.
كلما ضاقت ساعة الزيارة وعيون السجان عن قصصنا وكلما اشتد الضجيج وقصص الأقارب والعائلة والسياسة، نظرت إلى أبي وهو يرتدي القميص الأزرق وفهمتأنه يقول لي: أنت معي دائماً وهديتك وصلت للقلبوالتصقت بالجسد.
قصة أول غذاء: أبي في مستشفى السجن والزيارة مسموحة هناك بلا مواعيد، أغامر أنا الصبية في مطلع العشرين وبخبرتيالمحدودة بالطبخ وأخبز بعض البيتزا ثم ألفها بورق مع القليل من الفاكهة والمشروبات وأذهب إليه وقت الظهيرة. أقف في صف الانتظار الطويل وأحاول أن أقنع نفسي أن البيتزا ستكون شهية وإن وصلت باردة. على الحاجز يفتشون أكياس الغذاء ويبعثرون محتوياتها على الأرض وبعد أن يتأكدوا أنها وجبة غذاء خالية من الممنوعات الأمنية، يطلبون مني حمل ما تبقى منها والسير على الأقدام لمدخل المستشفى.
أحمل الأكياس المليئة ببقايا الطعام وأصعد التلة الصغيرة، ألتقط دموعي ولهاثي عندما أرى أبي ينظر من النافذة، ألوح لهوأشعر بسعادة غريبة وأنا أراه ينتظرني كما يفعل الآباء عادة. في غرفة المشفى أفرد قطع البيتزا الباردة أو ما بقي منها سالماً ونمد أيدينا معاً لنأكل، لحظتهاننسى المكان والحرس والبيتزا المهروسة. إنه ألذ غذاء ما دمنا نتناوله معاً ونثرثر حول مائدة الطعام كأي ابنة وأب.
حكاياتي المبتورة تلك، سري أنا وأبي وزنزانته كانت مخزنة في ذاكرتي وممنوعة في مملكة الصمت الكبيرة ‘سورية’. اعتدت أنا ابنة السجن على الصمت فمحرم علي أن انطق وأن أكشف الجرح. من يدخل السجون السورية هو في عداد الأموات، محكوم عليه بالموت المؤجل ومحكوم على أسرته بالصمت المؤبد.
أنا ابنة رجل موقوف عن الحياة علي أن أعتاد اليتم و أبي حي يرزق في السجن القريب. أرى نظرات الاستفهام والأسئلة المعلقة في وجوه كل من حولي. لا أدري إن كانوا يعرفون وليتهم يدرون كم أعرف.
عندما توفي أبي بعد إصابته بسرطان السجون وعدت للجامعة وأنا متشحةبالسوادوجدتهم ينتظرون…أصدقاء، طلاب، أساتذة، كلهم ينتظرون ليقدموا العزاء.
كثيرون مروا ومدوا لي أيديهم، وجوه كثيرة لم أعد أذكرها. قليلون احتضوني وكثيرون لم ينطقوا بل اكتفوا بنظرة تضامن وحزن وبعضهم قرأ الفاتحة ومضى. لحظتها أحسست أنهم يعرفون وصمتهم لا يعني السكوت، وشعرت أن تحت المياه الراكدة يختبئ الطوفان.
بعد موت أبي استعضت عن زيارة السجن بزيارة المقبرة. ولكن بقي باب السجن الأسود الكبير ووجوه السجانين وروائح الموت، صور حاضرة وملتصقة بطفولتي المسروقة. أما زنزانة أبي وأقبية التعذيب وساعة التنفس اليومية ووجبات الطعام المليئة بالحصي والعدس الأسود وكل التفاصيل الصغيرة والمؤلمة التي يدور حولها السجن فما زلت أجهلها، وكأن جزءاً من روحه وروحي ما زال مسجوناً هناك.
أتذكر صورة رأيتها لمعتقل يعود لزنزانته وهو انسان حر ويقف وجهاً لوجه أمام سنوات السجن والعذاب، يمر فوقها ليتجاوزها وينجو بما تبقى من روحه. صورة لطالما حلمت أن يعيشها أبي وأكون قربه، أمد يدي وألتقط وجهه ضاحكاً بكاميرتي وأمد لساني لزنزانته وسنوات العتمة الطويلة وأبصق في وجه العفونة والهواء الملوث بالدم والوجع.
ما زلت لليوم أحلم أن أرى السرير الذي نام عليه أبي وهو بعيد عنا وأرى الزنزانة التي قضمت عمره. اثنان وعشرون سنة لا أراه فيها كيف يستيقظ ويحلق ذقنه ولا كيف يشرب قهوته ولا كيف يغفو، ولا هو يراني فيها كيف أحبو ثم أدخل المراهقة بكامل ثورتي ولا يراني وأنا طفلته الصغيرة أصير زوجة وأماً.
ما زلت إلى اليوم وأنا في الأربعين، طفلة صغيرة منسية أمام باب حديد أسود أخبط عليه بيدي وأقدامي، أخبط وأنا أصيح ‘أبي’…وقربي الكثير من الصغار والشباب، النساء والرجال يقفون أمام باب سجن أسود كبير، كتب عليه بالخط العريض ‘سورية الأسد’ يخبطون ويصيحون ‘حرية’.
كاتبة سورية