ذاكرة الشعر: حسين مردان و قصيدة النثر

حجم الخط
0

ذاكرة الشعر: حسين مردان و قصيدة النثر

سامي مهديذاكرة الشعر: حسين مردان و قصيدة النثر ربما كان الشاعر حسين مردان (1927 ـ 1972 ) خير ممثل للروح التي حلت في الشعراء العراقيين الشباب الذين ظهروا في أواخر أربعينيات القرن العشرين ، وأصبحوا رواد ما عرف في ما بعد باسم ” حركة الشعر الحر ” ، فقد كان جذوة هذه الروح في قلقه وتمرده واندفاعه وخروجه علي التقاليد وانهماكه في الكتابة والتجريب . وإذا كانوا هم قد عبروا عن قلقهم وتمردهم بالخروج المبكر علي نظام النظم التقليدي في الشعر العربي ، فإنه عبر عن ذلك بسلوكه ونمط حياته وجرأته في اقتحام المجهول ، قبل أن يعبر عنه في موقفه الشعري . فقد كان ” بوهيمياً ” قبل أن يَعرف معني ” البوهيمية ” ، وكان ” هيبياً ” قبل أن يظهر ” الهيبيون ” علي المسرح ، بل كان ” رامبو ” حقبته ، قبل أن يسمع باسمه ، حتي وصف بالتشرد والصعلكة ، وظن أهل مدينته ” بعقوبة ” أنه ” نصف مخبول ” مثلما ظن أهل مدينة ” شارلفيل ” برامبو نفسه .(1) وكما كانت ” ناتالي ” تضايق ابنها ” رامبو ” وتطالبه بالاستقامة والانتظام في الدراسة ، كذلك كانت ” أم حسين ” ، حتي قرر الفرار من وجهها والرحيل إلي بغداد ، كما فر رامبو من أمه ورحل إلي باريس . كان ذلك عام 1947 ، وعمره لم يكن يزيد عن عشرين عاماً .غير أنه لم يرحل بناء علي دعوة تلقاها من ” فرلين ” آخر ، بل رحل معتمداً علي نفسه ، ومعتداً بذاته ، وثقة بقدرته علي اقتحام المجهول من دون معين . وقد كانت جيوبه ، عند الرحيل ، خاوية إلا من دراهم قليلة ما لبثت أن تبخرت بعد يومين أو ثلاثة من حلوله في بغداد . فكان عليه أن يجوع ويتشرد ويشقي . فلم يكن يتناول من الطعام سوي وجبة فقيرة واحدة في اليوم . ولم يكن له بيت أو مكان محدد يؤويه ، وكان إذا جنَّ الليل يجوب شوارع المدينة حتي مطلع الفجر ، حتي إذا هدَّه النعاس والتعب ، عمد إلي أقرب بستان ليحصل فيه علي ” غفوة صغيرة “. كل شيء في سيرة حسين مردان يذكر برامبو ، ولكنه رامبو من طراز خاص ، طراز عقلاني ! وربما كانت هذه العقلانية هي التي فرضت نفسها عليه ووجد نفسه مرغماً علي الرضوخ لها ، في الحدود الدنيا في الأقل . فلا شيء يُعطي مجاناً لكل قادم إلي بغداد . ولا أحد ، في بغداد ، يتعهد غريباً فينفق عليه أكثر من يوم أو يومين . وكان علي حسين أن يأكل ، ولو وجبة واحدة في اليوم ، وأن يثوي في مكان ، و يجلس في مقهي ، أو يدلف إلي حان ، وكل هذا يلزمه بأن يدفع ، وإلا حدث له ما لا تحمد عقباه . ولذا كان علي حسين أن يعمل ليحصل علي قوته اليومي وضرورات معيشته ، فزاول أعمالاً متواضعة شتي ، منها عامل بناء بسيط ينقل الطابوق ( الطوب ) علي ظهره . ولم يكن هذا العمل ، أو غيره ، بميسور له دائماً ، فظل الجوع وقلة النوم يلازمانه ، حتي وجد من فتح له طريق العمل في الصحافة ، فعمل ” مصححاً ” ثم ” مخبراً محلياً ” ثم ” محرراً ” ، وعندئذ نال قدراً يسيراً من الاستقرار في صحافة هي نفسها غير مستقرة ، بسبب ما كانت تتعرض له من قرارات المصادرة والتعطيل المؤقت والغلق النهائي . كان شارع الرشيد أول ما اجتذب حسين مردان من بغداد . ولم يكن هذا الشارع خرباً قذراً كما هو اليوم ، بل كان ” شارع الفساتين الملونة والزجاج “. كان يعج بالنساء الجميلات السافرات المتأنقات من كل دين ، مسلمات ومسيحيات ويهوديات ، عراقيات وعربيات وأجنبيات . وكانت المخازن تتلألأ بأضوائها ومعروضاتها الحديثة المغرية . أما المقاهي والملاهي ودور السينما فهي كثيرة . فهو شارع للنهار ولليل . وثمة في أقصي طرفه الغربي تقع منطقة الميدان . وما أدراك ما منطقة الميدان : تزخر بالعاطلين عن العمل والشحاذين والمشعوذين والسكاري وأنصاف السكاري ، ويكثر في أسواقها وأزقتها الفرعية الباعة المتجولون والنشّالون وباعة الحشيش والأفيون . وفيها ، عدا ذلك ، مبغي عام يرتاده سواد الناس في الليل والنهار . وفي هذه المنطقة ، في هذا الشارع ، وجد حسين كل ما كان ، يومئذ ، يبتغيه . ولكن المقاهي التي يرتادها الأدباء كانت هدفه الأول هناك . وفيها تعرف علي الشعراء والأدباء والصحفيين الشباب . فالتقي ببدر شاكر السياب ، وعبد الوهاب البياتي ، و بلند الحيدري ، وصفاء الحيدري ، ورشيد ياسين ، وكاظم جواد ، وعبد الرزاق عبد الواحد ، وأكرم الوتري ، وعبد المجيد الونداوي ، وغائب طعمة فرمان ، وغيرهم ، وشاركهم مجالسهم ومناقشاتهم ، غير أنه احتفظ بمسافة ذهنية تفصل بينه وبينهم . فهو مختلف عنهم في كل شيء ، في نمط حياته ، وتفاصيل سلوكه وعاداته ، ونوع أحلامه ، وفي آرائه في الشعر ، وفي الوجود ، وفي المرأة والحب ، وفي كل شيء . كان الشعراء منهم قد بدأوا تواً كتابة الشعر الحر ، وما زالوا شغوفين بمحاولاتهم الأولي ومبهورين ، يتجادلون حولها فيتفقون ويختلفون ، وقد تصل بهم خلافاتهم إلي الخصومة ، فينقسمون إلي جماعات متناحرة تتبادل الطعون والاتهامات(2) . أما هو فكان ما يزال يكتب الشعر العمودي ويجد فيه ذاته الشعرية . فلم يكترث لخصوماتهم ، ولم يقحم نفسه فيها ، يل ظل محتفظاً برأيه مستقلاً عن آرائهم . وكانوا هم ، أو أغلبهم ، ينتمون إلي أحزاب سياسية سرية ، ويعبرون عن أفكارهم ومواقفهم في شعر يكتبونه . أما هو فلم ينتم إلي أي حزب ، أو يتحمل أية مسؤولية سياسية ، ولم يكن يجد نفسه مطالباً بالتعبير عن شعوره الوطني وآرائه في أية قصيدة يكتبها ، برغم وطنيته الأصيلة العميقة .(3) وكانوا هم طلاباً في ” دار المعلمين العالية ” أو ” كلية الحقوق ” يسعون بجد ، وينتظرون أيام التخرج ، ليحظوا بوظيفة ذات مرتب شهري ثابت ، ويستطيعوا الزواج وفتح بيت مستقل . أما هو فلم يكن يفكر بشيء من ذلك . فقد هجر عالم المدارس ، وعاش حياة بوهيمية ، وظل بلا عمل ثابت تقريباً ، وكان أقصي ما يفكر فيه ، إن فكَّر ، هو هذه الأحلام البرجوازية الصغيرة . وكانوا هم رومانسيين في شعرهم ، وفي نظرتهم إلي المرأة ، ومثاليين في نظرتهم إلي الحياة والكون ، برغم اعتناق بعضهم ، أو أغلبهم ، الماركسية . أما هو فكان بوهيمياً في شعره وسلوكه ، وكانت نظرته إلي المرأة حسيّة غريزية خالصة ، لا يري فيها سوي جسدها ، وكل شيء في هذا الجسد يذكره بشيء محسوس ، بأطايب الطعام وأشهي الفواكه مثلاً . وكانوا هم يجدون المرأة إلي جوانبهم في مقاعد الدراسة الجامعية ، فيغرمون بها دون أن ينالوها ، ولا يملكون سوي التغزل بها ، والتوسل إليها في القصيدة بعد القصيدة ، أما هو فكان يراها تخطر في شارع فتثير غرائزه ، ويحظي بها في مبغي فيمارس طقوسه معها . كان يسمّيهم ” أبناء الكليّات ” جاداً وهازلاً . وكانت له مآخذه عليهم ، وأهمها أنهم بعيدون عن المصدر الحقيقي للإبداع الشعري ، في رأيه . فهم ليسوا مثله ، هم لا يخوضون بأنفسهم ” معارك الحياة ” ولا يسبرون ” أغوار الدنيا ” ، بل يدفنون رؤوسهم في دواوين كبار شعراء العالم ليخرجوا منها بأشياء يبنون عليها قصائدهم . كان يعتقد أن الحياة الحقيقية هي في قاع المدينة ، وليس في بطون الكتب . وكان يجد هذه الحياة نهاراً في وجوه المتعطّلين والشحاذين والمنجِّمين والباعة المتجولين والحشاشين والنشّالين الذين تعج بهم منطقة الميدان وأزقتها الفرعية ، أما في الليل فيجدها في الحانات والمباغي وروادها وأجوائها الضبابية . وكان يعد نفسه ، ويعده أصدقاؤه ” فارس ليل لا يشق له غبار ” . ولذا أطلق علي نفسه صفة ” رجل الضباب ” وعلي أصدقائه صفة ” فرسان الضباب ” . ولم يبخل بهذه الصفة علي فتاة أعجبته من فتيات المباغي فسمّاها ” فتاة الضباب ” . وبرغم أن بلند الحيدري كان أقرب الشعراء إليه لأكثر من سبب ، ظل يقف علي مسافة منه . وبرغم أنه وافقه علي تأسيس مقهي ” واق واق ” وزامله في جماعة ” الوقت الضائع ” ، لم ينهمك معه في شؤونهما وشجونهما . فهو لم يكن يحمل مشروع ” الوقت الضائع ” علي محمل الجد ، ولم تكن فرديّته لتسمح له بالانخراط في جماعة ، ولذا لم يكن له في هذا المشروع ، ولا علي هامشه أي نشاط ملموس . وقد كان يتجنب الحديث عنه . وإذا سئل ، وقد سألته أنا مرات ، أوجز في الجواب ، وعمّي ، وغيّر الموضوع . وهو لم يشر إليه ، حينما كتب عن ذكرياته ، سوي مرة واحدة . وكانت الإشارة تخص مقهي ” واق واق ” حصراً ، ولعله لم يشر إلي هذا المقهي إلا ليقول إنه هو الذي أطلق عليه هذا الاسم . ولو كان الأمر علي خلاف ما ذهبنا إليه لكتب عن جماعة ” الوقت الضائع ” ومقهاها في ما كتب عن ذكرياته ، ولتحدث عنها باعتزاز ، مثلما يفعل حين يتحدث عن أي موضوع يخصه أو له دور فيه . لقد كان له عالمه الخاص المختلف عن عوالم الآخرين أياً كانوا ، وبمن فيهم صديقاه الأثيران المحامي عبد المجيد الونداوي والروائي غائب طعمة فرمان . ولم يكن لينضم إلي جماعة فينسب إليها ، أو حزب فيحسب عليه . كان يعيش داخل نفسه أكثر مما يعيش خارجها . بل هو ما كان ليعيش خارج نفسه إلا خضوعاً لشرطه الإنساني ، في حين كان دائم التحديق في أعماقه ، يفكر بصمت ويقلب الأفكار علي وجوهها ، أو يحلم أحلام يقظة في امرأة أعجبته أو شيء أقلقه . لذلك ظل مختلفاً عن زملائه ، وحافظ علي استقلاله الشعري والفكري ، وكتب ” نمطه الفريد ” حتي النهاية . وأغلب ظننا أنهم لم يكونوا يوافقونه علي آرائه ، وربما استخفّوا بها ، وشككوا في عمق ثقافته وسعة إطلاعه كما كان بعضنا يفعل حين تعرفنا عليه وحاورناه في أواخر ستينيات القرن الماضي . ولكنه لم يعبأ بهم ، أو بنا ، وشق طريقه في الشعر بعصامية فريدة لا تذكرنا بأحد سوي الشاعر محمد الماغوط . وخلاصة القول : إن حسين مردان كان واحداً من أولئك الشعراء ، ولكنه كان مختلفاً عنهم في كل شيء ، ومع ذلك كان يمثل روح جيله بعمق وعنف ، فاتخذ لنفسه طريقاً غير طريقهم ، وإن التقي بهم في بعض مفارقها ومنعطفاتها . وقد شق طريقه بنفسه ، فهو عظيم الثقة بها ، ولا يكاد يطمئن إلي سواها . كان يشعر بأنه ” عبقري ” و ” عظيم ” و ” مارد جبار ” ، ولا يتحفظ في التصريح بذلك قولاً وكتابة ، سواء أكان جاداً في ما يصرح به أم مشاكساً ، ومرة قال لي في مقابلة صحفية أجريتها معه في أواخر الستينيات ” أنا ديكتاتور الأدب ” ، فكيف يكون كأي واحد منهم ؟ عاش حسين مردان نحواً من خمسة وأربعين عاماً ، بلغ عمره الأدبي منها نحواً من خمسة وعشرين عاماً ، كتب خلالها شعراً عمودياً ، وشعراً حراً تفعيلياً ، وشعراً حراً بلا وزن ولا قافية ، وقصائد نثرية ، ومقالات نقدية ، ومقالات أدبية عامة . ويبلغ عدد مؤلفاته المطبوعة خمسة عشر مؤلفاً ، بعضها صدر في كتب ، وأغلبها صدر في كراسات ، وله كتابات شعرية ومقالات أخري لم تنشر في كتاب مستقل باسمه . وما يهمنا هنا هو حسين مردان الشاعر ، وليس الناقد أو كاتب المقالة . ويبلغ عدد أعماله الشعرية المطبوعة اثني عشر عملاً بين ديوان وكراس هي : قصائد عارية (1949) ، واللحن الأسود (1950) ، ورجل الضباب (1950) ، وصور مرعبة (1951) ، وعزيزتي فلانة (1952) ، والربيع والجوع (1953) ، ونشيد الإنشاد (1955) ، والعالم تنور ( ؟ ) ، والأرجوحة هادئة الحبال (1958) ، وهلاهل نحو الشمس (1959) ، وأغصان الحديد (1961) ، وطراز خاص (1967) . (4) وله ديوان آخر لا يعرف مصيره حتي الآن هو ديوان ” فولاذ وعصافير وامرأة “(5) ونحو عشرين قصيدة من الشعر الحر الخالي من الوزن والقافية ، وعشر من الشعر الحر التفعيلي ، نشرها كلها في مجلة ” ألف باء ” وأعيد نشرها بعد وفاته بسنوات في كتاب ” من يفرك الصدأ “(6) هذا فضلاً عن قصائد نثر لم يحصر عددها نشرت بوصفها مقالات صحفية في المجلة نفسها ، وأعيد نشر بعضها في كتابه ” الأزهار تورق داخل العاصفة ” وبعضها نشر في كتاب ” من يفرك الصدأ ” الذي مر ذكره ، و هذه القصائد هي ، فقط ، ما سنتحدث عنه الآن ، وندع بقية شعره لدراسة شاملة حوله .(7)قصائده النثرية : برغم أن من المألوف ، في الكتابات العربية النقدية وغير النقدية ، الخلط بين الشعر الحرFree Verse وقصيدة النثرProse Poem ، فإننا نفضل الفصل بين هذين الجنسين من الكتابة الشعرية . ذلك أن لكل منهما تأريخه الخاص وشكله المميز وخصائصه الفنية . وشاعرنا حسين مردان كتب بعض شعره في هذين الشكلين ، فأطلق علي ما كتبه في الشكل الأول اسم ” النثر المركز ” ولم يعده شعراً ، وكتب في الشكل الثاني وفي ظنه أنه يكتب مقالة أدبية ! في أوائل عام 1969 عرضت مجلة ” ألف باء ” الأسبوعية علي حسين مردان أن يكتب مادة أدبية لكل عدد من أعدادها ، فوافق وراح يزودها بمقالات وقصائد تنشرها في المساحة المخصصة له من صفحاتها . ما يهمنا هنا هو المقالات ، وهي متنوعة وكثيرة ، منها ما يتناول ذكرياته عن شبابه وأسفاره ومحاكماته ، ومنها ما يتناول قضايا أدبية وفنية ، غير أن بعضها قطع أدبية خالصة أطلق عليها الدكتور علي جواد الطاهر تسمية ” المقالة المبدعة ” .(8) وعندي أن ما يسميه الطاهر ” مقالة مبدعة ” ويعده ” مقالة علي أية حال ” ما هو إلا ” قصيدة نثر ” تشبه في شكلها العام قصائد النثر التي كتبها بودلير وسمّاها Poem en Prose ثم نشرها في كتابه المعروف سأم باريس Le Spleen de Paris ، وهذه واحدة مما كتب حسين من هذه القصائد : ” كان الصبح يعدو إلي المغيب ، ولم أكن فرحاً أو مهموماً .. هناك قصيدة ومقال وقصة .. وابتسمت ، أسراب الموظفين والطلبة يركضون نحو بطن الحوت الأحمر . لقد ذهب العيد . وسرت علي حافة الشارع . سكّين وحبل رمادي . وفي الأفق غيمة سمراء علي شكل وعل . لقد بدأت الغابة تتثاءب في أعماقي . وحوش ومحاربون وببغاء علي غصن طويل ، والليل ينتظر وراء قلبي ، الليل ينتظرني . ليلي الخاص . ومرت امرأة من العهد القديم .. والهلال الأسود فوق الحاجب ..! وكان تفاح وليمون ، هذه المخلوقة الطيبة ، إنها تهرول نحو السوق . في زمن ما بعت سروالي لكي أسكر بثمنه . كان معي غائب طعمة فرمان وعبد المجيد الونداوي .. هكذا شربنا البنطلون في كازينو بلقيس .. إيه .. والتف الحبل الرمادي علي قدمي .. من أي مكان جئت ؟ إن جبيني يلمس أرجل الوعل .. الوعل الموجود في الغيمة السوداء … إني لعلي مجد كبير ! وأقبل عامل صغير .. إنه يلهث .. لقد تأخر قليلاً .هو يحمل وجه شقيقي .. حبي لك يا عبّاس .. ومضيت أزحف بين أحلامي .. بدلتي الرصاصية في استامبول وصورة وجهي داخل إطار في موسكو وأنا هنا في حي البلديّات ومعي نصف أوقيّة من الرز وعلبة سكاير .. ها .. والصبح يركض نحو المغيب .. والقصيدة لم تكتمل بعد .. لو أعرف من هذا الذي يمشي علي السكّين ؟ الموجة تسير والبحر في مكانه .. لو غسلت القميص لذهبت لرؤية أصدقائي في مؤسسة الصحافة ! ولكنها ملعونة تلك الطفلة المسؤولة عن نظافة ملابسي . ما فائدة العتاب . ووصلت الرابية . كان عمود التلفون يغنّي .. أغنية بلا كلمات تسافر إلي إنسان مجهول . وفي الجانب الأيسر مسحاة تنقل التراب إلي مؤخرة سيارة . قال الفلاح إن أرض حديقتي منخفضة . ووقفت أنظر إلي الشتاء في السماء . لقد تحول الوعل إلي سفينة وبقايا قرية خالية . وتقلص ظلي من الأعلي . أنا ذرة رمل في قاع هاوية .. وبعد لحظة سيختفي المسرح والممثل . فالليل ينتظرني . والزمن يحملق بي ويطرح أسماله علي عيني .. يا لي من أعمي يتحدث عن الألوان . بالأمس رأيت مؤلفات بلزاك في العربة ! عربة الكتب البائرة ! مهزلة عمرها عشرة آلاف سنة . وانقلب الطريق إلي كأس من السمّ . ليتني أستطيع أن أذبح التأريخ وكل اللغات . في القمر محطة ، وعند خط الاستواء هندي يلاعب أفعي . وفي مجلس النواب التشيلي يجلس الشاعر بابلو نيرودا .. عندما التقيت به في الكرملين كان ساهم العينين .. كنا قافلة واحدة ، المرأة القديمة والعامل الصغير والقمر والمسحاة وأنا وبابلو والأفعي الهندية .. واقتربت من البيت .. من قبري المؤقت .. التين والصبار وعلي السطح زقزقة عصفور .. من يسحب الماء من البئر ؟ ألف حنفية مقفلة في صدري . فيا إلهي متي تعود الكف التي تفرك الصدأ … ودخلت .. الطيف يملأ الكرسي والشذا علي الستائر .. والخلاص فأرة لا تعرف درب المصيدة .. حفنة من السمّاق هي تسليتي . وتكوّمت بجانب النافذة صُرّة من الهواء ترقص في الصالون . ” (انتهت) لو قارنت هذه ” المقالة ” بقصيدة من قصائد بودلير النثرية لوجدتهما تتشابهان تشابهاً كبيراً ، والشبه واضح في : شعرية العنوان ، وتتابع السرد ، وأدبية اللغة ، وكثافة الخاتمة ، وغائية الرسالة . غير أن قصيدة حسين مردان تختلف عن قصيدة بودلير في اعتمادها علي التداعي الحر ، وليس علي التفكير المنطقي المتسلسل ، وهي تمزج بين الواقع وما وراء الواقع ، وما بين الحلم والذكري ، بخلاف قصيدة الشاعر الفرنسي ، وهذا ما يجعلنا نقول : إن حسين مردان لم يتأثر ببودلير في ما كتب . والواقع أن مردان لم يعرف بودلير إلا معرفة عامة غامضة ومشوشة ، مصدرها بعض المقالات وبعض الأخبار . وهو لم يقرأ لهذا الشاعر سوي بعض ما ترجم له من ” أزهار الشر ” إلي اللغة العربية . وربما كان قد عرف أن بودلير كتب قصائد نثر ، ولكنه لم يقرأ كتاب ” سأم باريس ” حتماً ، ولم يطلع علي نماذج مترجمة منه في أقوي الاحتمالات ، فاهتمام الأدباء العرب بهذا الكتاب ونماذجه لم يحصل إلا بعد وفاته بسنوات . وحتي لو صادف أن اطلع بطريقة ما علي واحد أو اثنين من هذه النماذج ، وهذا احتمال ضعيف جداً ، فإنه لا يعني شيئاً . فهو لم يكتب إلا في موضوعات خاصة به ، وقد كتبها بلغته هو ، وبصوره الفريدة التي ينتزعها من الواقع المادي الملموس ومما وراء الواقع ، ويطلقها في تداع حر ، لتمتزج الصورة الواقعية بالصورة السوريالية وتفضي إلي تشكيل شعري فريد كهذا الذي رأيناه في ” من يفرك الصدأ ” . لقد كتب مردان قصائده النثرية في موضوعات مستمدة من حياته اليومية ، وتجاربه الخاصة ، وذكرياته ، وأحلامه ، ولم يستلهمها من مصادر خارجة عنه وعن محيطه ، وكان نثره ” نثر الحياة اليومية ” بامتياز ، علي أحسن ما أراده بودلير ولم يبلغه ، في رأينا . فحسين لم يدفن رأسه في الكتب ، كما فعل آخرون حسب قوله ، بل عاش الحياة وتذوقها بكل حواسه ، ونظر إلي الأشياء بعيني طفل فرأي فيها ما لا نراه . وما من شيء إلا وكان يري فيه ما يفاجئه ويدهشه ويحيره ويقلقه ، حتي أكثر الأشياء ألفة وشيوعاً . وقد كان ذا أحلام يقظة لا تنقطع إلا ليغوص في عالم باطني مكتظ بالأعاجيب . وهذا ما جعل ” مقالاته ” بل قل قصائده أحفل بمادة الشعر من قصائد بودلير النثرية المتأنقة ، وما قصيدة ” من يفرك الصدأ ” إلا مثال . وخلاصة القول : إن قصائد حسين مردان النثرية إبداع خاص ، من طراز خاص ، لم ينسج علي منوال مثال سابق عليه ، بل هو سابق فيه . فهو لم يقلد أحداً في كتابة قصائده هذه ، ولم يتصنع فيها أو يفتعل ، بل كتبها بتلقائية مدهشة . وهو لم يطلع علي ما اطلع عليه سركون بولص أو غيره ، مثلاً ، بل كتب أنموذجه الخاص المتفرد والمتميز بين النماذج ، وهذا الأنموذج لم يتميز بصياغته الفنية فحسب ، بل كذلك بنكهته المحلية الخاصة ( العراقية ) . وهو لم يقرأ كتاب سوزان برنار عن قصيدة النثر ويستلهم منه ما يستلهم . وأغلب ظننا أنه لم يهتم في حينه بقراءة أنسي الحاج ، أو أدونيس ، أو سواهما من كتاب قصيدة النثر العرب ، ولو فعل ، وهذا احتمال لا يسعنا نفيه ، لما اكترث لما يكتبون ، ولاستخفّ به ، وما ذلك إلا لاعتقاده بأنهم ممن يدفنون رؤوسهم في كتب الشعراء العالميين المشهورين ليستمدوا منها ( أشياء ) يبنون عليها قصائدهم ، كما قال يوماً عن السياب والبياتي وكاظم جواد .(9) وهذا كله مما يجعلنا نقول : إذا كان هناك من يبحث عن أب شرعي لقصيدة النثر العراقية ، كما يحب بعضهم أن يخصص ويبحث ، فإن هذا الأب هو حسين مردان ، دون سواه . ونحسب أن الضرورة والتجربة هما اللتان أوصلتا مردان إلي الشكل الذي كتب به قصائده النثرية ، ولمّا لمس نجاحه فيه ، وثناء بعض أصدقائه عليه ، ومنهم زملاؤه في مجلة ” الف باء ” ، تمسك به وراح يطوره . فهو لم يكن صاحب مشروع مخطط له كمشروع بودلير ، بل كان يريد كتابة ” مقالة ” التزم بكتابتها لمجلة ودفعها للنشر في وقت محدد . غير أنه لم يكن من المحترفين في كتابة المقالات الصحفية برغم عمله الطويل في الصحافة ، وما كان في وسعه أن يفي بالتزامه هذا من دون مشقة ، فقاده ضغط الالتزام وتشجيع الزملاء والأصدقاء إلي هذا اللون من الكتابة ، وراح يطوره بالتجربة والمران شيئاً فشيئاً . فقد بدأ فيه بداية ضائعة بين المقالة والقصيدة ، حتي نضج الشكل عنده واستوي علي ما صار إليه ، وتوفي من دون أن يفكر ( أو يخبره أحد ) بأن ما يكتبه قصائد نثر ، وليس مجرد مقالات صحفية مكتوبة بلغة أدبية . ويكاد ما كتبه من هذه القصائد يشكل مجموعة كاملة ، ولكن بها حاجة إلي وقفة نقدية متأنية تغربلها وتفرزها عن مقالاته الاعتيادية ، أو تلك الضائعة بين المقالة والقصيدة ، قبل دراستها ونشرها في كتاب مستقل . ومن أمثلتها : منائر كربلاء وقمة أفريست ، والرخ والحليب الأسود ، والعصفور والفواكه الاصطناعية ، والسمك يفقد طعمه الدموي ، والقطة تقفز في الفضاء ، والشاعر والثغور المالحة ، ودوران الروح ، وغيرها .(10)ہ شاعر من العراقالهوامش :(1) كل ما ورد عن سيرة حسين مردان في هذه الدراسة مستقي من المصادر الآتية:حسين مردان / الأزهار تورق داخل الصاعقة / وزارة الإعلام _ بغداد / 1972 د. علي جواد الطاهر/ من يفرك الصدأ / دار الشؤون الثقافية العامة _ بغداد /1988 يوسف عبد المسيح ثروة / حسين مردان من ألم المخاض إلي الأزهار تورق داخل العاصفة / مجلة الكلمة _ بغداد /العدد 6 السنة 4 / تشرين الثاني 1972 حسين مردان/مقالات في النقد الأدبي/المطبعة العربية ـ بغداد/ 1955وكل عبارة مقوسة ترد في الحديث عن سيرة الشاعر هي من مقولاته .(2) ومن ذلك الخصومة بين الشاعرين بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي(3) حدث تحول في موقفه الشعري عام 1952 ، في الأرجح ، وذلك عندما حكم عليه بالسجن مدة سنة من دون أن يكون له أي نشاط سياسي ، أو أي انتماء حزبي ، فتبني قضايا الشعب حتي النهاية .(4) هناك ما يحملنا علي الظن بأن قصيدة ( رجل الضباب ) من أنتاج عام 1952 وليس عام 1950 كما ذكر الشاعر عند إعادة نشرها في ديوان ” أغصان الحديد ” عام 1958 . أما كراس ” العالم تنور ” فلم نستطع التثبت من تاريخ نشره ولكن من المحتمل أنه نشره عام 1954 ، أو عام 1956 (5) ذكر هذا الديوان ونوّه عن وجوده في هامش ضمن الملف الذي أعدته مجلة ” الأديب المعاصر ” عن الشاعر بعد وفاته . راجع : الأديب المعاصر / العدد 4/ السنة 1/ آذار 1973 / ص 201 (6) د. علي جواد الطاهر / من يفرك الصدأ / مصدر سابق / راجع بشأنه الهامش رقم(1)(7) في الواقع أننا قد أنجزنا هذه الدراسة ، وهذا المقال جزء منها .(8) د. علي جواد الطاهر / مصدر سابق / ص 24(9) حسين مردان / مقالات في النقد الأدبي / مصدر سابق / ص 68(10) نشرت هذه كلها في كتابه : الأزهار تورق داخل الصاعقة ، وهناك غيرها في كتاب د. علي جواد الطاهر : من يفرك الصدأ . وقد بلغ مجموع ما نشر في الكتابين نحو 157 مقالة ، مئة منها في الكتاب الأول وسبع وخمسون في الكتاب الثاني . 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية