ذاكرة:  فاتح المدرس (1922 ـ 1999)

حجم الخط
0

الفنان التشكيلي والقاصّ والشاعر، أحد أبرز ممثلي الحركة التشكيلية السورية وفي عداد الرواد الأهمّ على صعيد تطوير الموضوعات والأشكال والمزج بين تيارات سوريالية وتعبيرية وتجريدية، مع توظيف بارع للرموز والأساطير والطقوس المحلية والسورية والكونية، خاصة وأنّ والدته كانت كردية مما أتاح له استلهام الكثير من التمثيلات الإثنية التعددية. وكانت مشاركته في معرض روما سنة 1972، إلى جانب أعمال لكبار من أمثال براك وميرو وبيكاسو، بمثابة اعتراف صريح بمكانته العالمية، التي سبق أن تجلت في فوزه بالجائزة الأولى لأكاديمية روما سنة 1960 والميدالية الذهبية لمجلس الشيوخ الإيطالي سنة 1962، وهذه وسواها كانت علامات على عمق احتكاكه بالفنون الغربية في إيطاليا وفرنسا خصوصاً.
وفي توصيف برهة ولادة اللوحة يقول المدرّس: «عندما أرسم، أشعر بأنّ هناك ظلمة شديدة أطبقت على كل شيء، وأنني أخرج من نفق، وأنني أرى نوراً في داخل رأسي، وكأنّ ريحاً باردة تهبّ على وجهي، فأبتسم وأعرف أنني وصلت إلى قمة الانفعال في اللوحة، وأعرف أنها انتهت… هذا هو الإحساس في كلّ عمل أقوم به، وكلّ لوحة لا أمرّ بها في هذه الحالة أعتبرها عملاً كاذباً وغير ناضج».
وفي مطلع شريط تسجيلي تناول تجربته، اشترك في إخراجه السوريون عمر أميرالي ومحمد ملص وأسامة محمد سنة 1995، يقول المدرّس: «أتحسر أننا حُرمنا من جمال الطبيعة، وهذا حرمان قاس جداً، خاصة بالنسبة لي أنا الذي أفهم اللون وأفهم الضوء وأفهم الموجودات. هذا الكوكب الجميل كوكب رائع، إذا توفرت لك فرصة المسير في البرية ساعة زمن. تصوّر أنا أحب الطبيعة لدرجة أشعر فيها أنني محاصر. إذا كنت أنوي المسير خارج الشام ليس لدي الوقت، ولكن من الذي سجنني؟ أنا محاصَر، والذي يحاصرني مجهول». ويتابع، في مقطع آخر: «سوريا خلال سنوات 1946 و1947 و1948 مستقلة حديثاً، باب من الحديد ضخم في الجبل، انفتح الباب، وخرجت منه جموع الناس، أطفال ونساء ورجال ودواب وحيوانات وخيول وعربات. كانت سوريا هكذا، باب ضخم أسطوري. إذا قرأت الصحافة السورية ذلك الوقت، وإذا رأيت الشارع، تظنّ أنك في باريس. شارع بارون (في حلب) كان صورة عن الشانزليزيه».
بين أبرز أعمال المدرّس: «كفر جنة»، 1952؛ «التيس عاشق القمر»، 1970؛ «التدمريون»، 1973؛ « زفاف في جبال القلمون»، 1977؛ و«عشتار»، 1983.

جوزيه ساراماغو (1822 ـ 2010):

غير بعيد عن أن يكون أعظم روائيي البرتغال على امتداد القرن العشرين، وأصداء أدبه ومواقفه السياسية والأخلاقية تواصلت بقوّة واضطراد قبل حصوله على جائزة نوبل للأدب سنة 1998 وبعدها، وبلغت أوجها مع الاحتفال بالذكرى المئوية لولادته حين توقفت البرتغال مجدداً عند حدثَين فارقَين، بين وقائع أخرى كثيرة طبعت حياته وسلوكه: قرار رئيس الوزراء البرتغالي سحب رواية ساراماغو «الإنجيل حسب يسوع المسيح»، 1991، من لوائح الترشيح لجائزة الأدب الأوروبي، بزعم أنها تسيء إلى المعتقدات الكاثوليكية؛ وقرار ساراماغو، في الردّ على هذه السابقة الرقابية المشينة، بمغادرة البرتغال والعيش في إحدى جزر الكناري حيث كتب عدداً من أفضل رواياته: «مقالة حول العمى»، «كلّ الأسماء»، «الكهف»، و«رحلة الفيل».
وكان ساراماغو كاتباً يسارياً وعضواً في الحزب الشيوعي البرتغالي وناشطاً على أصعدة سياسية وثقافية واجتماعية، وله مواقف ناقدة تجاه الإمبريالية وأنظمة اقتصاد السوق وزيف الكثير من مظاهر الديمقراطية الغربية والأمريكية، مما جرّ عليه سخط مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي لا يُعرف عنها اهتمام بالأدب. خلاصة آرائه في علاقة الكاتب بالحياة جاءت خلال حديث مع صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية سنة 2006، جاء فيه: «الرسام يرسم، الموسيقي يؤلف موسيقى، الروائي يكتب روايات. لكنني أعتقد أننا جميعاً نترك أثراً أو انطباعاً، وذلك ليس عائداً لطبيعة كوننا فنانين، ولكن بسبب كوننا مواطنين. كمواطنين، يتوجب علينا التفاعل والمشاركة، لأنّ المواطن هو من يغير الأوضاع. لا أستطيع تخيّل نفسي خارج أي نوع من المشاركات السياسية أو الاجتماعية». ويُسجّل له أيضاً موقف تضامن مع الفلسطينيين كان شجاعاً ولافتاً، خلال زيارة إلى رام الله ضمن وفد من الكتّاب العالميين بدعوة من محمود درويش، في آذار (مارس) 2002. يومها صرّح بأنّ «ما يحدث في فلسطين هو جريمة من نفس طراز ما حدث في معسكر أوشفيتز، ولكن من منطلق إحساس الشعب الإسرائيلي وجيوشه بالحصانة. لقد تحولوا إلى أشخاص منتفعين من الهولوكوست».
تُرجم عدد كبير من روايات ساراماغو إلى العربية، بينها: «قصة حصار لشبونة»، «الطوف الحجري»، «الذكريات الصغيرة»، «انقطاعات الموت»، «الآخر مثلي»، «كتاب الرسم والخط»، «سنة موت ريكاردو ريس»، «قايين»، و«المنور».

موليير (1622 ـ 1673):

لذكرى الـ400 لولادة الكاتب المسرحي والممثل والمخرج والشاعر والمحامي، وأحد كبار أساتذة الفنون المسرحية عموماً، والكوميديا خصوصاً؛ ليس في فرنسا واللغة الفرنسية فقط، وإنما على نطاق عالمي وخلال مختلف مراحل تطوّر الكتابة للمسرح وإخراج المسرحيات. رصيده ساعة رحيله يسجّل تمثيل 95 مسرحية، بينها 31 من تأليفه؛ وكانت مسرحيته «طرطوف»، 1664، قد أثارت سخط الكنيسة الكاثوليكية إلى درجة المطالبة بإحراقه حياً، لولا تدخّل ملك فرنسا لويس الرابع عشر. مسرحيات شهيرة أخرى، مثل «مدرسة الزوجات» و«الطبيب رغم أنفه» و«عدو البشر» و«النساء المتحذلقات» و«المريض رغم أنفه»، لم تسلم بدورها من إثارة عواصف انتقاد حادة صدرت عن جهات سياسية أو دينية أو ثقافية أو حتى مسرحية.
وموليير كان الاسم المستعار الذي استقرّ عليه جان ـ باتيست بوكلان درءاً لهذه المشكلات تحديداً لأنه أدرك مبكراً مدى ما ستثيره أعماله من غضب واحتجاج وتحريم. وقد جاء في «الموسوعة العربية» أنّ عبقرية موليير تتسم «بخصوصية طبيعة عمله، كونه ممثلاً ومديراً ومناضلاً من أجل بقاء فرقته في مواجهة كل ما أحاط بها من منافسات وصراعات وعداوات»، وهذا عنى أنه لم يكن «كاتباً بالمعنى المتداول، ولم يخطط ويكتب لينتج أدباً خالداً»، ولم يكترث كثيراً برواج أعماله أو انتشارها الواسع، إذْ رأى أنّ «المسرحية الكوميدية تُكتب لتعرض على الخشبة وحسب»، خاصة وأنه اعتاد استقاء لغة نصوصه «من أفواه الناس، بعيداً عن الطموحات الأدبية لمآسي راسين وكورني».
الغالبية الساحقة من أعمال موليير تُرجمت إلى العربية، أكثر من مرّة للعمل الواحد ذاته أحياناً، وكانت دار نظير عبود اللبنانية قد أصدرت في سنة 1994 أعمال موليير الكاملة، بتعريب أنطوان مشاطي. ومن المعروف أنّ المسرحي المصري يعقوب صنوع (1839-1912)، أو «أبو نضّارة» في لقبه الشعبي الشائع، استحق من الخديوي إسماعيل صفة «موليير مصر» لأنه اقتبس عدداً كبيراً من أعمال المسرحي الفرنسي ومن دون الإشارة إلى المصدر غالباً، وساعده في هذا النشاط أنه درس الفنون في إيطاليا وأتقن العديد من اللغات الأجنبية. قبله كان الرائد المسرحي اللبناني مارون النقاش (1817-1855) قد أدخل موليير إلى المسرح اللبناني ثمّ العربي استطراداً، عبر اقتباس حرّ وعريض لعمل موليير «البخيل» سنة 1876.

رحيل

مظفر النواب (1934 ـ 2022):
بين مطاردات الأجهزة الأمنية داخل العراق وخارجه، وسجون نقرة السلمان والحلة والقضبان المختلفة، وحفر الأنفاق للخروج من المعتقل إلى الحرية، كانت حياة الشاعر العراقي مظفر النواب ترتسم باضطراد على خطوط التمرد الدائم والاحتجاج الصارخ وأحكام الإعدام والغربة والمنفى والتشرد، وكانت قصيدته تنهل من شجن اللغة العامية العراقية تارة، ومن الفصحى الملتهبة العاصفة والتحريضية تارة أخرى، في عواصم شتى لا تبدأ من بغداد ودمشق وبيروت ولا تنتهي في القاهرة وبنغازي وطهران وأثينا. وضمن مزيج كان استثنائياً من حيث العلاقة مع الملاين في طول العالم العربي، كانت قصيدته العاطفية والغزلية الرقيقة تمتزج مع قصيدته السياسية التفضيحية ذات المفردات المكشوفة والمقذعة أحياناً.
وقد تكون تجربة لجوء النواب إلى الأهوار، ضمن مجموعة شيوعية منشقة اختارت الكفاح المسلح، هي المعين الأخصب الذي شحذ مخيلته ولغته ومجازاته وأغراضه الشعرية، وعنها يقول: «التقيت هناك بمغنّين هم غرير وجويسم وسيد فالح، وقد ذهلت فعلاً بغنائهم. وتكشف لي عالم مهمل، لكنه مليء بالجمال ويمكن ان يسدّ حاجة كبيرة في إمكانيات الخلق لدي، كما لو وجدت طينة معجونة جيداً ومخمّرة جيداً لتصنع منها تمثالاً، عالم مختمر، بما فيه من الطين والماء والقصب، كنت أمام عجينة حية تماماً تنتظر احداً ممن لديه فهم للمعاصرة الشعرية الحديثة ليتنبه إليها وليشتغل على المادة الخام الهائلة التي لا تنضب منابعها». وفي سنة 1959 صدر قرار حكومي بإرجاع بعض الإقطاعيين إلى أملاكهم، وقُتل خلال الثورة فلاح ثائر يدعى صويحب، فكتب النواب قصيدته الشهيرة «مضايف هيل»، وفيها يقول: «مَيلن.. لا تنكَطن كحل فوكَ الدم/ مَيلن وردة الخزّامة تنكَط سم/ جرح صويحب بعطّابه ما يلتم/ لا تفرح ابدمنه لا يلگطاعي/ صويحب من يموت المنجل يداعي».
حياة النواب المضطرمة ومنافيه وإقاماته في كنف هذا النظام أو ذاك اقتضت سلسلة من المفارقات الناجمة عن تقلبات الموقف السياسي بصفة خاصة، لعلّ أكثرها مأساوية أنه رحل في مستشفى بالشارقة، الإمارات العربية المتحدة، هو الذي كتب مراراً يهجو حكامها ويطلق عليهم أشنع الصفات. مفارقات أخرى اتصلت بمواقفه من الغزو الأمريكي للعراق، أو مديح الخميني وحافظ الأسد؛ بل ذهب أحياناً إلى مضامين جلبت عليه شكوك الطائفية والانحياز الشيعي، كما في قصيدته «وتريات ليلية» حيث تسير إحدى فقراتها هكذا: «ما زالت عورة عمرو بن العاص معاصرة/ وتقبّح وجه التاريخ/ مازال كتاب الله يُعلّق بالرمح العربية/ مازال أبو سفيان بلحيته الصفراء/ يؤلّب باسم اللاة/ ما زالت شورى التجار ترى عثمان خليفتها».

جان – لوك غودار (1930ـ 2022):
لا يجادل كثيرون في أنّ المخرج الفرنسي – السويسري جان – لوك غودار هو الرائد الأبرز في الحركة السينمائية الفرنسية النوعية التي انطلقت عند نهاية خمسينيات القرن الماضي وتواصلت ضمن صياغات مختلفة حتى نهايات الستينيات، وارتبطت عموماً بعدد من السينمائيين الفرنسيين الشباب أمثال فرنسوا تروفو وإريك رومر وجاك ريفيت وكلود شابرول، ممّن عزفوا عن التقاليد الكلاسيكية التي سادت أفلام فرنسا وهوليود، وذلك رغم تأثر بعض هؤلاء بالمدرسة الواقعية في السينما الإيطالية. كذلك اتسمت الموجة بانخراط واسع في الحركات السياسية والراديكالية ذات الطابع الاجتماعي والفكري الاحتجاجي، على غرار انتفاضة 1968 التي هزّت فرنسا.
أسلوبيات غودار المتفردة عديدة ومتنوعة، وقد تكون أبرزها إصراره على كاميرا متنقلة وقلقة ودائمة التحوّل، وكذلك تفتيت السردية الواحدة إلى شذرات تجعل سيناريو الفيلم يتقطع بدوره ضمن إيقاعات متسارعة، هذا فضلاً عن الرسائل السياسية التي احتشدت بها أفلامه وتضاعفت وتكثفت طبقاً لما تشهده فرنسا والعالم بأسره من وقائع ومتغيرات. وكان شريطه الروائي الأول «على آخر نَفَس»، 1960، بمثابة نذير مبكر وصارخ على ما ستصنعه مجموعة السينمائيين العاملين في إطار مجلة «دفاتر السينما»، التي سوف تحمل تسمية «الموجة الجديدة» وكان شابرول قد بشّر بها أيضاً في فيلمه «سيرج الجميل»، وكذلك فعل تروفو في «400 ضربة». وقد رأى الناقد السينمائي ريشارد برودي أنه بعد فيلم غودار الأول «بات كل شيء ممكناً في السينما، فالفيلم يتحرّك بسرعة الذهن فيبدو، لا كما يشبه أيّ شريط سابق عليه، تسجيلاً حياً لشخص واحد يفكّر في زمن فعلي». ولم يكن غريباً أن يترك الفيلم تأثيراً عميقاً على عشرات المخرجين، وبينهم كبار أمثال مارتن سكورسيزي.
بين أفلام غودار الشهيرة هنالك «إزدراء»، 1963، بطولة بريجيت باردو؛ و«عصابة غرباء»، 1964، بطولة سامي فراي؛ و«ألفافيل»، الذي كان رائداً في مقاربة الخيال العلمي لدى الموجة الجديدة، ولعب فيه إدي كونستانتين دور محقق أمريكي؛ و«بييرو المجنون»، السنة ذاتها، وضمن إطار استكمال التعاون مع الممثل الفرنسي جان – بيير بلموندو. وتجدر الإشارة إلى أنّ غودار أنجز، من العاصمة الأردنية عمّان مطلع السبعينيات، شريطه «حتى النصر»، الذي سيصبح عنوانه «هنا وهناك»، حول الفدائيين الفلسطينيين؛ كما أشرك محمود درويش في شريطه «موسيقانا»، 2004، صحبة الإسباني خوان غويتيسولو والفرنسي بيير بيرغونيو وممثلين عن أقوام أمريكا الأصليين، وكانت مدينة سراييفو بمثابة مسرح لإعادة تدقيق التاريخ في مراحل ثلاث تستلهم دانتي: الجحيم، المطهر، والفردوس.

إرين باباس (1929 ـ 2022):
حين لعبت دور هند بنت عتبة في النسخة الإنكليزية من شريط مصطفى العقاد «الرسالة»، 1976؛ ودور مبروكة في شريطه الثاني «أسد الصحراء»، 1981؛ كانت الممثلة اليونانية إرين باباس تتابع تقليداً راسخاً في أداء أدوار رفيعة لنساء فريدات، خاصة حين يريدها مخرجو السينما أن تجسّد الشخصيات الأبرز والأعقد تمثيلاً في التراجيديات الإغريقية: «أنتيغون»، 1961؛ «إلكترا»، 1962؛ «فيدرا»، 1967؛ «إفغينيا»، 1977، «الطرواديات»، 1971؛ إلى جانب الليدي مكبث، كي لا يغيب مسرح شكسبير عن لائحة أعمالها، أو والدة أنجيلا في «وقائع موت معلن» كي يحضر غابرييل غارسيا ماركيز. لكنّ باباس، التي يتردد أنّ المخرج الأمريكي إيليا كازان اكتشفها خلال رحلة قامت بها إلى الولايات المتحدة سنة 1954، سوف تستقطب سينما هوليود لتلمع بقوّة في فيلم «مدافع نافارون»، 1961، حيث ستلعب دور المقاتلة اليونانية ماريا التي لن تتردد في إعدام امرأة متعاملة مع النازية، إزاء ترّد رجال أشداء (غريغوري بيك ودافيد نيفن وأنتوني كوين) في تنفيذ الأمر.
أدوار خالدة أخرى تجسدت في شريط مايكل كاكويانيس «زوربا اليوناني» حيث لعبت باباس دور أرملة يونانية عاشقة تُرجم بالحجارة بسبب عشقها؛ وفي شريط كوستا غافراس «Z»، وتكون فيه زوجة الناشط والسياسي الذي تغتاله أجهزة الأمن اليونانية خلال تجمع شعبي؛ ومسلسل «الأوديسة»، حيث تؤدي دور أنتيكليا. كذلك أتحفت باباس عشاق الموسيقى، والقصيدة الرثائية اليونانية، بألبومَيْن لقيا الكثير من النجاح: «أناشيد»، 1979، وتستلهم الأغاني الفولكلورية اليونانية؛ و«رابسوديات»، 1986، مستوحاة من الألحان الكنسية وتراتيل الرهبان؛ وكلا الألبومين بالتعاون مع الموسيقار اليوناني فانجيليس. وعلى امتداد ستة عقود من العمل في السينما، وحصيلة 60 فيلماً وعدد كبير من أعمال المسرح، نافست باباس كبار النجوم أمثال ريشارد برتون وكيرك دوغلاس، وكانت مع مواطنتها ميلينا ميركوري الأشهر عالمياً بين نجوم اليونان.
واتخذت باباس مواقف سياسية معارضة وشجاعة ضد النظام الانقلابي العسكري في بلادها، وخلال مؤتمر صحفي في روما سنة 1967 أعلنت أنها رفضت تمثيل فيلم على أرض اليونان مع أورسون ولز احتجاجاً على قرار السلطات الانقلابية منع تمثيل بعض مسرحيات سوفوكليس وأرستوفانيس ويوربيديس لأنّ المؤلف الموسيقي في تلك المسرحيات كان ميكيس ثيودوراكيس، أبرز ممثلي اليسار اليوناني في الفنون.

جوائز

نوبل للآداب ـ الروائية الفرنسية آني إرنو
ذهبت الجائزة لعام 2022 إلى الروائية الفرنسية آني إرنو، 82 سنة، وأشارت الأكاديمية السويدية في الحيثيات أنها اختارت إرنو «للشجاعة والبراعة في المعالجة اللتين أظهرتهما عند كشفها عن الجذور، والبعد، والقيود الجماعية للذاكرة الشخصية»، ولأنّ «عملها لا يقبل المساومة، ومكتوب بلغة سهلة، وواضحة، ونقية». وأضاف أندرس أولسون عضو الأكاديمية: «وعندما تكشف إرنو بشجاعة كبيرة وبراعة في المعالجة عن احتضار تجربة طبقية، وتصف الخزي والإذلال والغيرة أو عدم القدرة على إدراك من أنت، تكون قد حقّقَت أمراً مثيراً للإعجاب ومستداماً».
واستوحت إرنو نتاجها من حياتها الشخصية أولاً، ومن شذرات في سيرتها الذاتية، وتتأرجح رواياتها القصيرة غالباً بين مواضيع الأسرة والتراتب الطبقي والسياسة العامة والجندر، كما تُعرف عنها مواقف شجاعة تماماً في تأييد حقوق الشعب الفلسطيني. ولائحة أعمالها تتضمن «الخزائن الفارغة»، 1974؛ و«الساحة»، 1983، الفائزة بجائزة رونودو، و«عاطفة بسيطة»، 1993؛ و«السنوات»، 2008؛ و«الفتاة الأُخرى»، 2011؛ و«ذاكرة فتاة»، 2016.
وقد استهلت إرنو خطبة استلام الجائزة بهذه الفقرات: «من أين أبدأ؟ سؤال راودني عشرات المرات أمام الصفحة الخافية كما لو أنّ عليّ أن أجد بين الجمل جملة يتيمة تكون مفتاحاً وحيداً يخوّلني الولوج إلى عالم التأليف، وتبديد كل الشكوك دفعةً واحدةً. ينتاب مخيلتي اليوم هلع متزايد أرى من خلاله حاجة تجتاح كياني؛ هلع تواجه به مخيلتي الموقف الذي تجاوز ذهول الحدث: هل هذا يحدث لي حقاً؟، فأفتش في ثناياها عن جملة تمنحني حرية وبأساً أتحدث من خلالهما دونما ارتعاد في هذا المكان الذي دعوتموني إليه هذا المساء. إنها جملة لن أجدّ في طلبها بعيداً لأنها لا بدّ ستنبجس بكلّ ما فيها من نقاء وعنف كحجرٍ كريم مصقول صقلاً لا يقبل ارتياباً؛ جملة جاثمة في ثنايا مذكراتي الحميمة منذ ستين عاماً: سأكتب ثأراً لعِرقي. مردِّدة أبداً صدى رامبو حين قال: (أنحدر من عِرق هو الأدنى على مرّ الدهور)».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية