تبدأ «باب الصخر» مما يشبه زمن البداية الأول، الزمن الأسطري أو الزمن التوراتي، حيث جماعة من البشر تبحث عن ملجأ لتحلّ فيه. ولا شيء تزوّد به في موكبها القليل، المكون من رجل وامرأة وطفل واحد. لا طعام، لا ماء، ولا وجهة طريق، لكن كان مقدّرا لهؤلاء أن يصلوا إلى تلك الرقعة من الأرض التي أطلقوا عليها اسم «باب الصخر»، لكونها مدى صخريا خالصا. لكن بإصرار من الرجل (صفوان)، وبصبره وقوة ساعده، صارت هذه الأرض قابلة للسكنى. بنى الرجل بيتا صغيرا هناك، على نحو ما سيفعل أولئك الذين أتوا من بعده إلى ما صار قرية. وهم بنوا بيوتا صغيرة أيضا، وخالية إلا من أقل القليل مما يحتاجه البشر لعيشهم. ما زلنا في زمن البشر الأول، في ما يتعلّق بما يُقتنى في تلك البيوت، الزمن التوراتي، أو على الأصح الزمن الذي تصورّه التوراة عن الأجيال التي أعقبت مباشرة زمن الخلق.
الأرض، ومثلها البيوت، وأثاث البيوت أيضا، مشبعة برموزها القديمة هي أيضا. ولنقل إن هذا القدم سيظل على حاله، على الرغم من أن أجيالا ثلاثة تتالت عليه. البيوت هي نفسها، فقط الأرض هي التي تغيّرت، إذ صارت تُنبت زرعا، رغم وجهها الصخري الجاف. هو زمن أوّل إذن، لكن هناك ما يعترض ديمومته وأزليته، وهو أن نقرأ أن على التل المشرف على «باب الصخر» كانت مقامة كنيسة يشرف عليها رجل آخر هو صموئيل، أي أننا أُخرجنا من الزمن الأول ذاك إلى ما بعده. ثم، في النصف الثاني من الرواية، نجد أننا دُفعنا إلى زمن لاحق، زمن يبدو جديدا أو معاصرا، وهو ذلك الذي يعيد إلينا ما نعرفه وما نعيشه من تنازع المسلم والمسيحي وتكارههما. كان الطرفان يعيشان متوافقين على عزلة كل منهما عن الآخر، لكن بمجرد أن أُغرم الكاهن الشاب بولس بفاطمة ابنة صفوان حتى اندلعت بينهما حرب أهلكتهم جميعا.
ستظل صورة تلك الأعضاء المشوّهة وحركة تنقلها بين أرجاء الغرفة الضيقة، وتأملها في ما يلي النافذة المفردة، حية نابضة كصور متتابعة لجسم من لحم ودم.
من المؤكد أن اشتباكا مثل هذا كان يحدث في زمن التنازع الأول بين الدينين، إلا أنه يبدو هنا، في هذه الرواية، ألصق بنا أو بعيشنا، لكونه مطابقا لواحدة من مسائلنا الحاضرة. ولذلك نرى أن الرواية تُدخل أزمنة على زمنها مما يعكّر صفاءها فلا تبقى في فضائها الأول. لكنها، مع ذلك، تعود إلى ما كانت عليه من انفصال عن أي مشابهة أو مماثلة مع قضايانا الحديثة. إذن، لم تستمر الرواية متمسكة بزمنها البدئي الأول ذاك. أما موضوعها، أو فكرتها، وهو الحب، فيحتمل أن يكون أزليا. وهنا لا يقتصر الحب على ما يجري بين اثنين، أنثى ورجل، بل هو تلك الطاقة التي تنبت الزرع في الأرض وتجعل الهناءة مكتنفة كل المتعايشين والمتجاورين. وهذا الحب الأزلي يظل عرضة للتحول إلى ضدّه، أي أن ينتصر الموت على رفيقته الحياة. ها هما الحياة والموت، في ما نحن نقرأ، يظلان مترافقين معا، جائلين طائفين، ويظل التخاطب جاريا بينهما على الدوام. هما، الموت والحياة، صديقان، ومتفاهمان على أن يحيد أحدهما عن طريق الآخر إن بدا، مثلا، إن لم يعد في يد الحياة حيلة لإبقاء صموئيل، أو صفوان، على قيدها، حينها تقول للموت: ها قد جاء دورك… فتصرّف.
في ما يقرب من نصف الرواية يجري الكلام على لسان هذين الاثنين، وعلى لسان الموت، خصوصا بما يذكر للوهلة الأولى برواية فاضل العزاوي «آخر الملائكة» التي تُنزِّل الموت شخصية عادية كرجل حاضر بين آخرين رفاق له. هنا في «باب الصخر» لا يحضر الموت في جسم أو في قوام. ما زال روحا تطوف هو ورفيقته الحياة، وإن يكادا في مواقف قليلة أن يتجاوزا وجودهما الطيفي بمثولهما أمام مشاهد الموت أو الحرق أو إنزال العقاب كارثيا في قرية باب الصخر.
على ضفاف موضوعها الذي هو «الحب»، أو «رمزية الحب»، تتوسع الرواية الثانية لعلي السقا لتصل إلى ما يتعدّى موضوعها. أحسب أن تلك العلاقة، على سبيل المثال، بين الولد المقعد وعالمه الضيق، الولد المولود من سخط الطائفتين وشعورهما العميق بخطيئة اجتماعهما بالزواج، ستظلّ متذكَّرة باقية في ذهن قارئها. ستظل صورة تلك الأعضاء المشوّهة وحركة تنقلها بين أرجاء الغرفة الضيقة، وتأملها في ما يلي النافذة المفردة، حية نابضة كصور متتابعة لجسم من لحم ودم. مخيّلة علي السقا صنعت مشاهد هي من القوة بحيث أن قارئها يظل يتساءل إن كان الحب، كموضوع ميتافيزيقي، كافيا لاحتواء كل تلك الصور والتفاصيل، أو ربما، لأن الروايات الصادرة الآن بوفرة لافتة ما زالت تمعن في الالتصاق بعالمها الراهن، يروح يتساءل ذلك القارئ مفكّرا لماذا انفصل علي السقا عن عالمه إلى ذلك القدر. هل لأن الحب، وكذلك الحياة والموت، لم يكونا إلا مجرد ذريعة للكتابة، هكذا مثلما نقول بعد مشاهدة فيلم سينمائي جديد يعود إلى حكاية آدم وحواء أو سفينة نوح.
*رواية علي السقا «باب الصخر» صدرت حديثا عن دار الفارابي في 196 صفحة.
٭ روائي لبناني