ذا أتلانتك: التحالف الأمريكي- السعودي على شفا الانهيار وسيتغير لو وصل ديمقراطي إلى البيت الأبيض

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذا أتلانتك” مقالا مشتركا لكل من أوري فريدمان ويارا بيومي تحت عنوان “العلاقات الأمريكية- السعودية على شفا الإنهيار”. وقالا فيه إن العلاقة بين البلدين استمرت لسبعة عقود لكن رئيسا ديمقراطيا قد يغير كل هذا.

وقالا إن جهودا في واشنطن تجري لتعديل إن لم تكن إنهاء التحالف الأمريكي- السعودي. ولكن المحاولات جاءت في طريق الرئيس دونالد ترامب، الذي يقف وبقوة أمام أي تغير في مسار التحالف مع السعودية، رغم شكه المعروف بالتحالفات والتكتلات الدولية. ونظرا لعدم تحمله الثمن الإنساني الكارثي للحرب في اليمن وجريمة القتل البشعة للصحافي الكاتب في “واشنطن بوست” جمال خاشقجي، يحاول الكونغرس معاقبة وشجب السعودية كل أسبوع.

وفي كل محاولة كان البيت الأبيض يعرقل الجهود أو يتحايل عليها ويقف بقوة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وفي الوقت ذاته تصعيد المواجهة مع إيران.

ومن هنا فساعة الحساب للعلاقات الأمريكية- السعودية قد تأتي حالة انتخب الأمريكيون رئيسا من الحزب الديمقراطي عام 2020. ولكن الإشارات على الجدار، فكل الديمقراطيين وعدد كبير من الجمهوريين وشركات لوبي يبتعدون عن السعودية بدرجة تبدو فيها زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن في وقت قريب خارجة عن التصور.

فلم يكن فرانكلين دوايت روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود يتخيلان تصدعا في العلاقة التي رسما خطوطها عام 1945 والتي قامت على علاقة متبادلة: تدفق مستمر للنفط مقابل حماية عسكرية. ولم تشكل هجمات 9 إيلول/ سبتمبر 2001 والتي شارك فيها 15 سعوديا من بين 19 منفذا ذلك الخطر الوجودي على العلاقة مثل ما هو واضح اليوم.

ويقوم المشرعون بجهود واسعة لتقييد صفقات بيع الأسلحة للسعودية ومحاسبة محمد بن سلمان على جريمة قتل خاشقجي. وفي الوقت الحالي يعول السعوديون على ولاء إدارة ترامب، مع أنهم يعترفون وربما تحدثوا على الأقل عن وضعهم المتزعزع.

وبحسب مسؤول سعودي كتب للكاتبين بشرط عدم الكشف عن هويته “نعترف (في السعودية) أن العلاقات تعرضت لضغوط ولكننا نعمل بجهد لإعادتها كما كانت، ونعترف أنها تحتاج لوقت ونتعامل معها كماراثون لا عدوا”. وهذا ليس اعترافا بالخطأ الذي يطمح المشرعون للحصول عليه. ففي أيار (مايو) اعتمدت الإدارة على إعلان الطوارئ لكي تتجاوز الكونغرس وصادقت على صفقات أسلحة للسعودية بمليارات الدولارات. وهو اعتراف منها أنها لن تستطيع الحصول على دعم المشرعين.

ورد هؤلاء بإجراءات لمحاولة منع المبيعات، وهي تحركات ليست مهمة نظرا للدعم الذي لقيته من مشرعي الحزبين بل ولأنها جاءت وسط التوتر العالي مع إيران والذي ذكره ترامب سببا في المبيعات.

وفي نيسان/ إبريل استخدم ترامب الفيتو لوقف قرار صدر عن الكونغرس ومجلس النواب يقضي بوقف كل الدعم العسكري الأمريكي للحرب السعودية في اليمن. وكان الرئيس مضطرا لهذا لأن 7 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين و 16 من مجلس النواب دعموا كل تحرك تقدم به الديمقراطيون.

وكان ترامب الذي جعل السعودية أول محطة له بعد انتخابه يؤكد على أهمية المملكة في الحرب ضد إيران التي يخشى من مشاريعها النووية ودورها بدعم الميليشيات في الشرق الأوسط. وركز وزير الخارجية مايك بومبيو على التهديد الإيراني أثناء زيارته للسعودية الأسبوع الماضي واجتماعه مع الملك وولي العهد.

وفي الوقت الذي قال فيه ترامب إنه طرح موضوع خاشقجي في لقائه مع ولي العهد في قمة العشرين التي عقدت في أوساكا باليابان إلا أنه رفض التعليق على نتائج المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) حول دور محمد بن سلمان بالجريمة.

ويرى الكاتبان أن دوافع ترامب تجاهل القلق بشأن اليمن وخاشقجي متعددة، فهي متعلقة بعلاقة صهره جارد كوشنر مع ولي العهد السعودي وشراء المملكة أسلحة كثيرة من أمريكا. وقال ترامب مبالغا في أرقام المشتريات “لقد اشتروا كميات أسلحة بقيمة 450 مليار دولار” و “أريد خسارتهم”. ويشير الكاتبان إلى أن معظم الأمريكيين لديهم بالطبع رؤية سلبية عن السعودية ومنذ هجمات 9/11. وفي استطلاع لمؤسسة غالوب أظهر أن ثلثي الأمريكيين لا ينظرون للمملكة نظرة جيدة، وهي أعلى نسبة تسجل منذ ثلاثة عقود.

دوافع ترامب تجاهل القلق بشأن اليمن وخاشقجي متعددة، فهي متعلقة بعلاقة صهره جارد كوشنر مع ولي العهد السعودي وشراء المملكة أسلحة كثيرة من أمريكا

والتطور الجديد هو التخمر الجدي في عاصمة الولايات المتحدة التي ضخت فيها السعودية وفي عامي 2017 و2018 حوالي 40 مليون دولارا على شركات العلاقات العامة للضغط على الكونغرس والفرع التنفيذي من السلطة ومراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية. والنفقات على اللوبيا هو ضعف ما أنفقته في السنوات الأخيرة من إدارة باراك أوباما وفي العام الأول من إدارة ترامب و”كل ما ظهر من المال السعودي هو دعم ثابت من صديق في البيت الأبيض وثورة في الكابيتال هيل”.

وبحسب السناتور الديمقراطي عن كونيكتيكت كريس مورفي والناقد القديم للسعودية “كان السعوديون يحظون دعما قويا من الحزبين في الكونغرس” و”اليوم يتمسكون بالتحالف من خلال علاقة النظام مع شخص واحد: دونالد ترامب”. وأضاف “ربما سيكون من الصعب تعديل العلاقة وترامب في المكتب” و”لكن التغير قادم”.

وفي الماضي أجبر الرؤساء الجمهوريون والديمقراطيون على التغاضي عن انتهاكات السعودية لحقوق الإنسان والقمع السياسي نظرا لاعتماد واشنطن الكبير على الرياض كوزن جيوسياسي مستقر في الشرق الأوسط. ولكن عددا من المرشحين الديمقراطيين للرئاسة عام 2020 عبروا عن عدم ارتياحهم. فجوزيف بايدن المرشح الديمقراطي وصف الشراكة الأمريكية مع السعودية “ليس جيدا أن لا تكون خارج الوحل” وهي مثل العلاقة مع جوزيف ستالين أثناء الحرب العالمية الثانية. فيما دعا كوري بوكر لإعادة النظر في كل العلاقة مع الرياض.

أما إليزابيث وارن فقد هاجمت ترامب على ترضيته المتعهدين الدفاعيين بدلا من وقف الأسلحة للسعودية. وقال بيت باتيغيغ في خطاب له الشهر الماضي إنه لو انتخب “سيبقي العلاقة مفتوحة” مع الرياض ولمنفعة الأمريكيين. و”لن نبيع قيمنا العميقة من أجل الطاقة أو الصفقات المربحة”.

ولكن بيرني ساندرز وصف محمد بن سلمان بـ”القاتل والديكتاتور” وضم السعودية لمحور القوى الديكتاتورية التي قال إن ترامب قواه وأدخل اللوبي السعودي في واشنطن لخدمة مصالح حكومة فاسدة وثرية. وتساءل ساندرز الذي دعم واحدا من قرارات مجلس الشيوخ لوقف الدعم الأمريكي عن الحرب في اليمن إن كان الإتفاق الذي وقع بين روزفلت والسعوديين لا يزال قائما.

ومع ذلك يقول مستشاره للشؤون الخارجية مات داس “ليس ضروريا” حرف الطاولة بالكامل على العلاقات الأمريكية- السعودية، خاصة أن ساندرز يعترف بأهمية عناصر في العلاقة مثل التشارك في الإستخبارات وأهمية السعودية لاستقرار سوق النفط.

وعندما سئل المسؤول السعودي عن قلقه من تغيير الإدارة الديمقراطية موقفها من السعودية، أجاب أن العلاقة “مؤسساتية” وأن المرشحين الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء يغيرون مواقفهم من السعودية حالة انتخابهم. وقال إنهم يفهمون أهمية التعاون الإقتصادي وتنسيق سياسات النفط ومكافحة الإرهاب وإيران. ولكن الوضع حاليا كما في الماضي، فتقرير للأمم المتحدة أشار لتورط ولي العهد في جريمة قتل خاشقجي الذي كان مقيما في الولايات المتحدة ويمثل خيانة للتحالف حسب رو خانا، الممثل عن كاليفورنيا في مجلس النواب الذي ساوي بين الجريمة “وخيانة الرجل زوجته”.

ويعد خانا من الداعين البارزين لوقف الدعم الأمريكي عن الحرب في اليمن. وقال خانا “ربما نجا أو تعافت العلاقة الزوجية لكنها لن تكون كما في السابق”. وأضاف “لن يكون السعوديون أعداء للولايات المتحدة لكنهم خسروا موقعهم كحلفاء”. ولم يغضب مقتل خاشقجي أعضاء الكونغرس بل قاد عددا من مراكز الأبحاث واللوبيات لرفض التمويل السعودي. ويعترف السعوديون الضرر الذي أحدثته الجريمة على العلاقات مع الولايات المتحدة.  ويقول فراس مقصد من مؤسسة الجزيرة العربية في واشنطن إن مقتل خاشقجي “كان أسوأ من هجمات 9/11” من ناحية الضرر الذي أصاب التحالف. والمركز على معرفة بالتفكير السعودي والتقى مقصد المسؤولين السعوديين أثناء زيارة للسعودية في آذار (مارس).

وتنفي السعودية تورط ولي العهد بالجريمة، فيما حاول المسؤول السعودي تصوير الجهود التي تقوم بها الحكومة في الرياض لتقديم المشبته بتورطهم في الجريمة للعدالة وهي خطوات لم ترض المشرعين في الكونغرس. وفي الوقت الذي فرضت وزارة الخزانة عقوبات على عدد من السعوديين إلا أنها لم تكن قاسية وعقابية وترضي المشرعين في الكونغرس. ويرى الكاتبان أن التمرد بين المشرعين الجمهوريين حقيقي وإن كان محدودا.

فالسناتور الجمهوري ليندزي غراهام عن ساوث كارولينا وأهم حليف لترامب لم يدعم مشاريع عقابية شاملة للسعودية لكنه كان ناقدا لمحمد بن سلمان. ودعم غراهام مع الجمهوريين مثل السناتور عن إنديانا تود يانغ مشروع قانون لمعاقبة المسؤولين السعوديين المتورطين بجريمة مقتل خاشقجي. فيما يلتزم بقية الجمهوريين مع رواية ترامب التي تقول إن السعودية هي حاجز ضد إيران.

وفي بعض الأحيان رضخت الإدارة لمطالب الكونغرس مثل وقف توفير الوقود للطيران السعودي المشارك في اليمن أثناء التحليق في الجو. وكما قال ميرفي فقد وقع ترامب بهدوء على قرار يحظر تقديم التدريب للسعوديين والذي كان يعطيهم تنزيلات على عقود تدريب إضافية. ويعترف ميرفي بمحدودية ما يمكن للكونغرس عمله عندما يتعلق بتعديل العلاقة “يمكننا رسم الحدودة ولكننا لا نستطيع الإدارة اليومية”.

وربما اختفت هذه القيود لو وصل ديمقراطي إلى البيت الأبيض. ويرى المسؤولون السعوديون في النقد لهم على أنه نتيجة لعلاقتهم القوية مع ترامب وأنهم أصبحوا “كرة قدم سياسية” بين الرئيس ومعارضيه. ويرى داس، مستشار ساندرز أن ما يقوم به الديمقراطيون من دفعة للأخذ على يد السعودية ليس أمرا متعلقا بالسياسة بل لأن ترامب بسلوكه خلق حوافز لمساءلة العلاقة. وقام نهج ترامب على التحالف مع الجبهة السعودية الإماراتية والإسرائيلية المعادية لإيران، وهو موقف يختلف عن رؤية ساندرز. وأضاف داس أن هناك الكثير من المشاكل مع إيران وما تفعله في المنطقة وبسكانها ولكن هذا لا يعني حل المشاكل بالحرب.

ويرى الكاتبان أن رغبة ترامب وولائه للسعودية تدفعه الرغبة بإرجاع السياسة التي تبناها أوباما واتهم بالتقارب مع إيران على حساب السعودية. ووقع أوباما اتفافية مع إيران في وقت كان فيه حذرا من التحالف مع السعودية ولكنه تجنب تفكيك الشراكة. ولم يكن ليحل الشراكة مع السعوديين في الظروف الحالية. و”فكرة أن أوباما تخلى عن السعودية هو نوع من الهراء” كما يقول ميرفي  “فقد باعهم أسلحة أكثر من أي رئيس سابق  وكان مستعدا لدعمهم في حرب اليمن”.

وأضاف” أعتقد أنه من الخطر التعامل مع محمد بن سلمان وأعتقد أنه متهور وقوة تدمير في الشرق الأوسط. وقال ميرفي إن التحالف مع السعودية لن يتغير ولكنه توقع حذرا في التعاون العسكري وأقل استعدادا لمتابعة السعوديين إلى الحرب.

وعندما سئل للرد على المشرعين الداعين لوقف العلاقة مع محمد بن سلمان أجاب المسؤول السعودي “قيادتنا خط أحمر ومع كل الإحترام للمشرعين الأمريكيين إلا أن الخلافة في السعودية هي شأن محلي” مشيرا أن الوضع لن يتغير بعد تعيين الملك سلمان ابنه وليا للعهد.

ويقول مقصد إن المشرعين الديمقراطيين أن بن سلمان هو الرجل الذي على رئيس الولايات المتحدة المقبل التعامل معه. لكن السعوديين لم يقوموا بجهد قوي للتواصل مع نقادهم، خاصة بعد مقتل خاشقجي.

والمخاوف لدى مراقبي الشأن السعودي أن الرياض وضعت كل رهاناتها على علاقة شخصية مع الرئيس ترامب وربما تصدع التحالف لو لم ينتخب. ولكن السعوديين يشعرون بالطمأنينة نظرا لدروهم في استقرار النفط العالمي وحرب الأفكار في العالم الإسلامي، مهما كان ساكن البيت الأبيض. وقال المسؤول السعودي “في النهاية العلاقة مهمة (للعالم) كي تنهار”. وعن كيفية معاملة بن سلمان والسعوديين جيدا في إدارة ديمقراطية قال ميرفي إن عليهم لعب دور عراب السلام في اليمن لا عقبة أمامه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية