لندن ـ “القدس العربي”:
ناقش الباحث حسن حسن في مقال بمجلة “ذا أتلانتك” تحت عنوان “الدول العربية تعتبر حقل ألغام للباحثين”. وقال إن ماثيو هيدجيز ليس الأكاديمي الوحيد ولن يكون الأخير. وأشار إلى ما كشفه هيدجيز للصحافة البريطانية عن معاناته. وكان الطالب البريطاني قد اعتقل في أيار (مايو) وحكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة “التجسس لصالح دولة أجنبية” و “تعريضه الجيش والإقتصاد والسياسة والأمن الإماراتي للخطر”.
وأفرج عنه في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) بعدما صدر عفو رئاسي ضده. وقال هيدجيز في مقابلته إنه أجبر على الإعتراف بعدما هدده المحققون بنقله إلى قاعدة عسكرية في الخارج وتعذيبه هناك.
ويقول حسن حسن إنه عاش في الإمارات سبعة أعوام والتقى هيدجيز عدة مرات في عامل 2014 .
ومن هنا ففهم السياق الذي حصل لهيدجيز قد يساعد الآخرين على تجنب ما حدث له. ويقول إن الطالب البريطاني لم يكن جاسوسا كما تقول الحكومة البريطانية وأكد أصدقاؤه الأكاديميون عندما ظهرت قصته.
إلا أن مشكلة هيدجيز كما يقول حسن مرتبطة وبدون شك بانفتاحه حول موضوعه الذي كان يعمل عليه وهو طريقة عمل الجهاز الأمني في الإمارات. ويضيف إن قوات الأمن الإماراتية زاد دورها بشكل كبير خاصة بعد انتفاضات الربيع العربي. ويتجنب الإماراتيون الحديث عنها. ولعبت المخابرات دورا مهما في حملات التطهير ضد الإسلاميين والناشطين السياسيين وترحيل الأكاديميين والمهنيين من الإمارات.
وقال إن إماراتيين تحدثوا معه اثناء إقامته في الإمارات عن اليد القوية لأجهزة الأمن، حيث لم يكن باستطاعتهم الحصول على وظائف في الحكومة لأن أقاربهم لهم صلات مع الإسلاميين. وكانوا دائما يناقشون مشاكلهم من خلال لغة عامة وإيماءات أحيانا بدلا من الكلام وفي أماكن آمنة مع أصدقائهم الذين يثقون بهم. ويخشى الإماراتيون من الأمن الذي لا يمكن الإستئناف على قراراتها حتى من قبل حكام البلد. وليس من الغريب أن يثير طالب الدكتوراة استغرابا عند سؤاله عن البنية الأمنية للبلد.
وعلق قول هيدجيز إنه صدم عندما اكتشف أن صديقا إماراتيا قام بالشهادة ضده، ويجب أن لا يندهش.
وحدثت للباحثين والأكاديميين مواجهات حادة مع مسؤولي الأمن. ويعلق الكاتب أن التحقيقات متواصلة والهدف منها التوصل لاعتراف والتي تكون بدلا بعد عدة ساعات عن التعذيب أو الترحيل.
وفي مقابلته مع “سي أن أن” قال هيدجيز إن التحقيقات الاولية شملت على عدة اتهامات: بدأوا بسؤالي إن كنت عاملا في المخابرات البريطانية، ثم سألوني إن كنت عضوا في أم اي6؟ وواصلوا هذا الخط عندما سألوا عن رتبتي إن كنت ملازما أول، ثان، رائد أو كابتن”.
ويشير حسن حسن إلى أن ما حصل لهيدجيز حصل له عام 2010 عندما كان يعمل في صحيفة “ذا ناشونال” الإماراتية الناطقة بالإنكليزية. وبعد اندلاع بركان في أيسلندا أدى إلى تغليفها وأوروبا بالغبار وعرقل حركة الطيران الذي يعد الأسوأ منذ هجمات 9/11 وطلب منه أن يغطي تعطل حركة الطيران. وذهب إلى مطار أبو ظبي لكي يغطي القصة. وعندما بدأ بسؤال القادمين تقدم منه رجل بلباس أمني وسأله عن سبب حديثه مع القادمين. ثم جاء ثان وثالث. وطلب منه أحدهم أن لا “يعقد”الوضع. وأكد طوال الوقت على أنه صحافي وعندما اقترح أن معاملة الصحافيين بطريقة سيئة سيؤثر على سمعة الإمارات وبخه أحد رجال الأمن قائلا “لا تذكر سمعة الإمارات”. وبعد مناقشات وفحص المعلومات أخلوا سبيله.
ولم يكن هيدجيز محظوظا لأن شخصا محليا تعرف عليه واتهمه بالتجسس. ولهذا حاول الأمن استخدام هذه المعلومة والحصول منه على اعتراف. وعادة ما يؤدي الشك إلى البحث أكثر. فقد اعتقلت بريطانية، زميلة للكاتب، عام 2014 عندما أبلغ حارس عنها أنها التقطت صورة للسفارة السورية. ويحظر التقاط صورالسفارات في الإمارات حتى لو ظهرت بدون قصد في الصورة وعن بعد. ورغم عدم وجود صورة للسفارة بحوزتها إلا أن الأمن اعتقلها وحقق معها لمدة اسبوع. ويقول إن الأكاديميين والصحافيين عادة ما يسيرون فوق حقل ألغام عندما يقومون بأبحاث ميدانية في العالم العربي. ولتجنب المشاكل يجب أن معرفة أن هذه الدول ليست متسامحة كما تبدو للعيان. فالإمارات ترحب بالأجانب والإستثمار الأجنبي لكن لا يعني أنها مفتوحة. فهناك خطوط حمراء غير مكتوبة لا يمكن تجاوزها . فقوات الامن والبدون هي خطوط حمر، ولا يتم التسامح مع نقد السعودية ومصر وحتى نقد دونالد ترامب. ويختم بالقول إن على الأكاديميين والباحثين الراغبين بدراسة العالم العربي يجب أن يعرفوا أنفسهم بالجو والثقافة. وعليهم أن يحاولوا الدخول عبر القنوات الرسمية للحصول على الرواية الرسمية التي يمكن استخدامها. ولو أرادوا “القصة الحقيقية” فيجب عليهم تكريس سنوات من حياتهم وبناء علاقات شخصية وتوقع حدوث مخاطر، فهيدجيز ليس الأول الذي اتهم ولن يكون الأخير.