ذا أتلانتك: لماذا أصبحت أوزبكستان مركز تصدير المتطرفين؟  

حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي” ـ إبراهيم درويش :

لِمَ أصبحت أوزبكستان مصدر العديد من الإرهابيين؟ تجيب جوليا يوفي في مجلة “ذا أتلانتك” معلقة في البداية على لحية سيف الله سيابوف الكثة. فقد قام هذا الرجل البالغ من العمر 29 عاما بقيادة  شاحنة بيك أب في مانهاتن السفلى بمدينة نيويورك وقتل 8 أشخاص في تجمع هناك. وتقول إنه لم يكن قادرا على إطلاق لحية بهذا الطول في بلده أوزبكستان. فهي علامة على التطرف الديني في بلد غالبيته مسلمة ومعروف بسمعته في اضطهاد وتقييد الممارسات الإسلامية. فلا يمكن لإمام العمل في المسجد أو المجال الديني من دون شهادة “حسن سلوك” من الحكومة. وكل المدارس تابعة لها ومخترقة من قبل المخبرين. ولا يستطيع أي حاج السفر إلى مكة والمدينة من دون تدقيق حكومي في ملفاته وسيرته وبعد الموافقة على الحج يرافق البعثة مسؤولون من الحكومة لكي يراقبوا الحجاج. وتمنع الحكومة الاحتفالات بنهاية رمضان وعيد الفطر. وحتى وقت قريب كانت الحكومة تمنع الأطفال دون سن الـ 18 من ارتياد المساجد. وحرمت سلطة إسلام كريموف، زعيم أوزبكستان في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حتى وفاته العام الماضي الأحزاب السياسية واعتقلت العشرات من الناشطين السياسيين والدينيين. وأعدت الحكومة “قائمة سوداء” تضم أسماء من اعتبرتهم متطرفين. وحسب تقرير لمنظمة “هيومان رايتس ووتش” فمن ورد اسمه في القائمة محروم من عدة وظائف والسفر وعليه الحضور إلى مركز الشرطة بشكل منتظم للتحقيق معه. وكانت القائمة تحتوي على أكثر من  18.000 اسم قبل أن يراجعها الرئيس الجديد ويخفض العدد إلى نحو ألف.

 الحركة الإسلامية

  وجاءت هذه الإجراءات القمعية كلها لمحاربة  الحركة الإسلامية لأوزبكستان، التي ظهرت في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وكانت هذه الحركة تهدف لفرض الحكم الإسلامي على أوزبكستان،  ولهذا قامت حكومة كريموف بحظرها. وتوزع مقاتلوها عبر  طاجيكستان وأفغانستان. وبعد سقوط طالبان عام 2001  فروا  إلى المناطق القبيلية في الباكستان ومنها شنوا سلسلة من الهجمات على طاجيكستان وأزبكستان. وأعلنت الحركة في عام 2014 ولاءها لتنظيم الدولة. وتعلق الكاتبة أن إجراءات كريموف القمعية لم تحل مشكلة  أوزبكستان مع التطرف الإسلامي. بل أدت إلى إجبار الناشطين للعمل تحت الأرض ودفعتهم للهجرة.

فتش عن الأوزبك

فسيف الله سيابوف ليس الأول من الأوزبكيين الذي يقوم بهجوم إرهابي.  فالهجوم على مطار اسطنبول صيف العام الماضي نفذه رجل أوزبكي مع آخرين من وسط آسيا. وفي نيسان/ أبريل قاد أوزبكي شاحنة في استوكهولم، العاصمة السويدية ودعس ثمانية أشخاص. وفي الأسبوع الماضي حكمت محكمة في نيويورك على رجل أوزبكي بالسجن مدة 15 عاما لتقديمه مواد دعم لتنظيم الدولة. ونفذ أوزبكي آخر هجوما على ناد ليلي في ليلة السنة الجديدة باسطنبول وقتل 39 شخصا. وحسب مركز صوفان بنيويورك فقد قدمت أوزبكستان 1.500 مقاتل لتنظيم الدولة والجماعات الجهادية في كل من سورية والعراق.  وزعم التنظيم أن الأوزبك نفذوا أهم العمليات الانتحارية في العراق. وفي عام 2014 أعلن أكبر فصيل أوزبكي يقاتل في سورية ولاءه لحركة طالبان. وفي اعتراف منه بالقيود التي تمارسها الدولة على الممارسات الإسلامية طلب كريموف في عام 2014 من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المساعدة بمعالجة أزمة التطرف. وعبر بوتين عن قلقه من المشكلة التي كان يحاول التطرف تصديرها إلى سورية،  حيث غض الطرف عن أي مواطن سوري سافر إلى هناك للقتال في صفوف الجهاديين طالما لم  يؤثر في تحضيراته للألعاب الأوليمبية الشتوية في سوتشي ذلك العام. وشهد عام 2017 ارتفاعا في عدد المقاتلين المسلمين الروس بصفوف تنظيم الدولة، وتفوق عددهم على القادمين من السعودية وتونس. ونقلت الكاتبة عن مسلمين من جمهورية داغستان ما أخبروها في نيسان /أبريل أنهم عندما تعمقوا في مناطق تنظيم الدولة بالطبقة قرب الرقة وجدوا ثقافة روسية في شوارع البلدة التي أخذ معظم المقاتلين من كل دول آسيا الوسطى يتحدثون بالروسية لغة وسيطة. وقابلوا على الحدود السورية مع تركيا حافلات مليئة بالأمهات القادمات من وسط آسيا في طريقهن لإقناع أبنائهن الابتعاد عن تنظيم الدولة. ومع خسارة التنظيم مناطقه في كل من العراق وسورية، يواجه المقاتلون من وسط آسيا مشاكل البحث عن ملجأ جديد. ومع أنه لا توجد أدلة عن سفر سيابوف إلى سورية إلا أنه لم يكن بحاجة لعمل هذا فهناك الكثير من المواد الجهادية. كما أن المعدات التي استخدمت في هجمات برلين ونيس واستوكهولم ولندن ونيويورك لا تحتاج إلى خبرة في استخدام السلاح. وهو ما يوضح السبب الذي يجعل من الصعوبة التكهن بعمليات كهذه ومنع التحريض الذي يمارسه تنظيم الدولة على الإنترنت. وربما أشارت الهجمات إلى أن “الدولة” باتت تعتمد عليها بسبب

  خسارة التنظيم مناطقه. فمنفذ الهجوم على سانت بطرسبرغ في نيسان/ أبريل كان أوزبكيا من قيرغيستان لم يزر أو يتدرب أبدا في سورية أو العراق ولكنه كان على اتصال مع أفراد من بلده ذهبوا إلى هناك. ولا يعرف أين تشدد سيابوف إلا أن شخصه يعرفه  قال إن ميوله المتشددة لم تحدث إلا بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك فجذوره تشير إلى التداخل في العوامل التي لعبت دورا في تحوله للتشدد. ففي أوزبكستان يعتبر التطرف الديني تهديدا على النظام الديكتاتوري الحاكم والسخط ومدعاة للعنف ضد فساد عائلة كريموف. ويكشف عن أن القمع الذي مارسته حكومات ما بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي ضد الممارسات الدينية لم تكن ناجحة. فلم تمنع هذه الإجراءات التطرف بل على ما يبدو تحولت لحاضنة له. ومع نهاية “الخلافة” فسيجد المتطرفون الذين ولدوا في أوزبكستان مثلا مناطق أخرى للسفر إليها.

الجهادية العالمية

وعلقت آمي فيرز- روتمان مراسلة “مجلة فورين بوليسي” في موسكو على تصدير أوزبكستان للمتشددين. وقالت إن طريق التشدد بالنسبة لكل الشباب الأوزبك يبدأ مِن مَن هم في الخارج. مشيرة إلى أن آلافا من المقاتلين الأوزبك ومن قرغيستان والقزق والطاجيك الذين انضموا لتنظيم الدولة الذي زاد من حملته الدعائية باللغة الروسية. إلا أن معظم الأوزبك والطاجيك الذين انضموا للجهاديين تحولوا للتشدد في روسيا حيث ذهب الكثير منهم إلى هناك للعمل. ويقول ستيف سويردلو مسؤول “هيومان رايتس ووتش” في روسيا: “الغالبية منهم جاءوا عبر روسيا” التي يعيش فيها 15 مليون مسلم أي 10% وتواجه المتمردين المسلمين منذ سنوات. واعتقلت القوات الأمنية خلال السنوات الماضية عددا من الجماعات في وسط آسيا كانوا يخططون لهجمات. وتقول إن دول آسيا الوسطى ستوضع بعد نيويورك تحت رقابة الولايات المتحدة والدول الغربية.   وتنقل عن اليكسي مالاشينكو، من معهد أبحاث حوار الحضارات: “ما يمكن استنتاجه من هجوم نيويورك هو عامل وسط آسيا”. وتعتبر الدول الخمس ذات الغالبية المسلمة في وسط آسيا منطقة خطر لروسيا. وتقول إن الفقر  والحكم الأتوقراطي جعل سكان وسط آسيا البالغ عددهم 70 مليون نسمة أرضا خصبة للتطرف الإسلامي. ويقول سويردلو إن القمع أدى لسجن عدد من المسلمين العاديين بناء على تهم غامضة بالتطرف. وبرغم ما قام به الرئيس الجديد شوكت ميرزيوييف إلا أن البلد لا يزال بعيدا عن التخلص من القمع. ويشير العدد الكبير من المتطرفين الذين جاءوا من هذه المنطقة سواء في بوسطن أو سانت بطرسبرغ ونيويورك  إلى أن “وسط آسيا دخل الحركة الجهادية العالمية بقوة”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية