لندن ـ “القدس العربي” ـ إبراهيم درويش
تساءل ديفيد كينر عن سبب نجاح حزب الله والكتل المتحالفة معه في الانتخابات اللبنانية الأخيرة رغم فشله على الصعيد الاقتصادي.
وكتب كينر في مجلة “ذا أتلانتك” حيث راقب النتائج من مدينة بعلبك الأثرية ملاحظا أعلام حزب الله التي امتدت أميالا على طول الطريق السريع لبعلبك وعلقت على كل عمود إنارة وتخللتها صور حسن نصر الله، الأمين العام للحزب الذي بدا باسما في بعضها ومقطبا في أخرى ولكن الرسالة من كل هذه الأعلام والصور هي “نحمي ونبني”.
إلا أن غالب ياغي الذي رشح نفسه في انتخابات الأحد اختلف مع الأمرين حيث أشار للمخاوف الأمنية النابعة من الحرب في سوريا. ووصف حزب الله بأنه كان “فشلا سياسيا” لانشغاله في حروب الشرق الأوسط التي حرفت انتباهه عن تحسين حياة المواطنين. ويقوم مقاتلو الحزب بتدريب المقاتلين الشيعة لقتال الأمريكيين في العراق ويدعمون بقوة الرئيس بشار الأسد. وتعتبره الولايات المتحدة منظمة إرهابية. في وقت تعاني فيه منطقة بعلبك- الهرمل من الفلتان الأمني بحيث تحولت مواجهات تتعلق بالانتخابات إلى تبادل في قنابل الهاون مما منع منعت السياحة والإستثمار.
وتعتبر المنطقة من أفقر مناطق لبنان حيث تعيش نسبة 40% تقريبا تحت خط الفقر ونصف سكانها بدون أعمال. ويعكس نظام المحاصصة الطائفية والسياسة اللبنانية صورة ما يجري في العالم العربي حيث تتنافس الأحزاب السنية المدعومة من السعودية مع حزب الله المدعوم من إيران. على المستوى الآخر هناك مخاطر من مواجهة عسكرية بين إسرائيل وإيران. ورد الوزير الإسرائيلي المتطرف نافاتلي بينيت على تقدم حزب الله وحلفائه بأن إسرائيل لن تفرق في أية مواجهة مقبلة بين الحزب والدولة اللبنانية. ويتساءل الكاتب عن سبب نجاح حزب الله في المناطق المحرومة والفقيرة مثل بعلبك. فقد خسر ياغي وكل سياسي شيعي لم يرشح نفسه على قوائم حزب الله. فرغم حصول قائمة ياغي على مقعد سني ومسيحي إلا أن الحزب وحلفاءه استطاعوا تأمين 26 مقعدا من 27 مخصصة للطائفة الشيعية. ويعلق ياغي قائلا : “هناك مثل يقول: جوع كلبك يتبعك” مضيفا أن “البطالة عالية في بعلبك ولا يستطيع الشباب العثور على عمل، وعليه فالبديل هو الانضمام لحزب الله الذي يعطيهم 400 دولارا شهريا والذهاب للقتال في مكان ما وبعدها يعود في صندوق كشهيد”. ويعلق كينر ان نتائج الانتخابات اللبنانية كشف عن معاقبة الناخبين اللبنانيين الكتلة السنية الأكبر بسبب ما رأوه سوء إدارة منها.
قصة مختلفة
ولكنها كانت قصة مختلفة للحزب الذي فاز في الأجزاء التي تعيش فيها غالبية شيعية ويسيطر عليها، بل لو جمعت كل الأصوات التي حصلت عليها القوائم التي نافسته لما أدت أصواتها إلى تأمين مقعد واحد. ويسيطرالحزب وحلفاؤه اليوم على غالبية مقاعد البرلمان حيث سيستخدم النصر كدليل على صحة “خيار المقاومة” الذي يعني التدخل في سوريا لدعم نظام الأسد وموقفه ضد إسرائيل وتحالفه الأوسع مع إيران.
ويقول الكاتب إن حزب الله يتمتع بشعبية حقيقية بين الشيعة في لبنان والذين يؤمنون بأنه قام بحماية لبنان من إسرائيل والجهاديين بالإضافة لنظافة زعيمه نصر الله من الفساد مقارنة مع الزعماء الفاسدين الآخرين في البلد. وبعيدا عن هذا يملك الحزب مصادر سياسية لا تملكها الأحزاب الأخرى. وتشمل ذراعا للإنشاءات ومؤسسة لمساعدة عائلات القتلى الذين يموتون تحت رايته. كما منح ضعف البنية السياسية اللبنانية فرصة للحزب لفرض رؤيته وتقديم نفسه على أنه الحزب القادر على حماية أنصاره من الأعداء في الداخل والخارج. وجعلت هذه المنافع التي جمعها الحزب من قرروا منافسه يتساءلون عن الفشل الذريع في الحكم الذي يؤدي لخسارته. ويقول ياغي:”إنهم يستخدمون البطاقة الطائفية يحاولون جمع كل الشيعة وراءهم” و “يأخذون الناس الجوعي ويدفعون لهم ولديهم السلاح والمال الذي لا يملكه أحد غيرهم”. وقد تعود ياغي على الخسارة، فقد فاز مرة واحدة لرئاسة بلدية بعلبك ركز اثناءها على تفعيل الاقتصاد والترويج للسياحة في منطقة بعلبك وآثارها الرومانية. وكان لبنان في ذلك الوقت تحت سيطرة سوريا، حيث طلب منه المسؤول الأمني السوري المسؤول عن المنطقة ألا يرشح نفسه مرة أخرى. كان ذلك في عام 2004 وقال المسؤول السوري إن بشار الأسد يريد منح البلدية لحزب الله من أجل إظهار ان الحزب ليس منظمة إرهابية بل جماعة ذات قاعدة دعم شعبي. ورفض ياغي الانصياع للأمر وخسر فيما قال إنها انتخابات مزورة. ومثل بقية المرشحين الشيعة الذي رشحوا أنفسهم ضد قوائم حزب الله فإنه تجنب انتقاد دور الحزب في سوريا والعراق واليمن. ولكنه يعتقد أن خطأ الحزب الفادح كان الدخول في السياسة عام 1992 التي كان يجب عليه تركها للآخرين “ونحن لسنا ضد حزب الله كجماعة مقاومة طالما قاوم بالطريقة الصحيحة” و “مشكلتنا معهم هي في التنمية ونريد تطوير المدينة أما هم فيريدون تحرير كل شيء وبعدها يبدأون بالتطوير”. وياغي محق بلا شك، فالمنطقة بحاجة إلى عمليات تنمية بعد تدفق اللاجئين السوريين الذين يمثلون ثلث سكان المنطقة حسبما يقول رامي لقيس، مؤسس “المنظمة اللبنانية للدراسات والتدريب”. وقال إن السوريين يتنافسون مع اللبنانيين من أصحاب الدخل المتدني ويضيفون أعباء على المؤسسات الضعيفة خاصة في مجال تزويد المياه. وقال لقيس إن منظمته تلقت ألافا من طلبات التوظيف وتقوم بإدارة مطبخ لإطعام العائلات الفقيرة. وقال إن الفكرة كانت من أجل إطعام السوريين “ولكننا وجدنا أن لبنانيين بحاجة لإطعام عائلاتهم”.
“معنا أو ضدنا”
واعترف حزب الله بالمشكلة الاقتصادية وضرورة التنمية. فعلى خلاف الحملات الانتخابية السابقة ركز برنامجه هذه المرة على التنمية ومحاربة الفساد وليس التأكيد على خيار التدخل في سوريا ومناطق أخرى. لكن أنصار الحزب يرون ان الإخطاء التي ارتكبت لا يمكن مقارنتها بالدور المهم الذي يقوم به الحزب وهو توفير الأمن. ففي بعلبك نجح الحزب بإقناع الناخبين الشيعة أنه الحامي الحقيقي لهم من إسرائيل وسوريا. وفي الوقت نفسه هاجم نصر الله من رشحوا أنفسهم ضد أنصاره حيث اتههم “بالتآمر مع الجماعات المسلحة لاحتلال مدينتكم” في تكرار لما قاله إن المعارضين له هم بالضرورة حلفاء تنظيم الدولة والجماعات الجهادية الأخرى. وخطاب كهذا وضع الساسة الشيعة الذين كانوا يأملون بهزيمة الحزب في صناديق الاقتراع بموقع لا يحسدون عليه. فقد كانوا يريدون الفصل بين حزب الله كقوة عسكرية والقضايا المحلية إلا أن نصر الله أكد على أهمية “إما معنا أو ضدنا”. وعبر هؤلاء عن نفس النقطة وهي أن نصر الله لا يريد هزيمتهم في الانتخابات بل إسكاتهم. ويقول يحيى شمس، العضو السابق في البرلمان والذي رشح نفسه ضد حزب الله “يريد السيد حسن نصر الله إثبات أنه وتحالفه هم حملة القرار الشيعي في لبنان، لكن هناك آخرون في بعلبك- الهرمل شركاء، ولا يستطيعون احتكار القرار أو حرمانهم من المساحة” للتعبير.
ويختم كينر مقالته بالقول إن نتائج الانتخابات لم تغير إلا القليل بالطريقة التي يحكم فيها لبنان، فحتى الأحزاب التي تعرضت لضربة ستعود للحكم بعد مرحلة طويلة من المفاوضات. فالطريقة التي قامت بها النخب السياسية بتقوية وتحصين مواقعها جعلت البعض يصفون لبنان بـ “الاوليغاريشية البلوتوقراطية” (النخب الغنية) وليس البلد الديمقراطي. وبالنسبة للساسة الشيعة الذي عارضوا حزب الله فمن الصعب تبرير النتائج على أنها انعكاس للإرادة الشعبية. ويقول ياغي: “من المفترض أن يكون لبنان بلدا ديمقراطيا” و “كل شخص يملك حرية التصويت لمن يريدون. ولكنه ليس كذلك فأنت لا تستطيع التصويت لمن تريد، وهناك ضغوط بطرق عدة حيث يعتمد الناس على الأحزاب في حياتهم. ولدينا دويلة داخل دولة ولكن الدويلة هي أقوى من الدولة”.