الخرطوم ـ «القدس العربي»: لم يكن يوم عاديا في الخرطوم، فرغم الجسر الأمني الذي فرضته القوات المشتركة، وإطلاق القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع، استطاع عشرات الآلاف من المتظاهرين محاصرة القصر الرئاسي وسط الخرطوم، والدخول إلى باحاته، مطالبين بإسقاط انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وتسليم السلطة للمدنيين، وسط دعاوى للاعتصام حتى حدوث ذلك.
«بالذوق بالقوة يا برهان جاينك جوة» كان الهتاف الأبرز للمتظاهرين الذين استطاعت مجموعات منهم دخول باحات القصر الرئاسي، الذي لم يكن الوصول إليه سهلا بعد إغلاق الأجهزة الأمنية لجميع الطرق المؤدية إليه، ولمعظم الجسور التي تربط مدن العاصمة السودانية الثلاث، الخرطوم، الخرطوم بحري، أمدرمان، منذ ساعات الفجر الأولى.
ودعا تجمع المهنيين السودانيين، إلى ما أسماه « اعتصام تحرير السودان» في محيط القصر الرئاسي، مطالبا المتظاهرين بالالتحاق بالتجمع في محيط القصر، وإغلاق كل الطرق المؤدية إليه بالمتاريس.
«بشائر النصر»
وقال في بيان: «لاحت بشائر النصر، الثائرات والثوار يعبرون الحواجز ويقتحمون محيط القصر الجمهوري، على القوات النظامية التزام جانب شعبها وردع أي محاولة لضرب التجمع السلمي، لا عاصم اليوم إلا الانصياع لإرادة وعزم الثورة الظافرة، وإعلان تسليم السلطة كاملة لقوى الثورة».
وكانت لجان المقاومة، وتجمع المهنيين السودانيين، قد دعوا لتظاهرات مليونية، الأحد 19 ديسمبر/ كانون الأول، لإسقاط انقلاب الجيش وتسليم السلطة للمدنيين، وايضا لإحياء ذكرى الثورة الثالثة، والذكرى 66 لإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان.
وبينما توافد متظاهرون من ولايات الجزيرة وسنار وعطبرة وشمال كردفان للخرطوم، للمشاركة في التظاهرات، حاصر الآلاف أمانة حكومة ولاية البحر الأحمر شرق البلاد.
ورفع المتظاهرون لافتات عديدة تطالب بإسقاط الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين و«القصاص للشهداء» وغيرها من الشعارات.
عبير حسن (27عاما) كتبت على لافتة ظلت ترفعها من تقاطع باشدار وسط الخرطوم، وصولا لمحيط القصر الرئاسي: «19ديسمبر 1955 السودان بلد ذو سيادة.. 19 ديسمبر 2018 السودان بلد حر بأمر الثوار..19 ديسمبر 2021 الردة مستحيلة».
وقالت لـ«القدس العربي» إن «الشعب السوداني مؤمن بأن التاسع عشر من ديسمبر لم يكن يوما عاديا في هذه البلاد أبدا».
وأضافت: «في هذا اليوم أعلن استقلال السودان من داخل البرلمان في عام 1955، وفيه كانت انطلاقة ثورة ديسمبر 2018 التي أسقطت نظام (الرئيس السابق عمر) البشير، وفي ذكراها الثالثة اليوم (أمس) زلنا نواصل مقاومة أطماع العسكريين في السلطة ولن نعود حتى نسقط البرهان ويتم تسليم السلطة للمدنيين».
ولم تكن عبير وحدها في تقاطع باشدار وسط الخرطوم، بل تجمع آلاف المتظاهرين القادمين من جميع أحياء المدينة، أباء وأمهات، يحملون أطفالهم على أعناقهم، فتيات وشبان يعلقون الأعلام في أعناقهم ويدقون الدفوف. الأغاني الوطنية كانت في كل مكان، الرجال والنساء من كبار السن كانوا يهتفون في مداخل الأحياء وبعضهم لحق بالمواكب رغم صعوبة الطريق، وكذلك الأطفال.
«بناء سودان جديد»
وقد، وصل المتظاهرون القادمون من مدينة الخرطوم أولا، إلى محيط القصر الرئاسي، حيث واجهتهم القوات الأمنية بالغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية.
في غضون ذلك كان المحتجون القادمون من مدينتي أمدرمان وبحري، يحاولون عبور الطرق والجسور التي أغلقتها الأجهزة الأمنية، بالحواجز الإسمنتية والأسلاك الشائكة، فضلا عن الأعداد الكبيرة من القوات المشتركة التي أغلقت مداخل ومخارج تلك الجسور ومحيطها.
في تمام الثانية ظهرا بتوقيت الخرطوم استطاع المتظاهرون القادمون من مدينة أمدرمان اختراق جسر امدرمان القديم، متخطين كل الحواجز الأمنية، ثم بعد أقل من ساعة لحق بهم رفاقهم القادمون من مدينة بحري عبر جسر «المك نمر» الذي يربط مدينتي الخرطوم وبحري.
المحتجون تجاوزوا حواجز الأمن… ودعوات للاعتصام وإسقاط الانقلاب
وردد المتظاهرون هتافات عديدة، أبرزها «الشعب يريد بناء سودان جديد» «بالذوق بالقوة يا برهان جاينك جوة» « يا برهان ثكناتك أولى ما في ميليشيا بتحكم دولة» «الشعب شعب أقوى والردة مستحيلة» «الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب و العسكر للثكنات».
وكان رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، قد حذر مساء السبت، من «انزلاق البلاد إلى الهاوية تهدد استقرار السودان».
وزاد، في كلمة وجهها للشعب السوداني، «نواجه اليوم تراجعاً كبيراً في مسيرةِ ثورتنا، يهدد أمن البلاد ووحدتها واستقرارها، وينذرُ ببداية الانزلاق نحو هاويةٍ لا تبقي لنا وطناً ولا ثورة، رغم ذلك ما زلتُ أعتقدُ جازماً أن الثورة يمكن أن تمضي بحزمٍ وعزمٍ إلى غاياتها بالسير في طريق الحوار والتوافق الوطني».
وأضاف: «هذا ما ظللت أعمل من أجله منذ مبادرتي (الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال ـ الطريق إلى الأمام) في يونيو 2021م، وخارطة الطريق التي أعلنتها في خطابي بتاريخ 15 أكتوبر 2021، وخلية الأزمة (6+1) التي اقترحتها في 18 أكتوبر 2021، وحتى الاتفاق السياسي في 21 نوفمبر الماضي».
وزاد: «كانت جميعها محاولات لحث الأطراف للجلوس لحوارٍ شامل يفضي لتكوين كتلةٍ وطنيةٍ من الذين يؤمنون بالتحول المدني الديمقراطي، ولكنّ مبلغ الأسف أن هذه المبادرات جميعها قد تعثرت بفعل التمترس وراء المواقف والرؤى المتباينة للقوى المختلفة».
وأكد أن «توقيعه على الاتفاق السياسي في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 لم يأتِ استجابةٍ لتقديراتٍ ذاتية غير ناضجة أو تحت ضغطٍ من أحد، إنما جاء عن قناعةٍ تامةٍ بأن هذا الاتفاق في حدِّه الأدنى سيؤدي إلى حقن دماء السودانيين».
وشدد على أنه « لا يجد حرجاً في قول إن صون دماء هؤلاء الشباب وكرامتهم يظل واجبه الأسمى الذي لن يتنازل عنه».
في السياق، طالب رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان فولكر بيرتس، «القوات الأمنية باحترام حق التظاهر السلمي وحرية التعبير».
وقال في تغريدة على حسابه الرسمي في تويتر: «أتوجه بالتهنئة للشعب السوداني بمناسبة ذكرى ثورة 19 ديسمبر 2018، وأحييهم على ما بذلوه من شجاعة و بذلوه من تضحيات لتحقيق تطلعاتهم نحو الديمقراطية».
كما دعت الخارجية النرويجية الجيش للتراجع عن إجراءات 25 أكتوبر/ تشرين الأول، ومحاسبة المسؤولين عن استخدام العنف في مواجهة المدنيين، الأمر الذي يؤكد حالة الإفلات من العقاب. وقالت إنها «تشارك الشعب السوداني الاحتفاء، بهذه المناسبة التاريخية، الذكرى الثالثة لثورة ديسمبر» مشددة على أن «المجتمع الدولي لن يتعامل إلا مع حكومة شرعية ذات مؤسسات شرعية».
الصحافية والمحللة السياسية، درة قمبو، قالت لـ«القدس العربي» إن «المشهد بدأ بالفعل بالتغير في السودان منذ وصول المتظاهرين إلى محيط القصر الرئاسي».
ولفتت إلى أن «الشارع السوداني وضع قواعد جديدة للعبة بعد وصولهم للقصر الرئاسي، وبكسرهم الطوق الأمني المفروض على المنطقة».
وبينت أن «الوضع الراهن يفرض على الجيش إعادة ترتيب المشهد بشكل جديد ومختلف وأيضا داخل القوى السياسية» مؤكدة أن «الشارع حسم خياراته ورتب المشهد كما يريد».
وكان البرهان قد نفذ في الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، انقلابا عسكريا أطاح بالحكومة الانتقالية التي تشاركها المدنيون والعسكريون لعامين.
وبعد أربعة أسابيع من الانقلاب، أخرج البرهان، حمدوك من الحبس الانفرادي، ووقع معه اتفاق إعلان سياسي، عاد بموجبه إلى رئاسة الوزراء، ولكن دون حكومته من قوى «الحرية والتغيير» على أن تكون هناك حكومة كفاءات مستقلة، لم يستطع تكوينها، حتى الآن.