ذكرى ثورة يناير.. فرصة مواتية للتوافق من أجل مصر

بعد أيام معدودة تحل ذكرى ثورة 25 يناير 2011 ولا زالت مصر كلها في مرحلة انتقالية.. تحل الذكرى والغالبية الشعبية تسعى لإنهاء هذه المرحلة لأجل تحقيق الاستقرار والعدالة والإصلاح الذي وعدت به الثورة للكافة، بينما تعمل فصائل معروفة للجيمع لإطالتها لأنها غير مهتمة لا بالاستقرار ولا بالعدالة ولا تؤمن بالإصلاح.
منذ تنحي الرئيس الأسبق في 18 شباط/فبراير2011 والمجتمع المصري يعاني من الانفلات الأمني والتراجع المجتمعي وتوقف عجلة الانتاج، ويعاني من المعارك المادية والمعنوية التي قصمت ظهره وافقدته طعم الحياة. ‘نعم’ تدخل قائلها الجنة و’لا ‘ تكب صاحبها على وجهه في النار. جمعة كندهار وشهداء سيناء الصائمون وضرب الكنائس وتفجيرات خط الغاز افقدته توازنه.. تدليس قانون الانتخابات قتلى شباب الثورة فوق اسفلت شارع محمد محمود طمس الحقيقة أمام ناظريه.. هزيمة الثوار في الانتخابات البرلمانية افقدته الثقة في الغد.. تخوين الشباب اوجع قلبه.. تحالفات القوى الحاكمة المشبوهه جعله يسقطها من حساباته.. ارتباك الساحة تحت وقع التهديد بإحراق مصر جعله يتراجع خطوات إلى الوراء .
تنامي مؤشرات عدم الاستقرار منذ اليوم التالي لحلف اليمين في 30 حزيران/يونيو 2012، مساعي تقويض المحكمة الدستورية العليا، الاعتداء على مؤسسات الإعلام، تهميش دور الأحزاب والقوى السياسية والثورية، إقصاء الشباب.. الإعلان الدستوري، فتح النار على كل مخالف سواء بالقرب من الاتحادية او في ميادين التحرير بمختلف المحافظات، فرض عليه الاكتئاب والتقوقع على الذات.
نقول بكل ثقة، لقد أبعدت هذه الحالة المتصلة من التردي الشعب بطل الثورة الحقيقي عن مكانه في مقدمة الصورة.. لا نجافي الواقع حين نقول الذين فجروا ثورة 25 يناير جاءوا من صميم الشعب المصري.. خرجوا من بطون كل الشرائح المجتمعية، انطلقوا بلا تمايز بينهم او تصنيف لأفكارهم في وجه الظلم والفساد والتجبر.. منهم من قضى نحبه حباً في تراب الوطن، ومنهم من آثر الانتظار بعيداً عن الأضواء والفضائيات وفتاوى النخب المدنية والدينية، ولما هبت رياح ثورة 30 يونيو في الأفق، شمروا عن ساعد الجد وعادوا إلى صفوف الشعب من جديد وكأنهم لم يلاقوا الضيم من الجميع بلا استثناء.. وشاركوا بكل عزيمة في إزاحة السلطة التي تصدرت المشهد فأفقدت الوطن لحمته وفتت قواه وكادت أن تطمس هويته، ولحق بعضهم بمن سبقوهم في مسيرة الفداء، وانتظر آخرون أن تتحق أحلامهم، فإذا بهم يعانون من سياسات التهمش والإزدراء مرة أخرى.
يتساءل البعض.. هل انكسرت الثورة؟ لا لم تنكسر.. ما شاهدته الغالبية من الشعب المصري منذ 25 يناير 2011 وحتى الأمس القريب مرورا بـ 30 يونيو 2012، هو تراجع لموجات الثورة التي لا بد أن تعود إلى الشاطئ مرة أخرى لتستكمل تنفيذ ما بقي من خارطة الحلم الذي لا بد له أن يتحقق.
إستكمال الحلم الذي نستعيد مفرداته في ذكرى الثورة (يوم السبت القادم) هو الذي سيغير وجه مصر ويبني الدولة المدنية الحديثة.. والسبيل الأوحد لتحقيق هذا الهدف هو تقليـــــص مساحة الصــراع الخفي بين الموجتين الثوريتين، لأن استمراره يهدد استقرار المجتمع المصري، خاصة بعد إعلان نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية. القوى الشعبية يجب ان تقف مع الشباب والثوار في خندق واحد ضد القوى التي تعمل لغير صالح مصر.. لأن استمرار الانقسام بين الثوار من ناحية والشباب من ناحية ثانية وتراجع الدفع الشعبي من ناحية ثالثة سيقوض المعادلة السياسية التي يجب أن تكون لها الغلبة، ونعني بذلك قوى الشعب الغالبة التي وقفت وراء الحراك الثوري منذ ثلاث سنوات والتي تنادي منذ ذلك الوقت بتحقيق شعارات الثورة.
استكمال الحلم هو الذي سيمهد الطريق لاستحقاقات الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي تسعى الغالبية العظمى من أبناء مصر الى أن يشارك فيها الكافة وأن تأتي ممثلة لكل الأطياف والتيارات، لأن كلا منهما الرئاسية والتشريعية – ترسم خطوة في طريق استكمال الثورة.
الاستفتاء على الدستور لا يمثل في حد ذاته ‘غاية’ ولكنه يرسم المنهاج لاستكمال طريق المستقبل الذي يحتاج أول ما يحتاج إلى بناء تشريعي ديمقراطي تتكون لبناته من قوانين ملزمة وتطبيقات للقانون لا تشوبها شائبة الفساد ولا الاعتداء على الحريات.
ليس هناك محتكر للثورتين.. لأن فعل الثورة فعل متكامل لا يقف عند هدف دون آخر ولا يتراجع عندما تقف عقبات الواقع السيئ في طريقه، ولن يتحقق ذلك إلا بأن يستعيد الشعب حقه في الريادة والتوجيه، لأن ثورته فتحت عينيه على حقه في حياة أفضل.. الجريمة التي يواصلون ارتكابها في حق جموع الشعب يجب ان تتوقف فوراً، كما يجب أن تتوقف الإهانات التي توجه لأبنائه من أي فصيل سياسي.
المخاض الصعب الذي تعانيه جموع الشعب المصري تحت واقع الفترة الانتقالية التي طالت أكثر مما كان متوقعاً يجب ان ينتهي، بمواجهة دولة الفساد والاستبداد، تلك المواجهة التي ستقود حتماً للاستقرار عندما تتمخض مناسبة ذكرى الثورة عن ميثاق لتقوية أواصر القوى الشبابية والتيارات الإصلاحية التي ليس لها مصلحة في الانحياز إلى القوى المضادة التي تسعى لجذبها بقوة ناحيتها.
ميثاق القوى الثورية في إطـــــاره الشعبي ســيقدم القــــوى التي يعــــبر عنها بصدق باعتبارها الجماعة الاقدر على عرض الخيارات بنزاهة، وسيقدمها باعتبارها الأكـــثر توافقاً من دون أن يخون الآخرين أو يزايد عليهم، وسيقدمها من منطلق أنها تؤمن أن الثورة ستنتصر تحت راية الشعب القائد .
ميثاق القوى الثورية هو البديل الذي تراه الغالبية من الشعب ‘برنامجاً مبشراً بالاصلاح’ بعيداً عن تخريجات العودة إلى ما قبل 25 يناير ‘لأن فيه الاستقرار والأمان’.. ولأنه ميثاق ثوري ينتصر لمضامين وشعارات الثورة وليس منطوقها الأجوف.. مثياق يخدم الغالبية العظمى من أبناء الشعب وليس هؤلاء وأولئك من وجهاء الفريقين المعادين للثورة.
ميثاق القوى الثورية هو الذي سيقف بشفافية ضد تعرض الغالبية من أبناء الشعب لعداوة وارهاب فصائل العنف، وأيضاً ضد انتهاكات الأجهزة لحقوقه.. وبذل كل ما بوسعه ليدفع عنها غائلة مخطط جرها لمعارك عفا عليها الزمن لكي ينصرف انتباهها بعيدا عن قضاياها الجوهرية. هذا الميثاق هو الذي سيفتح النوافذ أمام ناظري هذه الغالبية لكي تطل منها على تطور اعادة الدولة لبناء مؤسساتها بما يتواءم مع احتياجات الغد.. وتراقب منه أداء الوزارة لعملها.. وتتابع منه فاعليات المجتمع اليومية ومدى التزام السلطات بالإطار الذي حدده لها الدستور، لتبدأ صفحة جديدة لإطلاق طاقات الإبداع والنهضة المحققة لمطالب الثورة.
واذا كنا نقول ان آفة ثورة 30 يونيو أنها لم تستنهض الهمم على المستوى التنفيذي،
فمن حقنا أن نتنبأ بأن ساعة استحقاق الشعب لحقه في استكمال المسيرة قد بدأت فور إعلان نتيجة استفتاء ابنائه على الدستور.. لأن أبناء الوطن جميعاً مطالبون بالعمل معاً لتحويل آمال الملايين وأهدافهم الثورية إلى واقع ملموس، والقوى الثورة مطالبة بأن تكون في مقدمة مرحلة البناء والتمكين الحقيقي.. والتيارات ذات الرؤية المختلفة عليها ان تتوافق بالتوازي مع مصلحة مصر العليا ..وهنا مربط الفرس.
ليس هناك أفضل من الأجواء التي أفرزتها موجات التلاحم التي ظللت الشعب المصري في كافة محافظاته يومي 14 و15 من الشهر الحالي، وليس هناك افضل من نعم بنسبتها غير المتوقعة، وليس هناك افضل من استعداد الغالبية لتحمل مسؤولياتها، لكي نتكاتف جنباً إلى جنب ونجعل من ذكرى ثورة 25 يناير منطلقاً نحو الغد الذي يظللنا جميعاً لكي نضع شعارات الثورة موضع التنفيذ.

‘ استشاري اعلامي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية