ذكرى غائمة

حجم الخط
0

تأتي الصرخة من طرف البلدة، فيهب أهلها غير مصدقين إلى مصدر الصوت، كان معقد الأودية الضخم الذي عرفت به في أشد هيجانه، تراكضت السيقان والأرجل يسبقهم عويلهم الحامي إلى طرف الساحات المصفرة، تتسع أعينهم وتمتلئ صدورهم بفرح غامر وهم يطلقون حلوقهم المكتومة على مداها أمام ذلك الهدير المائي الذي بدا وكأنه يخرج من رحم المجهول. والأطفال رفعوا أرديتهم وهزوا خواصرهم بنشوة والنساء يطلقن ضحكاتهن عاليا لأي كلمة تقولها إحداهن، والرجال شمروا عن سواعدهم مخفين رغبة عنيدة في خوض المياه وقد انقبضت وجوههم بفخر. كان الوادي يجرف كل شيء في طريقه، اقتلع الاشجار الصغيرة التي كانت تطل برؤوسها الشوكية من تحت الصخور، والاشجار الكبيرة نفرت أشواكها بتحدٍ تستقبل ما يلطمه بها الماء من أردية وعلب معدنية وأخشاب.

لا تلبث بعد ذلك أن تمتلئ الأفلاج وتكتسح بهجة عارمة الصدور والوجوه لأشهر قادمة، والشباب يتوافدون على السواقي والينابيع حيث أصابع الصبايا التي تحك الصحون برفق فوق سراويلهن المحسورة إلى الركبة. والغطاء الساقط قليلا من الرأس والخصلات المطلة بخجل والأعناق التي تبرق وتختفي بين كل انتكاسة فوق وجه الصحن الذي تنعكس منه غيوم الوجوه الناعمة.

والأطفال لا يتحركون إلا بصدور وظهور عارية استعدادا لأن يتمرغوا في أي بركة أو قناة تمر في طريقهم، كانوا لا يتحركون إلا راكضين، حفاة وسيقانهم لا تفارقها خيوط الماء التي تنز من سراويلهم القصيرة، كان لكل طفل سرواله الذي لا يفارقه أياما حيث يتكفل الماء بتنظيفه الدائم، كانت بعض النساء يقطعن ملابس أزواجهن المهملة ويخطن منها سراويل للعب أبنائهن، والأطفال حين يتعبون من الركض يعودون إلى بيوتهم، كل يدخل إلى بيته دون أن ينظر إلى صاحبه. وفي الصباح يجتمعون دون موعد. وحين يبتعدون بعيدا إلى حيث الجبل، يمكثون ساعات هناك متسلقين وسارحين أعينهم نحو النسور المبحرة في السماء، وقبل أن يعودوا أدراجهم يقطفون حزما من عشبة الغنيمة التي تنبت في الجبال، ويرجعون بها إلى بيوتهم وجبة لذلك المساء.

عبارة عمانية تطلق بقوة وبعلو ما أن تبرر البشائر الأولى لظهور المياه على مشارف الأودية الجافة.

محمود الرحبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية