الرباط-“لقدس العربي”: اتجهت ثورات “الربيع العربي” وجهة غير التي أخرجت الشباب، من تونس، ومصر، وليبيا، وسوريا واليمن، ورحلت أحلامهم، وصار الربيع خريفًا ودمارا وموتًا.
أما الاحتجاجات التي انفجرت في المغرب عام 2011 فقد سمحت بمزيد من الانفتاح، وإصلاحات أكثر، في حينها، ولكن الآن يتم التراجع عنها، كما أن هناك استياءً واضحا جدا، ويأسا أوضح.
حركة “20 فبراير” محرك تلك المسيرات، انطفأ وهجها اليوم، وغاب زعماؤها الذين لم يعودا شبابا كما كانوا قبل تسع سنين، فمنهم من صار أبا، ومنهم من قضى نحبه، ومن تشرد على أرصفة المنافي، ومنهم من تخلى وأرتدى لون حزب ما، ومن لا يزال قابضًا على جمر الحلم، حلمٌ بمغرب أفضل، قائم على نظام سياسي ديمقراطي وعادل، ينتظر ولا يبدل تبديلاً.
لحظة “يأس”
لا توجد صور لما يقع في البلاد على التلفزيونات المغربية، بل يتم تقديم المزيد من الأحداث العادية، مؤتمرات أو لجان أو ندوات حول الصحة والدبلوماسية ومصايد الأسماك والزراعة والاستثمارات والخطط والمشاركة في المنتديات الوطنية والدولية، وجلسات البرلمان والمناقشة السياسية، ولا يُرى العنف إلا في سوريا أو ليبيا، أو الثورات في دول أخرى في المنطقة، كحراك الجزائر والسودان، أما واقع المغرب، فهو مغيب، وبين التلفزيونات الرسمية والشارع، برازخ من الهوة، فحتى هذه الذكرى التي يتفاخر البعض بما أنجبه رحمها آن ذاك، والتي أخرجت مسيرات تحمل في صلب شعاراتها ما حملته الحركة، غاب سهوا أو غيّب عمداً، إلا لماما.
وفي الآونة الأخيرة، يبدو أن البلاد تعيش لحظة “يأس” تخفي الكثير من خيبة الأمل، ورغبة للسلطة التنفيذية الحالية في السيطرة على وسائل الإعلام السمعية والبصرية، ومنصات التواصل الاجتماعي، يقول منتصر، واحد من شباب الحركة.
ويضيف لـ”القدس العربي” أن حركة “20 فبراير” التي أخرجت العديد من الطلاب الجامعيين الشباب، والتقدميين ومجموعات أخرى إلى شوارع الدار البيضاء أو طنجة أو الرباط، بالكاد “تكون اليوم موجودة، ويشارك اليوم شبابها في خوض معركة شؤونهم الخاصة أكثر من مشاركتهم في مطالبهم السياسية”.
كان شباب الحركة “يريدون وضع حد للفساد المستشري في النظام، بتغيير الدستور الذي كانوا يصفونه بأنه غير عادل، كانوا شبابا وطنيين، عشاق بلد لا يريدون مغادرته، مدفوعين بنقص الفرص التي قادت العديد نحو الخارج”.
هؤلاء الشباب المغاربة الذين خرجوا للتظاهر كانوا غير متجانسين حالهم حال مجتمع البلاد، فقد اجتمع في الحركة الإسلاميون، والعلمانيون، والمثقفون، والأساتذة والعاطلون عن العمل، ولكنهم كانوا يأملون في أن يستيقظوا على مغرب “الحرية، العدالة، الكرامة الاجتماعية”.
اليوم، وبعد كل هذه السنين، والمياه التي مرت من تحت جسرها، والاحتجاجات الاجتماعية التي عرف المغرب بعد “عشرين فبراير” فإن الوضع لا يزال كما كان قبلها.
ولكن، حسب منتصر، هناك ثقافة خوف في المجتمع، الخوف من الشرطة ومن التغيير، والمطالبون بهذا التغيير “الآن أقلية، ولكن يومًا ما سيفقد الناس خوفهم وينتهي بهم المطاف بأن يصبحوا أغلبية ” يخلص في حديثه.
ذكرى مختلفة
من طوابير البطالة، ومن ثنايا الأحلام، ومن أرصفة الجوع، ومن بؤس الواقع وشقاء الأيام، ومن يسار الإيديولوجيا، ومن يمين الفكر ومن بساطة العامة، جاؤوا من كل الجهات، يرددون “حرية، كرامة، عدالة اجتماعية” فقلبوا التاريخ المغربي، صفحةً جديدة، كان لها ما قبلها وما بعدها، ما قبل الـ20 فبراير وما تلاها.
سارة سوجار، كانت واحدة من شباب الحركة الذين خرجوا للتعبير عن مطالبهم، لا تزال تنشط في الحقوق والسياسة، قابضةً على أحلام الأمس، بغد أفضل، ترى أن ما أخرج الحركة لا يزال قائما، ولكن “المجتمع المغربي اليوم يفرز حركية جديدة”.
تقول لـ”القدس العربي” إن ذكرى عشرين فبراير هذه السنة “تختلف عن سابقاتها، ففي كل سنة تتوالد احتجاجات بنوع آخر وديناميات جديدة لدى المجتمع المدني”.
أربعة أشياء مهمة
وحسب ما تراه الناشطة، سارة سوجار، ففي هذه السنة هناك “أربعة أشياء مهمة” منها أن دينامية المجتمع “تجاوزت كل القوى التقليدية، من أحزاب ونقابات وجمعيات”.
وعلى رأس هذه الأشياء، حسب ما ترى “فشل النموذج التنموي والسياسي الذي جاء به المغرب من أجل احتواء حركة 20 فبراير، وهذا باعتراف رسمي من أعلى سلطة في البلاد، وكذلك تقارير المؤسسات الرسمية، كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمندوبية السامية للتخطيط التي أظهرت للعلن استياء المغاربة من النموذج الاقتصادي والاقتصادي، وكذلك السياسي، وعدم ثقة المغاربة بمؤسسات الدولة والأحزاب السياسية”.
وضمن التفصيل الذي تراه الناشطة تنامي وزيادة، “الاحتجاجات، التي تبين سُخطًا مغربيا كبيراً على الوضعية بشكل عام، خصوصًا البطالة، وانعدام الحريات والحقوق”.
وتعرج في حديثها لـ”القدس العربي” على ارتفاع معدلات الاعتقالات في المغرب “خصوصا المتعلقة بحرية التعبير، في صفوف المدونين والنشطاء” معتبرةً أن ذلك يبين أن الدولة بدأت في إسكات المغاربة بالاعتقال، لثنيهم عن التعبير في فضاء التواصل الاجتماعي الذي يعبرون من خلاله عن سخطهم على سياستها، بعد ما قمعت كل الاحتجاجات التي كان الشارع فضاءً لها، وعلى رأسها حراك الريف”.
النقطة الرابعة، التي تتحدث عنها وصفتها بـ”بلوكاج مجتمعي” بحيث أن الدولة ومؤسساتها “عاجزة عن تقديم بديل لمواجهة سخط الشعب العارم، إلا بمحاولات نسبية وضئيلة جداً”.
ويكمن الحل وفق ما تراه سوجار، في “الانفراج السياسي، فهو القادر على بناءٍ الثقة بين المواطن والدولة، حتى يستطيع المغربي والمغربية التعبير عن آرائهم في كل ما يخص وطنهم”.
وتخلص إلى أن “التحولات المجتمعية تجاوزت حتى برامج الدولة ومؤسساتها، وأصبحت الأخيرة عاجزة أمام هذه الديناميات والتحولات التي يعرفها المجتمع على جميع المستويات، الثقافية، الاجتماعية والسياسية”.
أجهضت قبل أن تحقق أهدافها
رغم مرور ثماني سنوات، على ربيع عشرين فبراير، إلا أن العديد من الآراء في المغرب، تجمع على أن “روح” الحركة، والمطالب التي خرجت بها، لا زالت قائمة في شتى المجالات.
وفي هذا الصدد، يرى عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، أنه من الناحية العملية “لم يتحقق شيء يستحق الذكر، ربما شهد المغرب انتكاسات حقوقية، تعكس تراجع الامور إلى الاسوأ، على نحو يدفع بالاعتراف بأن المغرب ما زال يقبع تحت نير الفساد والاستبداد، فأهداف حركة عشرين فبراير تم الالتفاف عليها بشكل خطير، فيما تم الركوب على بعض المطالب للوصول الى قبة البرلمان وإلى الحكومة”.
ويشير في حديثه لـ”القدس العربي” إلى أن “الأهداف الكبرى للحركة لم يتحقق منها شيء على الإطلاق، مثل فصل الثروة عن السلطة لدى صناع القرار السياسي، ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص الشغل والعيش الكريم للمواطنين من مختلف الشرائح المجتمعية، أما استقلالية القضاء، فقد جرت على نحو التفافي خطير، فاقم الوضع بمظاهر التعسف والظلم وأبعد مبدأ محاسبة المقصرين في السلطة القضائية القضاء عن دائرة الضوء”.
وخلص إلى أن “حركة عشرين فبراير أجهضت قبل أن تحقق اهدافها، فيما اتخذت مساعي الإصلاح اتجاهات أخرى، كرست الوضع القائم، واتلفت بوصلة مسار الانتقال الديمقراطي”.
تآمر الأحزاب السياسية
أسامة لخليفي، أحد وجوه حركة “عشرين فبراير” يرى أن تراجع الحركة، كان بسبب “تآمر الأحزاب السياسية ضد الحركة”.
ويؤكد الخليفي، أنه رغم تراجعها، إلا أن “ما خرجت من أجله الحركة منذ تسع سنوات، ما زال مستمرا كحراك اجتماعي في المغرب، كحراك الريف وجرادة، والمطالب الحقوقية المستمرة”.
واعتبر لخليفي، أنه منذ انطلاق الحركة سنة 2011 التي كانت متنوعة المشارب السياسية، إلى اليوم، “لم يتغير شيء” بحيث أنه على طول هذه السنوات، “لم يخل الشارع من الاحتجاج، والحراك الاجتماعي في المغرب لا يزال مستمرا، وسواء ذهبت حركة عشرين فبراير، أو عادت، أو جاءت حركة أخرى، الشعب المغربي سيستمر في النضال حتى تحقيق مطالبه”.
ويتهم أسامة لخليفي، في حديثه لـ”القدس العربي” حزب العدالة والتنمية بـ”إجهاض حلم 20 فبراير، من يوم ذهب للتفاوض مع القصّر باسمها.
دستور جديد
كان لتلك الاحتجاجات آثارًا ملموسة، فبعد أيام قليلة، أعلن الملك المغربي، محمد السادس، عن تغييرات ودستور جديد أكثر عدلاً للبلاد، لكن مع ذلك لم يتم التأسيس لملكية برلمانية حقة، لأن الملكية نفسها ومحيطها هم من كانوا وراء صياغته.
التعديلات الرئيسية المعمول بها في “دستور 2011” نزعت عن الملك طابع “التقديس”.
كما جاء فيه أن الملك يعين رئيس الحكومة الحزب المتصدر للانتخابات البرلمانية، ولم يعد في إمكانه القيام بذلك بشكل مستقل عن الحزب الفائز في الصناديق، كما كان يحدث قبل ذلك. وتم تقسيم سلطات الملك إلى جزئين، واحد ديني وآخر سياسي، وضمن السياسات، تم إعطاء بعض الصلاحيات لرئيس الحكومة، مثل إمكانية تعيين الوزراء ومديري المؤسسات العامة.
وأصبحت اللغة الأمازيغية معترفا بها كلغة رسمية، مع الحفاظ على العربية كلغة للبلاد، ولم يعد الملك رئيسًا للسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، على الرغم من أنه احتفظ بأعلى سلطة في القوات المسلحة، والوزارات السيادية، والسياسة الخارجية، وبقي مسؤولاً عن رئاسة مجلس الوزراء (مع سلطة لمراجعة الدستور، وإنشاء لجان التحقيق، وإصدار العفو).
وقد تم إجراء استفتاء لدعم الإصلاح الدستوري، وكانت نتيجة التصويت 98 في المئة من الأصوات لصالح هذا الدستور الجديد.
ولكن حركة “20 فبراير” قالت حينها أن ما تم تحقيقه مع هذا “الدستور الجديد بعيد عن الملكية البرلمانية المطلوبة” لا سيما وأن الملك لا يزال يتحكم في وزارات السيادة، الجيش، والاقتصاد والتوجه الديني والعدل. واليوم يرى كثيرون أنه “لم يتغير شيء في المغرب، لذلك لا تزال الأسباب لمواصلة الخروج قائمة”.
أم الاحتجاجات
لم يكن شباب “20 فبراير” يملك في البحث عن الحرية والحياة الكريمة، رغم اختلاف انتماءاتهم غير الوحدة والتضامن، وقبل كل شيء الكلمة. كلمة رفعوها رجالا ونساء، في وسط المدن وعبر الإنترنت.
هذه الحركة التي مرت عليها سنواتٌ تسعٌ، يرى كثيرون أنها كانت الأم التي أنجبت كل الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب، كـ”حراك الريف” و”جرادة”.
ويعتبر أحمد الهايج، الرئيس السابق لـ”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” (غير حكومية)، أن “حركة عشرين فبراير، كانت وما زالت حاضرة في المشهد السياسي والاجتماعي المغربي، فشعارات الحركة لا تزال حاضرة في كل حراك شعبي كروح ترفرف عليه، من خلال المطالب التي ما زالت ترفع حتى اليوم”.
الهايج، قال لـ”القدس العربي” إنه “لا يجب أن نكون مجحفين، ونقول أنه لم يتحقق شيء، منذ 2011 لأن ذلك مفاده أن كل هذه النضالات والحركات لا تساوي شيئا”.
ويضيف أن ما “تحقق لا يصل إلى ما يطمح إليه الشعب المغربي، ورغم ذلك، تم التراجع عن تلك المكتسبات الدستورية والمؤسساتية، التي أصبحت قوقعة فارغة لا تسعف المواطنين”.
جدير بالذكر، أنه إذا المغاربة إبان “الربيع المغربي” خرجوا إلى الشوارع للأسباب التي أخرجت جيرانهم التونسيين والمصريين والسوريين واليمنيين، للمطالبة بحقوقهم، في زمن انعدام الحرية، وانتشار البطالة والفقر المدقع، وارتفاع الفساد، فإن تلك الأسباب التي كانت وقود الحركة، لا تزال قائمة حسب من استشارتهم هذه الصحيفة.
وإذا كان شباب حركة “20 فبراير” يتذكرون أنهم تعرضوا للمضايقة، وأن من بينهم من تعرضوا للاعتقال والاختفاء والقتل على أيدي السلطة وأعوانها، فإن واقع اليوم يتشابه، ويشهد النكوص والتراجع.
ويؤكد نشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان، أن الدولة تتجه لإسكات الأصوات المعارضة في الشبكات الاجتماعية.
وتقول الأوساط الحقوقية، أنه في عام 2019 “تمت مقاضاة 15 شخصًا بسبب آرائهم على الشبكات” ثمانية منهم فقط في كانون الأول/ديسمبر المنصرم.
وخلال موجات “الربيع العربي” الذي قادته في المغرب حركة “عشرين فبراير” كان النقد موجهًا ضد الفساد وإساءة استخدام السلطة.