الناصرة- “القدس العربي”: الشيخ محمود رباح (أبو شوقي) المهجّر من حطين، المقيم في عرابة البطوف، كان في النكبة طفلاً بالثانية عشرة من عمره، عندما رافق عائلته في “الهجيج” إلى لبنان سيراً على الأقدام في السادس والسابع عشر من تموز/يوليو، فور انسحاب جيش الإنقاذ من قريته حطين قضاء طبرية. هذا الأسبوع رافقتْه “القدس العربي” إلى حطين، حيث كان والده يملك 500 دونم تزرع بالكروم والمقاثي، وما زال يرفض المساومة عليها بعد مصادرتها من قبل إسرائيل، التي تعتبره “حاضراً غائباً”، وصادرت كل حطين وما فيها، وهدمت منازلها الحجرية عام 1965، عدا مسجد تاريخي يعاني الهجران.
فور وصوله غسل وجهه بماء نبع العيون ثم جلس على كرسي بجوار الجدول المتدفق وهو يقول: “لن تطفىء نارَ الحنين داخلي لأيام الطفولة والصبا في حطين كلُّ مياه بحيرة طبرية”. في شهادته يقول إن وجهاء حطين اجتمعوا في منطقة المراح للتباحث في ما يفعلونه، فأرسلوا وفدا لجارتهم لوبية للاطلاع على ما يدور، ولكنهم ما أن وصلوا قرون حطين حتى اكتشفوا أنها “هاجّة”، وعندها بدأ أهالي حطين يغادرون: “كنّا عدة عائلات من أقاربنا قد غادرنا شمالاً، حملنا بعض الفراش والأغراض على الحمير والخيل وانطلقنا”. ويتابع: “مررنا من بير مزقة، شمال بلدتنا، وبتنا في منطقة الحامي ليلة واحدة في وادي سلامة وراس النبع، نمنا عدة ليال تحت الخروب، حتى جاءنا البعض من قرية فراضية من أنسباء أهالي حطين. وفي فراضية بقينا حتى 30 أكتوبر، يوم سقوط الجليل. عمي ووالدي قالا إنه ما دام انسحب جيش الإنقاذ من مركزه في حديقة المندوب فإن اليهود قادمون لا محالة، فخرجا بعد المغرب للاستكشاف، ثم عادا بعد نصف ساعة وقررا الرحيل. وضعا فراشا ولحفا على حمار وفرس لنا ومشينا صاعدين جبل الجرمق العاصي دون أن نعلم أين الطريق، وأحياناً كانت تسقط الفرس وهي محملة بـ الفراش خلال سيرها في الطريق الوعرة. في الصباح وصلنا قرية عين الأسد وهناك استأجر والدي بغلين مع دليلين بخمس ليرات لتوصيلنا قرية رميش اللبنانية، لأن عمتي كانت حامل بالشهر التاسع، ومعنا أطفال ونساء وتعدادنا نحو عشرين نسمة. في الظهر استرحنا لدى أصدقائنا من عائلة أبو حية في بلدة بيت جن المعروفة، حيث ربطتنا بها، وبعائلات درزية كثيرة فيها، صداقة من قبل النكبة بفضل كوننا جيران لمقام النبي شعيب، بل كانت إحدى عائلات حطين (عائلة القيم) تحمل مفتاح باب المقام. تناولنا الطعام في بيت أصدقائنا من عائلة أبو حية في بيت جن، وطلبوا منا البقاء لكننا واصلنا قبيل المساء المسير، ومررنا من “وادي الذبان” على عتبة حرفيش التي وجدنا الجيش الإسرائيلي قد وصلها واحتلها، وفي المساء وصلنا قرية رميش، وبتنا على البيادر، وكانت نصف فلسطين هناك. أنجبت عمتي زهرة رباح هناك، “بلا مي ولا ضي”، ولداً أسموه أحمد، ولاحقاً صار يدعى حتى اليوم رميش، على اسم المكان المولود فيه، وهو لاجئ يقيم في الإمارات.

ويستكمل أبو شوقي استعادة محطات درب الآلام بالقول إنه في الصباح وجدوا أن البير مغلق بالحجارة حتى جاء جيش الإنقاذ يساعدهم في الحصول على مياه الشرب، ثم واصلوا على البغال وسيرا على الأقدام إلى بنت جبيل، وحين وصلوا ظهرا استراحوا تحت أشجار الزيتون، وكيف رفض صاحب بيت مجاور أن يسقيهم شربة ماء، ودعاهم للشرب من بركة يشرب منها الحيوانات!
ويواصل أبو شوقي استعادة تلك الرحلة الصادمة: “ما أن وصلنا حتى سمعنا البعض يصرخ: “يهود يهود”، فهرب الكثيرون، ومنهم أصحاب الدكاكين، وسرعان ما تبيّن أن المسلحين القادمين من جهة مارون الراس هم من جيش الإنقاذ. في اليوم التالي، وبعد مبيت ليلة، وصلنا مخيم عين الحلوة، وبتنا ليلة، لكننا لم نجد متسعاً لنا فيه، فاتجهنا عند المساء في القطار نحو مخيم النيرب في جوار حلب، ومعنا دار خالي وعمتي وعائلتها وجدي وجدتي وعمي وعمة أخرى عزباء داخل عربة واحدة. كنت أسمعهم يقولون إن تلك الأضواء هي بيروت فقلت في سري: “سأبقى يقظا كي أرى بيروت الجميلة”، لكن النعاس غلبني، وفي الصباح وجدنا أنفسنا على أعتاب طرابلس.
لما وصل القطار طرابلس قالوا على مسامعه إن سوريا أغلقت الحدود، ولم تعد تستطيع استقبال لاجئين جدد، وكان قد سبقهم خاله وأسرته بساعات. موضحاً أنهم بقوا هناك أسبوعين داخل عربة القطار الضيقة لعدم وجود مكان يسكنوه، فيما كانوا يرممّون ثكنة من مخلفات الجيش الفرنسي لإسكان اللاجئين فيها لأن الطقس بارد وماطر. وعن ذلك يضيف، مستعينا بذاكرته الخضراء: “كنا نتلقى خبزاً وبطاطا وتمراً من وكالة الغوث يومياً. كان رئيس بلدية طرابلس عبد المجيد كرامي يتكرّم علينا بالغذاء والماء كل يوم. خلال أسبوعين عمل الرجل في ترميم الثكنة التابعة للجيش الفرنسي، وعملت معهم في اليوم الأخير، وقبض كل منا ليرتين لبنانيتين، وكانت كل جنيه فلسطيني بعشر ليرات لبنانية. كنت مع بقية الأولاد خلال النهار نتجوّل في المنطقة المحيطة بالقطار، وكنا نذهب لنهر “قاديشا أبو علي” الذي يمر من طرابس ويصب في البحر الأبيض المتوسط. كنا نلهو في النهر الذي يمر من البيارات، وصعدنا مرة الجسر الذي يمر منه قطار حلب بيروت، وهو قطار قصير مكون من عربة واحدة لكنه سريع (قطار الشرق السريع)، وفيما كنا نلهو مر القطار السريع، هرب إخوتي وأبناء عمي بسرعة أما أنا فقد كنت في منتصف الجسر، ولم أتمكن من الهرب، فتمددت في منتصف الجسر على ألواح ومرّ القطار من فوقي، وظن بقية الأولاد أنني مت، لكنني نهضت مسرعاً ولحقت به قبل إبلاغ والدي بما حصل. لاحقا أقمنا داخل الثكنة المذكورة، لكنها كانت تدلف مياه المطر من كل جانب، فقررنا العودة لعين الحلوة على نفقتنا، وهناك وجدنا المخيم مكتظا ولا يتسع لنا.
كما يوضح أبو شوقي أنه وعائلته ذهبوا لكنيسة جديدة خارج صيدا، في طور البناء مقصورة غير مبلطة أقاموا فيها خلال شهر ديسمبر 1948، فداهمهم الدرك اللبناني عدة مرات، وكان الرجال الكبار يتخاصمون معهم بعدما كانوا يحاولون إخراجهم كل يوم، وفي المرة الأخيرة طوّق الدرك الكنيسة، وأمامها باص لشركة العفيفي وشاحنة لشخص من حطين وطلبوا منهم الخروج، وغادروا فعلا في حافلة وشاحنة نحو جهة غير معلومة حتى وصلوا بيروت، ثم زحلة مرورا بسهل البقاع، وعند غروب الشمس وصلوا عمارة تدعى “القاووش”، ثكنة فرنسية في بعلبك، على شكل غرفة طويلة من مخلفات الاستعمار الفرنسي، وقاموا بتقسيمها بالحرامات، لكل عائلة مترين مربع.
ويتابع: “تبيّن لاحقا أن هناك قاووشاً آخر في المنطقة الفوقى. نحن بتنا في القاووش الأسفل، وفيه بقينا أربعة شهور، وكان فصل الشتاء قارسا وسط ازدحام شديد، تفصل بين العائلة والعائلة من اللاجئين بطانية واحدة كحاجز. كانت أحوال الطقس في بعلبك ثلجية ولا تطاق، وما زالت صورة مياه المزاريب وهي متجمدة كالعمود في ذاكرتي. في بعلبك كان مدير القاووش الفوقى حنا حداد من طرعان، وفيها مدرسة للأولاد، وبمساعدته صرنا نتعلم فيها وطيلة ثلاثة شهور كنا نسير يوميا من القاووش في المنطقة التحتى للفوقى سيرا على الأقدام، ومرورا من أمام قلعة بعلبك التاريخية.
“بعد نحو أربعة شهور، كدنا خلالها نموت من البرد، قرر أهلنا العودة لعين الحلوة كي نقترب من أقاربنا ومن فلسطين، حيث كانت تصل الأخبار منها عن عملية تسجيل الهويات. لم نجد مكانا في مخيم عين الحلوة، فأقمنا داخل خيمة في مخيم المية مية قريباً من صيدا، ومكثنا شهرين تقريبا”.
ويستعيد الشيخ أبو شوقي، الذي تشتّتت عائلته في أصقاع الدنيا، عودته وأسرته الصغيرة إلى الجليل: “عدنا بذات الطريق لفلسطين في مايو/شهر أيار 1949: بتنا في رميش، وانتظرنا إشارة لنقطع الحدود من دليل تقدمنا، وفعلاً بقينا نسير ركضا حتى نبعة مياه في طرف وادي الذبان مقابل حرفيش عند طلوع الشمس. وصلنا بيت جن، حيث استرحنا وتناولنا الغداء لدى أصدقائنا من عائلة أبو حية، وبعد مسير واصل الليل بالنهار بلغنا قرية دير حنا عند المساء سيرا على الأقدام، وكنت أحمل إبريق مياه جاء معنا من حطين للبنان، ومنها إلى عرابة البطوف، التي اخترنا الاستقرار فيها لقربها من حطين، ولأن لنا أنسباء من عائلة خطيب فيها. كانت أمي تسير طيلة درب الآلام هذه وهي تحمل شقيقي الرضيع أحمد، الذي توفي بعدما عدنا للبلاد بقليل نتيجة البرد والمرض، وقد حاولت أن تسعفه بالذهاب لطبيب في سخنين، لكن دون جدوى. في عرابة البطوف بدأنا دورة الحياة من الصفر”.

بعد بضعة شهور في عرابة البطوف، نادى الناطور السكان باسم المختار للتجمع في ساحة المراح كي يأخذ عدد من اللاجئين بطاقات هوية. كان أقارب وأنسباء محمود رباح أبو شوقي قد سجّلوه وأفراد عائلته في قسائم سجل الأنفس الإسرائيلي كأنهم مقيمون في عرابة البطوف: “ذهب والدي وجدي وعمي ودخل والدي توفيق حسن رباح إلى الزاوية بعدما نادوا عليه، فوجد أنه مسّجل في سجل الأنفس ورقمه 02136730 مثله مثل بقية أرقام هوية أهالي عرابة، السكان الذين حازوا على هوياتهم في أول الاحتلال. عندما دخلت والدتي وضحة سليم شعبان تبيّن أنه لا قسيمة لها، واسمها غير مسجل، ولا يوجد لها رقم، بعكس والدي، وفكّر الموظف، وهو عربي من قرية الرينة، ربما اسمه سعيد الزامل، ومعه موظفة يهودية تدعى طوفي، ويبدو أن ساعة رحمانية قد أتتهما فقررا منحها بطاقة هوية رقمها 03519462، وأنا ينتهي رقم بطاقتي 64، وهكذا إخوتي: جهاد (65)، حمدة (66)، محمد (67)، وأحمد (68)، والأخير سمي على اسم شقيقنا أحمد الذي مات رضيعا متأثرا بمرض بسبب الترحال، حيث كانت والدتي قد حملته في حضنها طيلة المسير من بعلبك إلى عين الحلوة ثم إلى عرابة البطوف. تم تسجيل الأولاد فيها، وهكذا بقينا في عرابة البطوف، في حين أن أقارب لنا لم يجدوا لهم أسماء مسّجلة في سجل القسائم الإسرائيلي. أما جدي حسن مرعي رباح وجدتي لبيبة رباح وعمي أحمد رباح وعمتي زهرة رباح وزوجها إبراهيم صالح رباح وأولادهما فقد طردوا إلى جنين، رغم كونهم مسجلين في سجل الأنفس، وذلك لعدم تسجيل نسائهم في السجل، وعندما رجعوا عن طريق الأردن، سوريا ولبنان، طردوا ثانية، وفي المرة الثالثة أيضا طردوا للبنان وصاروا هناك لاجئين حتى اليوم”.
وردا على سؤال، يستعيد أبو شوقي ملامح الحياة في حطين، يحكي عن وفرة مياهها بالإشارة لنبع “العيون”، أغزر عيون حطين الموجودة في محاذاة مقام النبي شعيب، موضحا أن المياه كانت تنبع من سفح الجبل وبجوارها بئر مبنية من الإسمنت، كنا نستحم فيه وهي تصب في جرن حجري يسمى “ران”، وتجري نحو البلدة صيف شتاء، وكانت نساء حطين يقصدونها لصفاء مياهها ونظافتها. ومن خلف هذا النبع منطقة المنطار وللشمال منه منطقة الصفاح، وهي مناطق جبلية مزروعة بكروم الزيتون، في قمتها قرنا حطين. كما يوضح أن مياه نبع “العيون” كانت تصل مزارع البلدة وبساتينها ومزروعاتها الشتوية والصيفية، حيث كانوا يزرعون خضروات كالبندورة والخيار والملوخية والفجل والخس والبصل والملفوف والزهراء والكوسى والقرع والسبانخ وغيرها، علاوة على كروم المشمش والتفاح والعناب والعنب واللوز والتوت والتين والرمان والجوز واللوز، وهذه كلها تسد احتياجات البلدة وتصدير ما تبقى للأسواق في طبرية.
النبعة الثانية تلك التي تمر من الجامع التاريخي، وسميت بـ “القسطل” لأن مياهها تمر بمواسير فخارية تدعى قساطل، وكانت المياه تستخدم للوضوء والاغتسال. منبهاً أيضا لوجود نبعة أخرى في وادي الليمون تدعى عين الصرار، وكانت تسقي كرومه وتصب مياهها في بحيرة طبرية وأبرز أشجارها الحمضيات. وحسب شهادة أبو شوقي، كانت مياه الينابيع ملكاً للأهالي ودوابهم ومزارعهم، وتوزع على أصحاب الأرض حسب كم فدان يملك، ويمضي في شهادته: “كانت حطين قد تحّسنت أحوالها الاقتصادية -الاجتماعية بفضل وفرة ينابيعها وخصوبة تربتها، وبعض العائلات علمّت أبناءها بفضل ذلك. كانت هناك سيدة خرساء تدعى فاطمة عزام تزوج ابنها بعد وفاة زوجته فتولت هي تعليم حفيدها جاد في الكلية العربية في القدس، وحاز على شهادة الماتريك، وفي لبنان بعد “الهجيج” عمل في شركة البترول أرامكو، وساهم في تحسين أحوال عائلته. ويتابع منفعلا في مديح تلك السيدة المناضلة: “كانت جدته تزرع مزروعات كثيرة كالنعناع والبقدونس والخس وتذهب لطبرية وتبيعها في السوق وتنفق على حفيدها. وهناك أيضاً بير “مزقة” شمال البلدة ومياهها الباطنية غزيرة جدا.
كانت طبرية بالنسبة لحطين هي الأخت الكبرى، نبيع فيها منتوجاتنا، ونشتري ما تحتاجه منها. “كنت طفلا أرافق والدي وعمي وهما يوردان حمولة الخضراوات والفواكه للحسبة. داخل الحسبة كان الدلال أبو عرب هو الذي يشتري حمولات الخضروات والثمار من الفلاحين، ويتولى بيعها للزبائن، خاصة اليهود، وكنا نبيع بالأساس التفاح والمشمش، وغيرنا باع فيها كل أنواع الخضروات، بمعنى أن الدلال كان وسيطا بين البائعين وبين من يشتري بالمفرق”. يستذكر أبو شوقي زيارته للمدينة المجاورة، ويكمل: كانت هناك حسبة أخرى للبضاعة بالمفّرق، حيث توجد دكاكين الأسماك اليوم، واعتاد الأهالي على بيع بيض ولبن أو دجاج بالمفّرق. أذكر أننا كنا نودع الدواب في واحد من خانين في طبرية، ريثما ننهي أشغالنا ثم ندفع الدخولية ونعود.
منبها أن أهالي حطين اعتادوا تحميل هذه الفواكه والخضراوات على البغال والحمير والخيل وتوريدها لطبرية، وكانت تودع الفواكه داخل أحمال خشبية في أسفلها وفي أعلاها أوراق شجرة زنزلخت كي لا تقربه الحشرات، فهو مرّ جداً، وكي تبقى الفواكه والخضراوات نضرة وطرية وسليمة. وتابع: “بالمناسبة؛ كانت تستخدم أشجار الزنزلخت في بناء البيوت المصممة على طراز العقد، فأعوادها مستقيمة وتستخدم كجسور وقواطع، وهي قوية لأنها مرّة السوس لا ينخرها، وكانت تزرع بين البيوت لطرد الحشرات. ويضيف: “كان أهالي حطين يتداوون في المستشفى السكوتلندي ومديره ألماني يدعى لورنس، بل كانت منطقة الليدو على ضفاف البحيرة تتبع للألمان، لكن نساء حطين كن يلدن في البيوت”.
ويستذكر أنه قريبا من الحسبة كان يقوم بنك الأمة ومديره صدقي الطبري الذي فتح لحماية الأراضي من البيع لليهود بعد موجة بيع في الثلاثينيات، وقد حاز والده على قرض منه واقتنى قطعة أرض في حطين عام 1942 من عائلة أصلها من كفرعنان وكذلك عمه وجده اقتنيا قطعتين إضافيتين، وهي عادت لقريتها واشترت أراضي هناك.
وردا على سؤال حول تتمة ملامح الحياة الاجتماعية، يواصل أبو شوقي الحديث بذاكرة قوية، وكأنه يغرف من بحيرة طبرية: “كان حداؤون شعبيون يحيون سهرات الأعراس، خاصة أبو سعيد الحطيني، وكان يفتتح السهرة بالقول: “أنا الحدا الحطيني، أعور من عيني اليميني”. ولاحقا شاركه شقيقه محمد أبو شكيب. وكان أهالي حطين يزّفون العريس في “مرودحة” إلى مقام النبي شعيب، ويستظلون تحت أفياء أشجار زيتون، وهناك تتم الدبكة الشعبية، ومنها ينزلون للقرية في صف سحجة. أما العروس فكانت تذهب لبيت عريسها عند المساء. موضحا أن أبو شكيب استشهد في معركة مع اليهود قبيل سقوط جارة حطين القرية الكبرى لوبية، وذلك عندما جاءت مجموعة من يهود طبرية والسجرة نحو لوبية، وفي الطريق جرح المختار عمه أحمد قاسم رباح واستشهد أبو شكيب. ويتابع: “والد الحدّاءَين أبو السعيد وأبو شكيب ولد لأب من صفد الأصل، تزوّج من سيدة يهودية تدعى بديعة، وقد بقيت في حطين بعد سقوطها، وكانت قد أسلمت، وتصلي وترتدي غطاء على رأسها. كان بعض أهالي حطين ممن استقروا في قرية كفرعنان يعودون خلسة لبيوتهم للحصول على بعض الحاجيات، وقد بقي في القرية بعض المسنين، وبديعة التي كانت تعطي إشارة للمتسللين بإضاءة مصباح في بيتها لتبلغهم بأن البلدة خالية من اليهود، لكن هؤلاء اكتشفوا أمرها وطردوها هي الأخرى”.

الشيخ محمد أحمد نعيم الزيتاوي، ووالده إمام المسجد التاريخي، وهما من بلدة زيتا قضاء نابلس، التي كانت تصدر مشايخ للقرى الفلسطينية، عاشا مع أهالي حطين، وورث الإمامة فيها من والده، وهو شيخ الكتّاب، حيث تعلم العربية والحساب عنده قبل الالتحاق بالمدرسة الابتدائية. ويستذكر أبو شوقي قصة مشحونة يرويها بشغف لعبرتها الجميلة، فيقول إن الشيخ الراحل محمود شعبان من حطين سافر في أربعينيات القرن الماضي إلى القاهرة، ومكث فيها ثماني سنوات وعاد منها بعد إجازته في الأزهر. ويضيف: “أصل الحكاية أن شقيقه تشاجر مع شخص من بلدته وتورط بقتله، وأنكر تهمة القتل مدعيا أنه كان في البيت وقت وقوع الجريمة وقد طلبت العائلة من شقيقه محمود أن يشهد على ذلك شهادة زور فرفض، وفي الصباح الباكر غادر حطين إلى مصر وفيها وصل الأزهر. وبعد سنوات عاد لفلسطين، وحينما وصل حطين احتفل الأقرباء والأصدقاء به ورغبوا بتعيينه إماما في مسجد البلدة بدلا من الشيخ الزيتاوي. لكن الشيخ شعبان بكرم أخلاقه رفض وقال معللا رفضه هل يعقل أن أعود من الأزهر مستغلا علمي لأقطع أرزاق شيخ زميل لي؟ وما لبث أن عين إماما لمسجد طرعان، فانتقل إليها، واستقر فيها وتزوج وكوّن أسرة. ويوضح أبو شوقي أنه حينما وقعت النكبة في 1948 تم تهجير الشيخين من زيتا مع بقية أهالي حطين إلى لبنان، فيما بقي الشيخ شعبان وأسرته في طرعان وفيها باتت ذريته شجرة خضراء له فيها اليوم عشرات الأحفاد. مؤكدا أنها تبدو قصة بسيطة لكنها تنطوي على عبرة كبيرة. وبقيت سيرة الشيخ محمود طيبة كالمسك مثلما بقيت صورته في الذاكرة وهو يلعب “المنقلة” مع صديقه الخوري الأب الراحل كامل خوري في طرعان، وهي مثبتة في بيوت كثيرة حتى اليوم لاحتضانها رسالة وحدوية لطيفة.
ويستذكر المؤرخ وليد الخالدي (كي لا ننسى) أن حطين تهجرت يوم سقطت الناصرة وجارتها لوبية في تموز 48 ونزح أهلها لمنطقة وادي سلامة، ونجا بعض المحظوظين من جحيم التهجير واللجوء وبقوا في عرابة، دير حنا، كفركنا وشفاعمرو وعيلبون وغيرها.
“طبعا الأمل كبير بالعودة ولن يخيب أملنا بهذا الأمل، وإن لم نعد سيعود أبناؤنا أو أحفادنا بإذن الله”.
الشيخ محمود رباح أبو شوقي المولود في حطين عام 1936 عمل 36 عاماً في سلك التعليم ولم يتغيب سوى 36 يوما خلال كل مدة تعليمه. يستعيد ذلك على مسامع أتراب له ممن يشهدون له أخلاقه وصدقه.