رشا حلوة
منذ فترة لم ألامس الصباح كما يستحق، كان لصباح اليوم رائحة مختلفة. رائحة ممتدة من عكا حتي حيفا، ومسؤوليتي أن ألملمها لأرتوي قليلاً، ولأضيف إلي رائحتي عبق الطبيعة والسماء. كان الصباح يشبه ملامح الغروب، رمادي الهيئة. فجأة أحاطني هواءٌ خفيفٌ، حرٌ، كأنه لا يحمل شيئًا بين نسمة وأخري، ترافقه قطرات خفيفة هي أيضًا، تحذر من قدوم مزعج أو غير مزعج، وفقًا لاختلاف الحالات التي يُشكلها المطر عند الناس، وتشابهها بالأكثر، إذ أنه يُشكل عند أغلب الناس إنعاشاً لذكري ما، ذكري عشق علي الأرجح.. كما قال “زروبا” في أحدي رقصاته: “إنها للذيذة، وحزينة جدًا، تلك الساعات من المطر الناعم، تعيد إلي الذهن جميع الذكريات المُرة، المدفونة في القلب: فراق الأصدقاء، ابتسامات نساء قد طفأت، آمال قد فقدت أجنحتها كفراشات لم يبق منها إلا الدود..”. لم أكن جاهزة للمطر هذا اليوم، أنه هكذا، يأتي من دون أن يدعوه أحد، من دون أن يأتي موعده حتي.. يلملم نفسه، حقائبه، ويأتي.. يعلن لنا في الأرصاد الجوية أحيانًا، وأحيانًا لا تكتفي هي بأن تعلم بقدومه. لا ثياب دافئة جاهزة، ولا حذاء مضاد للمياه، حتي المظلات هنا لا تتحمله، تذهب معه ومع الرياح.. ازداد المطر، بردت قليلاً، ها هو يعود مرة أخري بنفس الشكل، والشعور، والفوضي.. يجعلني أختبئ منه، تحت سقف لا يسمح له بالعبور، كل ما حولي امتلأ بالمياه، حاول أن يلمس خصلات شعري، أخبئها بيدي، تصل قطراته إلي يدي، يبتسم لنجاحه.. أمسح القطرات بثيابي.. ابتسم أنا، لن أجعله يلمس شعري. أرفع رأسي قليلاً، أحاول أن لا أفكر بحزن المطر الآن، هذه امرأة، لون ثيابها ورديّ، يشبه الربيع.. تضع علي رأسها كيسًا من النايلون ليحميها من المطر. تركض باتجاهي، أو هكذا أعتقد، تبتسم، تبرر وضع الكيس علي رأسها.. لم أكن أعلم أنها ستمطر! هكذا قالت لي.. وذهبت.
لكني لم أكتف بأن أقول لها ما يمطر في عقلي.. لم أكن أعلم أنها ستمطر، وأني سأكون في الشارع عندها، أبحث عن سقف إضافيّ، عن احتمالات بناء حواجز ذهنية، كالتي في القلب.. تدفن ما تشاء، كي لا يتبعثر بالمطر مرة أخري، أو بأمر مخفي منه.
أقف بجانب دكان، أنتظر مرور سيارة الأجرة الأولي إلي حيفا، أراها قادمة من بعيد. لا أغير مكاني، ولا أرفع له يدي.. سائقو هذه السيارات يعرفون من وجوه الناس من ينتظرهم. أوقف السائق سيارته، وركضت باتجاهها قبل أن تلمسني أكثر من قطرتين.. السيارة مليئة بالنساء، سوي السائق. جميعهن يتحسرن علي عدم إحضار معطف دافئ، يغضبن، يتفقدن منسوب غرق ثيابهن، وأنا انظر إلي حذائي المصر علي أن يبقي صيفاً، وإن كانت المياه التي ستجعله مبلولاً ليست مياه البحر ذات الرائحة الرملية المعتقة أثناء إحدي الليالي الصيفية، التي افتقدها الآن. يزداد المطر، ويظهر أمامي كمارد شديد الغضب، علي ذاته ربما. الطريق من عكا إلي حيفا مكتظة بالناس، بالمظلات والمطر.. طوابير ذكريات، كلٌُ يبحث عن ذكراه، أو يبعدها عنه. هذان حبيبان علي ما اعتقد، يمسكان بذكري ما، كلٌ منهما يحاول شدها إليه.. هذه امرأة، تنظر خلسة وحنين علي ذكري عابرة أمامها، وجه رجل ملصق في الذكري.. رجل غمر الشيب رأسه.. ولن يعود ليحتضنها باكية.. وهذا طفلٌ، يلعب سوية مع ذكري تحمل سلة هدايا، وقبلات.. يمسك بيديها ويركضان سويًا نحو أمه التي تنتظر في المحطة وتنادي عليه، يصل إليها ممسكًا بذكراه الحلوة، ليذكر أمه أن شيئًا جميلاً قد حصل له في عام المطر الماضي، ليطلب منها إعادة الذكري. يتحوّل المطر إلي قطرات متجمدة شفافة، تنهمر علي الشوارع والعشب الأصفر، تجد لها سقوفًا ومظلات وقطعًا من الحديد والخشب لتُشكل من ذهولهم ومفاجأتها موسيقي شتائية لخلفية طقس شواء الكستناء ومتعتها. خمس دقائق، وتنهي معزوفتها. إنها تلهي انعكاسات المطر علي نفسي، تجعلني أتأملها وأسمعها، وأراقب الناس الهاربين منها. سنصل إلي بداية حيفا بعد قليل، قوس قزح يمتد فوق كرملها، لقد نجحت السماء في إقناع الشمس بأن تعود قليلاً، وقوس القزح دليلٌ علي ذلك. اقترب إلي مكاني المعهود، الشمس هي مطلبي الوحيد الآن، لتُشكل حاجزًا ذهنيًا يخفف عني سرعة عبور شريط الذكريات في رأسي، واحدة تلو الأخري.
مطرٌ في عكا، شمسٌ تقترب إلي الدفء في حيفا، ذكريات مبعثرة علي الطريق، لا عامل نظافة يلملمها خلف الناس الذين رموها قصدًا. لا قوانين تُحرم رمي الذكريات هكذا، ليأتي المطر الناعم مستمتعًا بفك هدوئها المريح.
كانت الشمس في حيفا مُخلّصًا ضروريًا لعبثية المشاعر الآن، لخجل الأوراق الصفراء المتساقطة.. لاحتمال هجرة طير إضافي.. لامرأة ترتدي الوردي الكاذب، وتضع علي رأسها كيسًا من النايلون، مدعيةً أنها تحمي شعرها من المطر.. مثلنا جميعًا.
عكا ـ تشرين الأول 2006كاتبة من فلسطين[email protected]