ذلك الشاب الذي يجلس وحيدا ويدخن بهدوء!

حجم الخط
0

أمجد ناصر

في عصر يوم صيفي، أواسط السبعينات، رأيت ذلك الشاب المهندم الذي تبدو عليه سيماء اليسر المادي في مقر رابطة الكتاب الأردنيين. كانت هناك أمسية أدبية انفضت، أو ستبدأ، لا أتذكر بالضبط. لا أتذكر، كذلك، من الذي عرّفني إليه. كنت أعرف معظم المترددين إلى مقر الرابطة في ‘جبل اللويبدة’، لكنني لم أر هذا الشاب المربوع من قبل. عرفت أنه يدعى الياس فركوح. مثل وجهه، لم يكن اسمه مألوفاً. الكلمتان اللتان سأسمعهما، بعد اسمه، هما: فلسفة وأدب. فهمت أنه ‘مهتم’ بالكتابة الأدبية ومتخرج من جامعة بيروت العربية في الفلسفة. تلك هي بطاقة الهوية المختصرة لذلك الشاب المهندم الذي يدخِّن في هدوء ويتطلع حوله بشيء من الفضول الرصين. وضعت كلمة ‘مهتم’ بالأدب بين قوسين، لأنه قدم نفسه فعلاً كذلك. وكان بامكانه أن يقول بكل بساطة: قاص. فهو، كما سأعرف لاحقاً، نشر بضع قصص قصيرة ولديه أخرى غير منشورة. بذلك التواضع الأدبي والمعرفي المبكر قدَّم الياس فركوح نفسه لشاعر شاب قادم من خارج العاصمة تتطلع عيناه إلى عشر جهات في وقت واحد. منذ ذلك اللقاء العابر أصبحنا صديقين لا يفترقان، تقريباً، حتى يوم مغادرتي الأردن الذي كان يتخلَّق في رحم الغيب.***ما أهمية هذا الكلام الشخصي في الحديث عن كاتب وكتبه؟ جوابي السريع هو التالي: تلازم الابداع بالمعرفة عند الياس فركوح على نحو يصعب فك عراه. فالكلمتان اللتان نطقهما، بعد اسمه، ذلك الشاب المهندم، المهذب، مصفف الشَّعر بأناقة تبعث على الغيظ، انعجنتا في شخصه وصارتا علامة مسجلة لأدائه العام وظلتا كذلك، كما أحسب، إلى اليوم. ولم يكن ذلك ما يصدر منه معظم المنتمين الى الساحة الأدبية المحلية. لم يكن ذلك دأبي، رغم أنني كنت مسيَّساً ومنتمياً إلى مجموعة تمتلك ‘برنامجاً فكرياً’. كانت مجموعتنا تتكامل على هذا النحو الفضفاض: التجارب الحياتية والتجارب المعرفية. هناك من اعتبر الحياة اليومية، في مدارها الطبقي الاجتماعي، مصدراً يكاد يكون وحيداً للابداع، وهناك من رأى أن التجربة الحياتية المنطلقة من هذا المنظور ليست كافية لفهم (وكتابة) الوجود الانساني الذي يصعب ضبطه في ترسيمات جاهزة. الياس فركوح كان من أصحاب الرأي الثاني، إن لم يكن هو الذي أضاف ذلك الفهم الى نقاشات مجموعتنا. لكنَّ هذا لا يعني أن الياس لم يكن مُسيَّساً أو غير مبال بالواقع الاجتماعي. لقد كان مهتماً. غير أن المعرفيَّ في مقاربته للواقع والحياة بدا أوضح عنده من السياسيِّ المباشر. بذلك لم يكن الياس ابناً باراً لـ ‘الواقعية الاشتراكية’، ‘موديل’ تلك اللحظة الايديولوجي الذي كان يرفرف فوق الكتابة الأدبية كطائر الرّخ. ماذا يعني هذا الكلام؟

يعني أن الياس لم ير العالم انطلاقا من ترسيمة ايديولوجية سادت، على نحو ماحق، يومها، رغم أنه لم يكن بعيداً، تماماً، عن الايديولوجيا. العالم، بصرف النظر عن ضيقه أو اتساعه، سواء كان يعني الأردن أم المحيط، أكثر تعقيداً من أن تحيط به وصفة فكرية جاهزة. هذا التعقيد الموضوعي يستدعي مقاربة يتضافر فيها أكثر من عامل في مواجهة التبسيطية الفكرية التي يتراءى العالم، عبرها، بالأبيض والأسود. فالفكرة الجاهزة ليست قادرة على ضبط الواقع ومعاينته، كما لا ينبغي ليّ عنق الواقع ليتلاءم مع خطاطتها. لا بد من التأمل وإعمال النظر، وربما التأويل. لا بد من مقاربة يتداخل فيها المعرفي بالابداعي، النظري بالخبرة الحياتية. كانت هذه النظرة الجدلية الحذرة التي تحلى بها الياس فركوح تظهر في نقاشاتنا المتصلة في بيتهم القديم ( فوق مطعم هاشم)، في مقهى الأردن الذي اتخذناه مكاناً للقاءاتنا، في مقر رابطة الكتاب، وقد يُسمع صداها في الكتابات التي كان يقرأها أفراد تلك ‘ العصبة’ بعضهم لبعض ولا تجد، غالباً، منبراً مناسباً لها. فالمنابر المحلية، تلك الأيام، كانت أندر من الكبريت الأحمر.

ولعل قرب الياس من المفكر والسياسي الأردني الراحل منيف الرزاز، الذي كان، وقتها، يعيد النظر في الأسس الفكرية للقومية العربية (كما هي عند البعث) منفتحاً على الفكر الماركسي غير الستاليني، شكَّل سبباً إضافــياً في غلبة الفكريِّ، عنده، على السياسيِّ الصـــرف، لكنَّ هذا مجرد تخمين لست متأكداً من صلابته.***كان الياس فركوح قد وصل، للتو، من بيروت، متضلعاً بتجربة في العمل الوطني الفلسطيني ودارساً، في الوقت نفسه، للفلسفة، ومعجباً ببعض التجارب السردية اللبنانية الجديدة (‘الجبل الصغير’ لإلياس خوري، مثلاً). كان يكبرني، شخصياً، ببضع سنين. تلك السنون القليلة الفاصلة بيننا قضاها الياس في مدينة يدين لها مثقفون عرب كثيرون بوعي حياتيّ ومعرفيّ لم يكن ممكناً اكتسابه، على الأغلب، في المكان الأول الذي جاؤوا منه. فقد كانت بيروت أكثر من مجرد عاصمة عربية أخرى. كانت قلعة لفكرة الحرية، ومطبعة لكتاب بلا رقابة، وصالة سينما تعرض آخر انتاجات التجارب السينمائية الكبيرة، ومعرضاً تشكيلياً تجريبياً، وطراز حياة متمرداً على المواضعات المحافظة. باختصار: كانت المدينة المثالية، أو شبه المثالية، التي يحلم بها العاملون على تغيير الحياة العربية. بهذه التجربة البيروتية تفوق علينا الياس فركوح وبها اتسمت نبرة كلامه وكتابته. ***أكتب هذا الكلام من الذاكرة. وهذه آلة انتقائية، فضلاً عن كونها مراوغة، لذلك لا استبعد أن أكون قد أضفت، من وعي لحظتي الراهن، إلى ما كانه الياس فركوح عندما التقينا أو انتقصت مما كان عليه. اعتبر ما قلته محاولة لرسم صورة تقريبية لذلك المثقف الشاب الذي جاء الى رابطة الكتاب الأردنيين من خارج الوسط المحلي، حاملاً وشم مكانٍ محلومٍ فيه: بيروت. ما يجعلني أتمسك بصورتي التي رسمتها لإلياس هو التطور الهادىء، البطيء، ولكن المثابر، الذي اتخذته مسيرة ثقافية زاوجت، دائماً، بين الابداعي والمعرفي. دليلي على ذلك مجموعاته القصصية ورواياته التي توالت، بالتزامن، مع كتاباته ذات المنحى التأملي والمـــــعرفي القلق. لم يكتب الياس فركوح قصة، أو رواية، ومضى في سبيله، بل أمعن النظر في تلك الكتابة وعلاقتها بلحظتها، تأصيلاً، ومرجعية، ودوراً. فالكتابة، في فهمه، ليست عملاً يفرغ منه الكاتب بوضع نقطة في آخر السطر وينتهي الأمر. فهناك التفكير في الكتابة. توضّعها في سياق. مساءلتها. وهذه كتابة أخرى تصدى لها الياس لأكثر من سبب في ظني. ربما لأنه يرغب في أن تتضح له، شخصياً، غوامض العمل الابداعي، أو لأن هناك نقصاً عربياً عاماً في التفكير في الكتابة الابداعية. Email: [email protected]/amjadnaerqlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية